قفزت امرأةٌ ذات شعرٍ بلون القمح من العربة بسرعةٍ كالسهم المنطلق من وتر القوس.
كانت تمسك بيدٍ واحدةٍ طرف فستانها، وباليد الأخرى تقبض بقوةٍ على قبعةٍ كبيرةٍ تتدلّى منها طرحة، كي لا تنزلق.
“سيدة رئيسة القافلة! إن اندفعتِ هكذا فجأةً فـ….!”
“آسفة يا غوت. سنلتقي في النُّزل.”
لفّت عنقها وهي تتلفّت هنا وهناك، ومع كل حركةٍ كانت جوهرة الزبرجد الذهبية المتدلّية من عنقها تطنّ بخفّةٍ وكأنها تتراقص.
“أين هو؟ أين سوق الياقوت؟”
تمتمت هيلِيوني، رئيسة القافلة التجارية، وهي تقضم أظافرها.
كانت متعجّلة، لأن اليوم هو الفرصة الوحيدة لرؤية سوق الياقوت.
‘تأخرتُ أكثر مما ينبغي….غدًا عليّ أن أعبر الجبل باكرًا. لو شكّلتُ القافلة من نخبةٍ قليلة لكان الوصول إلى هنا في ثلاثة أيامٍ فقط.’
كانت وجهة القافلة هي إقطاعية الماركيز مانو الواقعة في أقصى جنوب الإمبراطورية. كانوا في طريقهم لإبرام عقدٍ ضخم.
وعلى خلاف خطتها بأن يصلوا إلى مانو خلال أسبوعٍ أو أقل، فقد استغرق الوصول إلى إقطاعية الكونت لُوفينا أسبوعًا كاملًا بالفعل.
كلما ابتعدوا عن العاصمة ساءت الطرق، فاستغرقوا وقتًا أطول مما توقعوا. كما أن العربة الكبيرة الفاخرة وكثرة الموظفين أصبحت عبئًا ثقيلًا على مجموعة هيلِيوني.
في الحقيقة، العقبة الكبرى تبدأ من الآن. إنه ذلك الجبل الضخم الواقع بين إقطاعية الكونت لُوفينا وإقطاعية الماركيز مانو….سلسلة جبال “رايد”.
‘هل يمكن عبورها في يومٍ واحد؟’
توقفت هيلِيوني عن السير، وزفرت تنهيدةً وهي تنظر نحو سلسلة جبال رايد.
مكانٌ لا يمكن الوصول إليه إلا بعد تجاوز آخر امتدادٍ من تلك السلسلة. إقطاعيةٌ مجهولة لم تزرها قط. و بعيدةٌ جدًا عن العاصمة، قليلة الأخبار والسمعة.
هل ستكون حقًا حجرًا كريمًا ذا قيمةٍ كما يوحي اسم “مانو”؟
لا أحد يعلم كم سيظهر من أحجارٍ سحرية مميزة كتلك التي أرسلوها لها كعينة….لذلك من الطبيعي أن تذهب لترى بنفسها، لكن….
الاستثمار اعتمادًا على عدم اليقين ليس أمرًا مرغوبًا لتاجر، ومع ذلك ترددت هيلِيوني طويلًا قبل اتخاذ قرار الذهاب إلى مانو. والسبب واحد: إنها بعيدةٌ للغاية.
وحين قررت أخيرًا الذهاب، وضعت هدفين كبيرين.
الأول: معرفة ما إذا كانت للإقطاعية المجهولة قيمةً أخرى غير الأحجار السحرية.
والثاني….كان سوق الياقوت في إقطاعية الكونت لُوفينا التي وصلت إليها الآن.
سوق ياقوت لُوفينا كان يُعدّ عمليًا كأنه تجارة جملةٍ تقوم بها الإقطاعية نفسها، وهو أكبر وأهم مركزٍ لإنتاج الياقوت في الإمبراطورية.
هناك يمكن شراء أجود أنواع الياقوت—بلون دم الحمام—بنصف سعر العاصمة.
