“فجأة انهمر المطر بغزارة، فانغرست عجلات العربة في الأرض ولم نعد قادرين على التحرك حتى شِبراً واحداً….لقد كان موقفاً محرجاً بحق.”
قالت هيليوني ذلك وهي تتنهد.
لعلها كانت في الثلاثينيات؟ فمن القبعة التي تعلو رأسها حتى فستانها، كانت مغطاةً بالأصفر بالكامل، حتى بدت كزهرة كالا صفراء طويلة الفم.
لكن ما خطف نظر أداماس حقاً كان العقد المتدلّي على عنقها….عقدٌ على شكل قطرة ماءٍ بلونٍ أخضر زمردي.
كان عقداً من جوهرةٍ تُسمى هِليودور….لا يقلّ عن عشرين قيراطاً على الأقل.
ربما حتى اسم الاتحاد التجاري مأخوذٌ من تلك الجوهرة.
وبينما كانت أداماس تحدّق بالعقد مسحورة، لمس سافيروس ذراعها بخفة وهو يقف إلى جوارها.
‘آه صحيح….هذا ليس وقت الشرود الآن! هذه المرأة هي التي أهانت مانو وجعلتنا أضحوكة!’
فتحت أداماس عينيها بحدة، ومسحت المرأة التي أمامها بنظرةٍ سريعة من رأسها حتى قدميها.
سيدة الاتحاد التجاري الجميلة، التي جاءت وهي ترتدي عقد هِليودور، أخذت تضغط بوشاحها على بقع الطين التي تناثرت على فستانها، وتروي مغامرتها وهي تشق الرياح والمطر من العاصمة حتى وصلت إلى مانو.
لكن رغم تذمّرها اللطيف وثرثرتها الملساء، لم تلِن ملامح الرجل الجالس قبالتها قيد أنملة.
“لكن ذلك لا يمكن أن يكون سبباً يبرر اقتحامكم للإقطاعية دون إذن.”
قال هيدينايت ذلك وهو يحدّق فيها بنظرةٍ باردة، يمسحها من أعلى لأسفل.
“ماذا؟ سيدي الماركيز؟ عمّ تتحدث؟”
“أسألكِ لماذا دخل أفراد مجموعتكِ الإقطاعية دون تصريح.”
“اقتحام؟ نحن ضيوفٌ مدعوون بوضوح!”
“كونكم ضيوفاً مدعوين….كان صحيحاً حتى صباح اليوم.”
“قلت لكَ أن المطر هو الذي أخّرنا!”
“لقد أُرسلت إليكم الخريطة التي توضح طريق القدوم إلى الإقطاعية. فلماذا دخلتم من ممر جبليٍ وعر بدل البوابة الرئيسية؟”
“يا إلهي….لقد أخطأنا الطريق فقط لأننا في طريقٍ ممطرٍ ولأننا نزور المكان لأول مرة، كم مرةً يجب أن أكرر ذلك؟ لماذا تعاملنا وكأننا مجرمون؟”
“حسنٌ أن المطر هطل.”
سخر هيدينايت من هيليوِني و كأن أعذارها لا تساوي شيئاً.
وبسبب تلك السخرية بدأت شفتا هيليوِني ترتجفان شيئاً فشيئاً.
“سيدي الماركيز….هل تضحك عليّ الآن؟”
“فقط وجدته أمراً مضحكاً فضحكتُ. يبدو أن سائق عربتكم لا يجيد حتى قراءة الخريطة. بل لا….المشكلة من الأصل ليست في من قرر صعود طريق جبلي بعربة؟ لا بد أن السائق عانى كثيراً….بسبب صاحب عملٍ عنيد.”
“لو كان الطريق الجبلي ممهدًا كما ينبغي لما واجهنا مشكلة. أنا من يجب أن تتفاجأ! لقد بالغتَ كثيراً في مدح إقطاعيتكَ في الرسالة، حتى خُيّل إليّ أن الطريق إليها مفروشٌ بالذهب!”
