“غنوم، هل يمكنكَ أن تخبرني فورًا إن كان هناك من يتنصت على حديثنا؟”
―إنسان؟
“لا….ليس إنسانًا. بل روح. وبالتحديد….أثر سيلف.”
―حسنًا. سأفعل. يبدو أن الأمور بخيرٍ الآن.
“شكرًا لك يا غنوم.”
حيّت أداماس الغنوم، ثم التفتت إلى الماركيز.
“سيدي الماركيز، دعني أعرّفكَ. هذا غنوم، روح الأرض العليا. أنوي أن أطلب منه مساعدتنا في حفر المناجم.”
―لا!
عقد الغنوم ذراعيه وأدار وجهه بعناد.
―أنا لا أساعد مجانًا….ألم نتفق؟
“نعم، صحيح.”
ثم تحدّثت أداماس وهي تنظر إلى الماركيز،
“سيدي الماركيز….هل يمكنني أن أعطيه حجر السحر الذي كان من المفترض أن أحصل عليه مقابل تطوير المنجم؟”
“….هذا سيكون صعبًا قليلًا.”
قال هيدينايت ذلك وهو يقطب جبينه.
“ماذا؟ حقًا لا يمكن؟”
لم تكن أداماس تتخيل حتى أن اقتراحها قد يُرفض، فعضّت شفتيها بإحراج.
لكن هيدينايت قابل نظرتها بابتسامته اللطيفة المعتادة،
“ما تتقاضاه الآنسة أداماس هو حقها. أما أجر الغنوم….فسأدفعه أنا بشكلٍ منفصل. غنوم، ما رأيكَ؟”
و انحنى هيدينايت قليلًا ليسأله.
―لا يهمني من يدفع….أنا أريد الأحجار الكريمة فقط.
هزّ الغنوم رأسه موافقًا، فارتسمت على وجه هيدينايت ابتسامة رضا كبيرة.
“غنوم! أنت رائعٌ فعلًا! هذا تصرفٌ يليق بروحٍ عليا!”
صفّقت أداماس بحماس، بينما رفع الغنوم رأسه عاليًا بكبرياء.
“كفى هذا….ولنعد سريعًا للحديث الذي كنا فيه.”
قال سافيروس ذلك وهو يمسك يد أداماس ويخفضها.
“الأمر حرفيًا كما قلت. دوق كريف وزوجته….كلاهما يحملان مشاعر سيئةٍ تجاه جلالة الإمبراطور. فالإمبراطور كان دائمًا يلقي كل الأعمال على عاتق ولي العهد الأول، بينما يحتفظ بالدوقة إلى جانبه ويغرق في اللهو.”
“وما علاقة ذلك؟”
“المعنى….أنه ليس مستبعدًا أبدًا أن تحمل الدوقة في أي وقت، أو أن تسوء صحة الإمبراطور في أي لحظة.”
‘بل ربما….كانت الدوقة نفسها سببًا في تدهور صحة الإمبراطور.’
ابتلعت أداماس بقية كلماتها بصمت.
“حتى لو كانت حاملًا….يبدو أن دوق كريف استعجل كثيرًا. ماذا لو كان الطفل أنثى؟ هناك ابنان سليمَان أنجبتهما الإمبراطورة الراحلة، أليس كذلك؟”
قال هيدينايت ذلك بصوتٍ يحمل الاستغراب. فالعائلة الإمبراطورية في عهد فرانسيس لم تضع بعد إمبراطورةً على العرش.
“لكنهما ليسا سليمين أصلًا. وحتى إن لم يكن المولود ذكرًا فلا بأس. لأن….إن غاب الإمبراطور، فكل رجال العائلة الإمبراطورية أصلًا غير مؤهلين.”
كانت كلمات أداماس حاسمةً إلى حد جعل عيني هيدينايت تتسعان، ثم تعودان لطبيعتهما.
ضغط على طرف عينيه كأنه مرهق، ثم أطلق ضحكةً خاوية.
“ولهذا كانا بتلك الحالة إذاً؟”
“نعم. صراع الوراثة كان قد بدأ بالفعل.”
لم يتبقَّ الكثير. ففي شتاء عام 620….سيولد وريث الدوق كريف. وبعد عامين….يرحل الإمبراطور الحالي عن الدنيا.
وبحسب المنطق، كان يجب أن يصبح ولي العهد الأول هو الإمبراطور التالي….لكن على نحوٍ غريب، أصبح الإمبراطور الجديد هو وريث الدوق كريف.
أما دوق كريف، والده….فاعتلى منصب “الوصي على العرش” بدلًا عن ابنه الصغير.
أعلنت العائلة الإمبراطورية أنه بعد وفاة الإمبراطور مباشرة، أشهر ولي العهد الأول والثاني السيوف في وجه بعضهما.
وبعد مبارزةٍ شرسة….مات الاثنان، وبذلك صار ابن الأخ—الذي قد يكون ابن الإمبراطور أصلًا—هو الإمبراطور، مستفيدًا من موت الجميع.