‘قد لا أكون مهتمةً كثيرًا بالمجوهرات، لكنني أريد أن أعرف حجم سوق ياقوت لُوفينا حقًا.’
وبهذه الفكرة، أسرعت هيلِيوني بخطواتها، لكنها اصطدمت في أحد الأزقة بشخصٍ خرج فجأة.
“آه! يا إلهي، أنا آسفة! هل أصبتِ بأي أذى؟”
“…….”
“أعتذر حقًا.”
ظلت هيلِيوني تنحني مرارًا وهي تعتذر.
“لقد أسقطتِ هذا.”
ناولتها هيلِيوني كيسًا صغيرًا كان قد سقط على الأرض. فأسرعت المرأة وأدخلت الكيس في حضنها.
“أنا آسفةٌ جدًا. كان يجب أن أنتبه للطريق.”
و من دون أن تجيب بكلمة، نفضت المرأة عباءتها ذات اللون الأصفر المائل للبني مرةً واحدة، ثم تجاوزت هيلِيوني ومضت.
فنادت هيلِيوني بصوتٍ عالٍ نحو المرأة المبتعدة،
“عفوًا، هل تعرفين أين يقع سوق الياقوت؟”
توقفت المرأة لحظة، ثم أشارت بهدوءٍ بإصبعها. و كان ذلك الزقاق نفسه الذي خرجت منه.
“شكرًا لكِ.”
خلعت هيلِيوني قبعتها، وانحنت برفقٍ لتشكرها. لكن المرأة ذات العباءة كانت قد اختفت بالفعل، كأنها لم تكن هناك من الأساس.
“لـ-لحظةً….من فضلكِ.…!”
وبينما كانت ترتّب ملابسها وتنظر حولها، استدارت هيلِيوني ونادت باتجاه اختفاء المرأة.
ففي المكان الذي جلست فيه على الأرض من شدة الاصطدام، وجدت حبّة جوهرٍ صفراء صغيرة.
لكن المرأة كانت قد اختفت دون أي أثر. فالتقطت هيلِيوني تلك الجوهرة الصفراء الدقيقة، ثم حكّت رأسها بحيرة.
“لا حيلة….سأعطيها لاحقًا للحرس.”
تنهدت هيلِيوني، ثم تحركت باتجاه الزقاق الذي دلّتها عليه المرأة ذات العباءة.
و في السماء التي كانت تميل إلى الغروب، كانت هناك غيومٌ رمادية داكنة تنساب بسرعة.
***
“آه يا سيدي الماركيز….نحن أيضًا لدينا أرزاقٌ وأعمال. حتى لو كنتَ ماركيزًا، أتعقد اجتماع التابعين بهذه الطريقة دون تمييز؟”
بينما كان أونيكس روميل يداعب بيده الكبيرة السميكة بطنه، تذكّرت أداماس ضبعًا سمينًا شبعان.
“معذرة. انتظر قليلًا بعد.”
“لا أدري….أنا مشغولٌ قليلًا.”
“إذًا خذ معكَ بعض الطعام على الأقل.”
“ومن الذي يأكل طعامًا بهذه الطريقة؟ كحّ….كما قلتُ، أنا مشغولٌ اليوم.”
انحنى روميل بخصرٍ مائل، وعلى فمه ابتسامةٌ ساخرة واضحة. وفي النهاية، لم يستطع هيدينايت أن يمنع روميل من مغادرة قاعة الوليمة.
أما التابعون الآخرون الذين كانوا يراقبون الموقف، فراحوا يتبادلون النظرات ثم بدأوا ينسحبون واحدًا تلو الآخر.
وحين غادر روميل ومعه جمع التابعين الذين يتبعونه، عمّ قاعة الوليمة صمتٌ ثقيل وعميق.
طَق— طَق-
دقّ هيدينايت قدمه مرتين، وملامحه شديدة الجدية، ثم،
“انهوا هذا. ارفعوا كل شيء.”