“ماذا قلتِ؟”
“قلت أن الطريق مجرد تراب….بالكاد تمر منه عربةٌ واحدة. ومع طريقٍ كهذا، كيف يمكن للتجارة أن تزدهر؟ ومن من الاتحادات التجارية سيؤسس فرعاً في إقطاعيةٍ كهذه؟”
فتجعد جبين هيدينايت. لكن هيليوِني لم تأبع، بل أطلقت ضحكةً ساخرة وتمتمت بصوتٍ خافتٍ يكاد يُسمع.… “ريفٌ ناءٍ.”
كل من في غرفة استقبال قصر الماركيز شهق وهو يراقب تعابير هيدينايت، لأن همسها لم يكن خافتاً حقاً….بل كان عالياً بما يكفي.
“ها! إذاً هذا هو سبب عدم قدومكم مباشرةً إلى القصر! كنتم تخططون على ما يبدو للعودة فور أن يتوقف المطر! بعد أن تتجسسوا على الإقطاعية خلسة! أكان هدفكم جمع المعلومات، لذلك تسللتم سراً إلى منزل قائد فرسان الإقطاعية؟!”
“ومن قال أننا جواسيس روفيانا؟! كم مرةً أقول أننا دخلنا لنحتمي من المطر؟! و بصراحةٍ هذا ظلم! كيف يكون ذلك منزلاً لقائد الفرسان؟! بالكاد….إن أحسنتَ الظن، فهو كوخٌ جبلي يختبئ فيه الصيادون من المطر! نحن أصلاً لم نكن نعلم أننا وصلنا إلى الإقطاعية! ظننا أننا تائهون في جبال رايد!”
تعالت الصيحات وتبادلت الأصوات الغاضبة. وأداماس، التي كانت تراقب المشهد، شعرت أن الأمر يستحق التصفيق فقط لأن أحداً لم يبدأ بتبادل الاتهامات بالأصابع بعد.
‘….لحظة، تلك المرأة….هل كانت تسخر من بيتنا الآن؟ ألا تعاني مشكلةً في الأخلاق؟!’
ناسيةً تماماً تصرفاتها السابقة، قبضت أداماس على قبضتها بقوة.
كان ذلك في اليوم الأخير من سبتمبر….اليوم الذي دخل فيه الضيف المنتظر أخيراً، بعد طول انتظار.
وفي السماء الداكنة المزرقّة بعد انقشاع المطر، كان الهلال الرفيع يلمع بهدوء….طويلاً وحاداً، تماماً كحاجب سافيروس.
***
خلف قصر الماركيز، في ممر جبليٍ صغير، كانت أداماس تقود مجموعة هيليوني وهي تتذمر.
‘نعم نعم….الآن لا تفهمين لماذا أعطيناكِ جزمةً طويلة وقفازاتٍ سميكة. لكن عندما ترين منجم الزمرد لدينا، ستصعقين.’
أجبرت أداماس زاوية فمها المرتفعة على الهبوط، ثم شجّعتهم بنبرةٍ حازمة.
“هيا هيا، أسرعوا. لقد وصلنا.”
“لا….ما هذا؟!”
تجمّدت الدهشة على وجوه أفراد الاتحاد التجاري وهم يقفون أمام مساحةٍ شاسعة خلّفها نيزكٌ ضخم.
أجل….كنتُ أعلم أنكم ستندهشون هكذا.
ثم ارتفع صوت أداماس بحماسٍ وقد تحسّن مزاجها.
“تعالوا….من هنا!”
قالت أداماس ذلك وهي تقود المجموعة بين صفوف الخيام الخضراء المصطفّة.
و على الطاولات داخل الخيام، وُضعت قطعٌ خام من الزمرد بأحجامٍ مختلفة.
“كما تعلمون، أحجار مانو السحرية تحمل طاقة البرق. قيمتها كأداةٍ سحرية كبيرة، لكن في الحقيقة….لا يمكن تجاهل قيمة حجر السحر كجوهرة أيضاً. والزمرد-”
“لا داعي لشرح ذلك.”