لكن….ماذا لو كانت تلك الفجوة الممتدة لعامين مزوّرة؟
ماذا لو أن صراع الوراثة لم يكن ليلةً واحدة، بل كان مستمرًا منذ زمنٍ بعيد….ولم يُعلن عنه إلا بعد أن انتهى كل شيءٍ وتم ترتيب الأوراق؟
لم يكن سبب إقصاء دوق كريف عن كل شؤون القصر، رغم كونه الأخ غير الشقيق الوحيد للإمبراطور، ضعفًا في قدرته أو خللًا في شخصيته.
بل كان السبب شيئًا آخر: ان من يحمل عاهة….ليس وريثًا حقيقيًا لدم الأسد.
كان لايغر فرانسيس الثالث يعزل دوق كريف عن القصر الإمبراطوري وعن المجتمع الأرستقراطي، متذرّعًا بأساطير وخرافات لا وجود لها في أي قانون.
فقط….لأن في يده اليمنى إصبعًا زائدًا. ولعل لايغر فرانسيس الثالث لم يكن يدري….أن ضيق أفقه هذا سيدفع أبناءه، بل ويدفعه هو نفسه، نحو الموت.
“لو أنهم قتلوا الأميرين لكان ذلك أفضل….لكن الآن يكفي أنهم تسببوا لهما بإعاقة. فكما أن صاحب اليد ذات الأصابع الستة غير مؤهل….كذلك الأعرج أو صاحب الذراع الواحدة غير مؤهل. دوق كريف يعرف ذلك مسبقًا.”
“إذاً هذا ما الأمر.”
“لم يُعلن ذلك رسميًا، لكن السيطرة على القصر الإمبراطوري انتهت بالفعل. وإلا لما حاولوا فجأةً تعديل نظام الضرائب بهذه الطريقة. كما أن الأميرين، بتلك الحالة، ما كانا ليأتيا سرًا إلى هذه الإقطاعية البعيدة هربًا من أعين القصر.”
“يا له من صداع….ماذا علينا أن نفعل الآن في الإقطاعية؟ أريد أن أسمع رأيكم.”
عضّت أداماس على شفتيها بقوة، وظلت تحدّق طويلًا في خريطة الإقطاعية المعلّقة على جدار المكتب.
ثم وكأنها حسمت أمرها، رفعت نظرها لتلتقي بعيني هيدينايت الخضراوين.
“أعتقد أن الجواب محسومٌ مسبقًا يا سيدي الماركيز.”
حتى لو وصفها أحدٌ بالأنانية….لم يعد يهم. فإقطاعية الماركيز خاضت بالفعل حربين مع مملكة روفيانا.
ولا تزال قضية الغولم، ومشكلة التابعين، قائمة.
بالنسبة لأداماس….لم يعد “مانو” ماضيًا. بل صار واقعًا.
“إياكَ….أن تتدخل في صراع وراثة العرش داخل القصر الإمبراطوري. يجب أن تضع الإقليم، مانو، في المقام الأول قبل كل شيء.”
“تقصدين.…”
“نعم. في الوقت الحالي….يجب ألا نفعل شيئًا.”
“أهذا صحيح؟ هل يكون الحل فعلًا….ألا نفعل شيئًا؟”
“نعم. فالأميران لم يكشفا أصلًا عن ظروفهما. ونحن أيضًا من الصعب علينا أن نعرف وضع القصر الإمبراطوري بدقةٍ كاملة الآن.”
فهبط صمتٌ ثقيلٌ على المكتب.
“كلامكِ صحيح….فهمت. لننهي الحديث في هذه المسألة هنا.”
“في الحقيقة يا سيدي الماركيز….هناك أمرٌ أهم من هذا كله.”
ترددت أداماس قليلًا قبل أن تُخرج كلماتها بصعوبة.
“أمرٌ أهم؟”
“نعم….إنه متعلقٌ بالغولم.”
اهتز جسد هيدينايت، الذي كان يستمع وهو متكئٌ على الأريكة ويضغط على جبينه بتعب.
“لا تقولين….أنكِ عرفتِ حتى حقيقة الغولم؟!”
ابتسم هيدينايت بسعادةٍ غامرة، ثم أمسك بيد سافيروس بيمينه وبيد أداماس بيساره دفعةً واحدة.
كانت يداه ترتجفان، وكأنهما ترويان وحدهما مقدار ما عاناه بسبب الغولم طوال هذه الفترة.
“حقًا أنتِ مذهلة! في هذا الوقت القصير.…!”
كان يشبه طفلًا في الخامسة تلقّى هديةً ثمينة.
لكن أن تُضطر لإلقاء هذا الكلام عليه وهو بهذه السعادة….
وبينما كانت تفكر كيف تشرح ما توصلت إليه، نظرت إلى سافيروس بوجهٍ حائر. لكنه كان شاردًا، ينظر إلى مكانٍ آخر.