خلال حياتها في الماركيزية التي قد تبدو قصيرة، ثلاثة أو أربعة أشهرٍ لا أكثر، كانت تلك أول مرةٍ تسمع فيها أداماس صوت هيدينايت بارداً إلى هذا الحد.
انسحب هيدينايت من مكانه وهو يزمجر بعصبية، فتبعه سافيروس بصمتٍ وهدوء.
بينما هزّت أداماس رأسه يميناً ويساراً وهي تحدّق في السقف. وقد كانت الثريا المتلألئة تفيض ضياءً ساطعاً بلا رحمة.
زُيّنت قاعة الحفل بأكملها بالزهور الصفراء، لون هليودور التجاري المميز، وعلى النوافذ عُلّقت ستائر خضراء ترمز إلى قصر الماركيز.
ومن أجل وليمة اليوم، تولّى هيدينايت بنفسه إعداد قائمة الطعام.
قدّم قبل الوجبة شراباً من الفاكهة والحبوب كان “مانو” المؤسس يعشقه، وجهّز كمقبلات سلطة “فاصولياء الصحراء” وهي من أشهر منتجات مانو، مع حساء قمح الشتاء.
وجعل الطبق الرئيسي طبقاً بحرياً نادراً في إقطاعيةٍ لا بحر لها، أما التحلية فقرر أن يطحن حبّ الرمان الأحمر الموسمي ناعماً ثم جمّده و قدّمه بارداً.
ما زال صوت الماركيز واضحاً في أذني، وهو يسأل بفرحٍ عن الأطعمة الرائجة في العاصمة….
وحين دخل أونيكس روميل إلى قاعة الحفل بوجهٍ مكفهرّ كمن ابتلع مرارةً، وأخذ يركل أرضية القاعة بلا سبب، شعرت أداماس برعشةٍ غريبة.
كانت لحظةً خاطفة، لكنها كانت هناك….إلا أن جبينه ما لبث أن انقبض بشدة وهو يحدّق في المقاعد الفارغة والطعام الذي يبرد شيئاً فشيئاً، ولم يستطع أن يرخيه.
‘كل هذا التزيين الباذخ….ولماذا؟ لا يوجد ضيوفٌ أصلاً! ذلك اللعين….اتحاد التجار! اسمٌ لامع فقط، ويتجرأون على إذلالنا بهذه الطريقة؟!’
عضّت أداماس على شفتيها بقسوةٍ واتجهت إلى حديقة القصر. كان عليها أن تبرّد رأسها الذي اشتعل من الغضب.
“إنها تمطر بغزارة….وكأن السماء لا تعرف ما في قلوبنا.”
كان المطر يهطل في الخارج. ومع الضباب الكثيف الذي لا يسمح برؤية متر واحدٍ أمامه، أطلقت أداماس زفرةً طويلة.
في تلك الليلة التي عادوا فيها بعد أن نجحوا بالكاد في صدّ غزو روفيانا المفاجئ، جاء الماركيز بوجه مشرقٍ يحمل خبراً ساراً.
لقد أبرم عقداً مع “هليودور”، اتحاد التجار في العاصمة، لتوريد أحجار السحر، وجلب تمويلاً استثمارياً ضخماً.
ولم يكن ذلك كل شيء.
“كان بإمكاننا الحصول على عقدٍ أفضل، لكنني تعمّدت وضع شرطٍ آخر….أن يؤسسوا فرعاً لهليودور في مانو. حتى لو كان صغيراً، وجود فرعٍ لاتحاد العاصمة سيجعل تدفق الإمدادات أكثر نشاطاً. سيزورنا رجال الاتحاد قريباً لبحث طريقة التأسيس.”
كان وجه الماركيز وهو يبتسم ويقول ذلك واضحاً في ذاكرتها….لكن كل شيءٍ اليوم تحوّل إلى سراب.
“آه….يا لها من أسوأ ليلة! وكأن المطر لم يجد وقتاً إلا الآن لينهمر هكذا!”