“ماذا؟”
قالت هيليوني ذلك وهي تمسح العرق عن جبينها بمنديل.
“لدي معرفةٌ أساسية بالأحجار الكريمة. ثم إنني….لا أحب الزمرد كثيراً.”
“أمم….ولماذا لا تحبين الزمرد تحديداً.…؟”
“لأن لونه باهتٌ ومُعكّر.”
“باهت….ومُعكّر؟”
“نعم. يشبه عين السمكة تماماً.”
قالت هيليوني ذلك وهي تنقر بأطراف أصابعها على زمردٍ معتمٍ معروضٍ فوق الطاولة.
“أنا….أظن أنكِ تعرفين، لكن زمرد الإقطاعية هنا معتمٌ لأنه حجرٌ سحري.”
“يا إلهي، بالطبع أعرف. إنه حجر سحريٌ ممتاز. يدرّ المال، أليس كذلك؟ لا تهتمي بذوقي الشخصي. أنا فقط لا أحب اللون الأخضر كثيراً.”
في تلك اللحظة، عجزت أداماس عن الرد. و لم تستطع فهم كلامها أبداً.
‘ذوقٌ شخصي؟’
هل يمكن لشخص أن يكره الأحجار الكريمة أصلاً؟ بل….منذ متى كان اللون الأخضر لوناً يختلف الناس في حبه وكرهه إلى هذا الحد؟
وبينما كانت أداماس تميل رأسها بحيرة لوقتٍ طويل، تحدّثت هيليوني،
“أريد أن أرى الأحجار السحرية المصقولة بعد المعالجة. قلتِ أن أقصاها يصل إلى دائرةٍ ثالثة، صحيح؟”
“آه….نعم. تفضلي من هنا.”
ومسحت أداماس الأسئلة التي ازدحمت في رأسها، ثم قادتهم إلى الخيمة الثانية.
***
بعد أن قضت مجموعة الاتحاد التجاري صباحاً كاملاً في مشاهدة موقع استخراج الأحجار السحرية، اتجهوا إلى وسط الإقطاعية برفقة سافيروس لتفقد الأرض المناسبة لإنشاء الفرع التجاري.
أما أداماس، فبقيت في موقع التعدين بصفتها المشرفة على العمل بدلاً من سافيروس، وتابعت استخراج الزمرد.
ومع غروب الشمس، عادت أداماس إلى قصر الماركيز لتقديم تقرير يوميات التعدين للماركيز.
وبينما كانت تنتظر سافيروس في الحديقة الخلفية للقصر، تتأمل الزهور، أحسّت فجأةً بمن يربت على كتفها من الخلف.
“آه! ما هذا؟ شبح؟!”
صرخت أداماس وهي تُبعد بسرعةٍ اليد الغريبة التي لمست كتفها.
“ومن الذي تعاملينه كالشبح؟”
“آه….بانثيون. لقد أفزعتني!”
كان صاحب اللمسة الغريبة هو بانثيون.
و حدّق في أداماس المذعورة بنظرةٍ مشككة وهو يتفحصها من أعلى لأسفل.
“لماذا لا تنتبهين مهما ناديتكِ عدة مرات؟”
“كنتُ أفكر في شيءٍ فقط. ماذا تريد مني؟”
“هناك شيءٌ مريب.”
“ما المريب؟ لا تقل كلاماً غريباً، قل ما تريد فقط.”
“لديّ طلب.”
“حسناً. تفضل.”
“ستلبّينه؟”
“سأسمع أولاً ثم أقرر.”
“لنشرب كوب شاي.”
“ماذا؟”
“قلتُ لنشرب كوب شاي.”
قال بانثيون ذلك وهو يرسم ابتسامةً عند طرف فمه، فلم تتراجع أداماس، بل رفعت هي الأخرى زاوية شفتيها وأجابته.
“لماذا؟”
“ماذا تقصدين بـ(لماذا)؟ أنا أقول لنشرب كوب شاي!”
“في هذه الدنيا لا يوجد كوب شايٍ بلا سبب.”