‘في هذا الوقت الحاسم….إلى أين ينظر؟ بل منذ قليلٍ أشعر وكأنني أنا والماركيز وحدنا من نتحدث!’
قطبت أداماس حاجبيها، ثم اتبعت اتجاه نظره.
وكان ما تقع عليه عيناه….خوذة سبينيل الموضوعة فوق مكتب العمل.
يبدو أن سبينيل ترك أثرًا قويًا فعلًا. وبصراحة….هذا طبيعي.
صحيحٌ أن مملكة روفيانا انسحبت، لكن سافيروس فقد حصانه العزيز.
وربما كانت سبينيل….أول جدارٍ يصطدم به سافيروس في حياته.
‘لكن مع ذلك….هل يعقل أن يضيع تركيزه الآن، ونحن في وسط حديثٍ بهذه الأهمية؟!’
وخزت أداماس خصره بلكمةٍ خفيفة. فانتفض سافيروس والتفت إليها بسرعة.
“روس….أعرف أن هذا يشغل بالكَ، لكن ركّز قليلًا. سنتحدث عن الغولم.”
“آه، آسف….أعتذر يا سيدي الماركيز. من الآن فصاعدًا سأقوم أنا بالشرح.”
شرح سافيروس بسرعةٍ أمر زنزانة الصحراء، وغرفة كانيل، وعقد أداماس مع “غنوم”.
بل وأضاف أيضًا—رغم أنه مجرد تخمين—احتمال أن تكون صحراء غلايف هي “مارينيا”.
“مارينيا….إن كان ذلك صحيحًا، فحتى العائلة الإمبراطورية لفرانسيس ستبدأ باستهداف مانو الآن. أليس من الممكن أن الأميرين يعرفان الحقيقة أصلًا؟”
قال هيدينايت ذلك بقلق. و كان يبدو خائفًا من أن تُستغل الإقطاعية سياسيًا على يد الأميرين.
“حتى لو لم تكن مارينيا….فأنا أعتقد أن احتمال مجيئهما إلى الإقطاعية طمعًا في ملح الصحراء واردٌ جدًا. إن كان صراع الوراثة قائمًا فعلًا، فسيحتاجان إلى المال.”
و أجابت أداماس.
“ومع ذلك….لا نستطيع الآن أن نمنع الأميرين من استكشاف الصحراء بلا سببٍ واضح….هل علينا أن نظل قلقين نترقب، لا نعلم متى سيعثران على الملح؟”
“لا تقلقوا. سأحاول أن أفعل شيئًا مهما كان.”
قالت أداماس ذلك وهي تقبض يدها بقوة.
‘هما مختلفان حقًا….’
نظر هيدينايت إلى أداماس وسافيروس.
فسافيروس، على عكس أداماس، كان مستعدًا لأن يضحي بنفسه من أجل حماية ما هو ثمين. أما أداماس….فكانت تُظهر إرادةً صلبة، إرادةً تريد أن تُنقذ الجميع وتبقيهم أحياء مهما كانت الظروف.
“سيكون الأمر بخيرٍ يا سيدي الماركيز. هذا مكانٌ لم يستطع حتى العبقري كانيل اكتشافه بسهولةٍ رغم أنه نشر عددًا هائلًا من الغولمات. لذلك من شبه المستحيل أن يعثر عليه أميران بمفردهما.”
“وماذا عن زنزانة الصحراء التي وجدتم فيها الملح؟ ألم يدخل الأميرين ذلك المكان معكم أيضًا؟ ماذا لو اكتشفا لاحقًا غرفة كانيل؟”
عند سؤال هيدينايت، رتّبت أداماس أفكارها بسرعة.
“أولًا….لن تجمع النملات الحجرية الملح بعد الآن. لأن سافيروس دمّر نواة كانيل السحرية. وغولماته الحجرية لم تعد قادرةً على الحركة. أما زنزانة الصحراء التي دخلناها….فسأطلب من الغنوم أن يسد المدخل ويغلقه.”
“جيد. بهذا، سيكون من الصعب على الأميرين أن يستنتجا حقيقة منجم الملح المدفون تحت الأرض.”
قال هيدينايت ذلك وهو يطلق زفرة ارتياح.
“لكن….إن ظهرت غولماتٌ في الإقطاعية بعد هذا أيضًا، فحينها لن يكون أمامنا إلا أن نشك بذلك الشخص حقًا.”
“نعم….على الأرجح.”
أومأت أداماس بصمت، وهي تستحضر في ذهنها عينين باردتين بلونٍ يشبه بتلات الورد.
____________________
عيون من🌝؟ الساحرة الي طلعت وحرقت رجلين الغولم واختفت؟
المهم ترجمة الفصلين ذي كانت غريبه مدري زينتها منا ومنا عساها ضبطت
وشسمه خساره ماكان فيه رخص واجد من سافيروس كله من بانثيون وسبينيل عشان كذا اطالب بتعويض☹️
التعليقات لهذا الفصل " 47"