وفي اللحظة التي كانت فيها أداماس يشير إلى السماء غاضبةً، لمس شيءٌ كتفيها العاريين بفستانها المكشوف الكتفين….و كانت سترة سافيروس العسكرية.
“هاه؟ متى جئتَ؟”
“الآن، للتو.”
“أنا بخير.”
وحين حاولت أداماس أن تعيد إليه السترة، هزّ سافيروس رأسه بهدوءٍ رافضاً.
“ارتديها. الجو بارد. والمطر يهطل.”
“حقاً، أنا بخير.”
“وأنا أيضاً بخير.”
“ما هذا الرد….على كل حال، كيف حال الماركيز؟”
ما إن سألته أداماس حتى خيّم الظلام على ملامح سافيروس.
“قرر أن يرسل شخصاً إلى العاصمة أولاً لمعرفة الحقيقة.”
“حسناً.”
دفن سافيروس وجهه عند كتف أداماس. و كانت خصلات شعره الأسود تداعب طرف أذنها.
“لماذا يبدو اليوم طويلاً هكذا؟”
وعند كلماته التي خرجت كأنها زفرة، أومأت أداماس بصمت. و تمنت فقط….لو أن هذا اليوم الكارثي ينتهي سريعاً.
استمر المطر يهطل طوال الصباح، ولم يتوقف إلا بعد الثامنة مساءً بقليل.
انتظروا بلا عشاءٍ خوفاً من أن يكون الضيوف قد تأخروا قليلاً….لكن لم يأتِ أحدٌ في النهاية.
وفي طريق عودتهما من قصر الماركيز إلى كوخ الجذوع الخشبية، انساب صمتٌ طويلٌ بين سافيروس وأداماس.
وعندما وصلا أمام البيت بخطواتٍ واهنة، توقف سافيروس فجأة.
“ماس، قفي خلفي.”
“هاه؟ لماذا؟”
“هناك متسلّل.”
همس سافيروس بهدوءٍ وهو يخفض جسده، مستعداً لسحب سيفه في أي لحظة.
‘متسلّل؟!’
وعند كلمته، خفضت أداماس جسدها بسرعةٍ وراحت تفتّش بنظرها حول المكان.
‘من الذي يجرؤ على التسلل إلى منزل قائد فرسان مانو؟ بل….لا يوجد ما يُسرق أصلاً! إذاً هل يمكن أن يكون.…!’
“جاسوسٌ من روفيانا؟”
“لا….إنه أخرقٌ أكثر من ذلك.”
قال سافيروس ذلك وهو ينظر إلى آثار أقدامٍ موحلةٍ مبعثرة عند مدخل المنزل.
أعاد أداماس خلفه بينما كانت غارقةً في التفكير بهوية المتسلّل، ثم سحب سيفه بصمت.
اقترب من الباب دون أن يصدر صوتاً، ثم أشار بعينيه إلى أداماس الواقفة خلفه. وحين أومأت أداماس إيماءةً صغيرة، أمسك سافيروس بمقبض الباب بحذر.
وفي تلك اللحظة….انفتح الباب بعنف.
“آه! مـ….ما هذا؟!”
خرجت امرأةٌ من بين فتحة الباب. وحين رأت سيف سافيروس الطويل، شهقت وسقطت على الأرض صارخة.
“آآآه! لـ-لص مسلّح! أنقذوني!”
“سيدتي الرئيسة! هل أنتِ بخير؟!”
ثم دوّى صوت ارتطامٍ وفوضى داخل المنزل: طاخ! طاخ! وكأن أحدهم تعثر وسقط.
____________________
داخلين بيت سافيروس وتقول لص؟ انتم وش اجل؟😭
عندي أسأله واحد هي ليه هنا وش جابهم بس بعدين اهمشي ليه لون شعر هيليوني مدري وش اسمها يشبه شعر اداماس؟
و المهم بعد كان ابي تفصيل لفستان ماس خير سافيروس حتى ماتغزل😔 كل ذاه بسبة ذولا الي متكين في بيت سافيروس وخلوا الماركيز يعصب
التعليقات لهذا الفصل " 49"