وحين قالت ذلك وهي تهز كتفيها بلا مبالاة، تنهد بانثيون وهزّ رأسه يميناً ويساراً.
“هل يقولون لكِ أحياناً أنكِ لا تلتقطين الإشارات؟”
“ماذا؟ أنا؟ وكأنني روس مثلاً؟”
“آه….ألا تفهمين معنى أن يقول رجلٌ لامرأة: لنشرب كوب شاي؟”
نعم، لا أفهم. و ليس أي رجل….فأنتَ بالذات من يقولها….
حاولت أداماس أن تُرخي جبينها المتجهم بالقوة وردّت،
“هاه….هذا الجمال، واضحٌ أنه لم يمت بعد، صحيح؟”
“….ماذا؟”
“أنا فقط أعيش كل يومٍ في المنجم بين غبار الحجارة، لكنني في الحقيقة….جميلةٌ قليلاً.”
“نـ-نعم….أنتِ جميلة جداً.”
“بانثيون، هناك تشنجٌ في زاوية فمكَ الآن.”
“رأيتِ خطأ.”
“لا أنا متأكدة، فلقبي (الصقر).”
قالت أداماس ذلك وهي تنقر بخفةٍ عند طرف عينها، فتنهد بانثيون.
“كفى تلاعباً بالكلام. أنا أرى أنكِ موهبةٌ ثمينة، ومن المؤسف أن تبقي في هذا الريف.”
تقدم بانثيون نحو أداماس بوجهٍ جاد. لم تعد المسافة بينهما حتى شِبراً واحداً. وبصوتٍ منخفض وثقيل، همس قرب أذنها،
“سأتكلم بصراحة….ما رأيكِ أن تأتي معي إلى العاصمة؟”
ومع خصلات شعره التي انسدلت بنعومةٍ على وجهها، وذلك الصوت الخافت الذي دغدغ أذنها، ارتجف جسد أداماس لا إرادياً.
ما به؟ لماذا اقترب فجأةً إلى هذا الحد؟
“….لماذا لا تجيبين؟”
“أ-اسمع….ابتعد. أنتَ قريبٌ جداً الآن.”
قالت أداماس ذلك وهي تستعيد وعيها، ثم دفعت بانثيون على عجل.
لكن بانثيون لم يتحرك قيد أنملة، واكتفى بالتحديق فيها وكأنه يثقبها بنظره.
“ابتعد! أرجوكَ!”
وأمام عناده، اشتعلت العناد داخل أداماس أيضاً، فدفعت صدره بكل ما لديها من قوة مرة أخرى.
أوف! لماذا لا يتحرك؟ يا له من أمر مستفز!
“أن تلمسي صدر رجلٍ هكذا….هذا تصرّفٌ جريء.”
“لا، لأنكَ أنت لا تتراجع! أ-آه….!”
عند ملاحظته غير المتوقعة، تراجعت أداماس خطوةً إلى الخلف، وفي اللحظة التي انزلقت فيها قدمها دون قصد، أمسك بانثيون خصرها بسرعة.
تلاقت عيناهما. فانحنى خط عينيه بلطف، وفيهما ذلك البريق الذهبي الذي يرمز إلى دم الأسد النبيل.
“كوني حذرة….يا آنستي.”
قال بانثيون ذلك وهو يثبَت أداماس برفقٍ بعدما انحنى خصرها.
‘يا له من وجه….مبهر. لا، ليس هذا وقت التفكير بهذا!’
“أ-أرجوكَ….ارفع يدكَ عن خصري.…”
تمتمت أداماس وهي تطأطئ رأسها، و تنظر إلى يده التي ما زالت تقبض على خصرها بإحكام.
“سأترككِ….إن أجبتِ عن عرضي.”
“اترك يديكَ أولاً.”
“الإجابة أولاً.”
“هاااه….حسناً. إجابتي هي.…”
“إجابتكِ؟”
“الرفض.”
_________________________
وش قاعد يسوي قليل الادب جا يتغزل عشان المصلحه؟ تـء تـء
التعليقات لهذا الفصل " 50"