أثناء هروبهما على عجلٍ بعدما تعرضا لهجومٍ من وحش، خطر في رأس بانثيون فجأةً مكانٌ واحد: “إقطاعية الماركيز مانو”.
فالوحش على الأرجح لا يعرف الكثير عن إقطاعية مانو. وحتى لو كان يعرفها، فلن يملك رفاهية إرسال مطاردين إلى هذا الإقليم البعيد.
ثم….ماذا لو كان ذلك “الماس القذر” ماسًا خامًا حقيقيًا؟ عندها سيحصل على القوة الكافية لمواجهة الوحش الذي جعل منه ومن أخيه بهذه الحال.
من دون تردد، اتجه بانثيون نحو إقطاعية الماركيز مانو. سار ليلًا ونهارًا بلا راحة، وهو يجمع الشائعات والمعلومات عنها.
وخلال ذلك، عرف معلومةً مثيرةً للاهتمام للغاية. وهي وجود مانو سافيروس، أصغر “سيد سيف” في الإمبراطورية….وإن كان ذلك بشكلٍ غير رسمي.
“هووف….”
كان بانثيون يضرب ساقه التي تؤلمه وتوخزه كل مساءٍ بقبضته مرارًا، وهو يطحن أسنانه غيظًا.
‘سافيروس….أيها الفتى الوقح الذي لا يعرف مقامه!’
حين سمع الشائعات عنه لأول مرة، كان يفكر بأنه يجب أن يضمه إلى صفه بأي طريقة. لكن الآن….لم يعد الأمر كذلك. فاحتمال أن يصبح سافيروس عائقًا في طريق بحثهم عن “الماس القذر” كان كبيرًا.
“ستيفان، يبدو أننا يجب أن نعيد التفكير في مسألة جذب سافيروس إلى صفنا. ماذا لو حاولنا بدلًا من ذلك استمالة فيرفيتينا؟ صحيحٌ أنها صغيرة، لكنها موهوبة.”
“هذا صحيح، لكن….أظن أن الآنسة أداماس ستكون أفضل.”
قال ستيفان ذلك وهو يحك خده.
“أداماس؟”
“في طريقي إلى الغرفة صادفت الآنسة فيرفيتينا، وقالت لي أن أداماس قدمت أداءً مذهلًا في المعركة الأخيرة ضد مملكة روفيانا.”
“حقًا؟”
“وليس في هذه المعركة فقط. قبل ثلاثة أشهرٍ أيضًا حدث اشتباكٌ مع مملكة روفيانا، ويقال أن أداماس أبادت بألفٍ من الجنود أو أكثر بسحرها. صحيحٌ أن سيد السيف رائع، لكن إن كنا سنواجه وحشًا….فأنا أظن أن ساحر قتالٍ قويٍ سيكون قوة أثمن بكثير….ما رأيكَ يا أخي؟”
“بل ما الذي تسألني عنه أصلًا؟! هل كانت تلك المرأة ساحرةً بهذه الروعة فعلًا؟ هل كانت تخفي قوتها؟”
كان الأمر صادمًا. فهو، مهما بالغ في تقديره، لم يكن يظنها أكثر من ساحرةٍ من دائرة ثانية تقريبًا.
“حسنًا….من الأفضل أن نغير الخطة. سنبقى في الإقطاعية ونواصل البحث عن الماس القذر. وفي الوقت نفسه، نجذب أداماس إلى صفنا. وإن حاول سافيروس التدخل.…”
نظر بانثيون إلى ستيفان بصمت. فأومأ ستيفان برأسه.
كان ستيفان يفهم بسرعة نوايا بانثيون….فهو أخوه الذي وُلد معه من ذات الرحم، وسيده الوحيد.
***
“يقول أنهما جاءَ بدافع الفضول.”
تحدّث الماركيز.
“قال أنه، بصفته أميرًا في الإمبراطورية، يريد أن يعرف بالتفصيل الأقاليم التي سيحكمها مستقبلًا. و أن إقطاعية مانو تقع في أقصى جنوب الإمبراطورية لكنها قليلة الشهرة والمعلومات. كما أنه كان فضوليًا بشأن إمكانية تطوير الصحراء أيضًا. وقال أن سبب ذهابه إلى الصحراء معكم كان لهذا الغرض.”
“ولهذا سمحتَ لهم بالاستمرار في التجول داخل الإقطاعية؟”
“ذلك….الوقح! كنتُ أعلم أنهم سيـ….آه هاهاها! هل قلتُ ذلك بصوتٍ مسموع؟”
كانت أداماس تشتم بانثيون و ستيفان وهي تطحن أضراسها بقوة.
وبينما كانت تنفجر غضبًا هكذا، تابع هيدينايت حديثه بهدوء.
“على أي حال، قلتُ لهم أن يقيموا في قصر المركيز. لكنني شددتُ على أن الإقطاعية مشغولةٌ بالعديد من الأعمال، ولا يمكنني تخصيص أشخاصٍ لمرافقتهم.”
“بالطبع! علينا أن نواصل تطوير المنجم، وأن نكمل بناء السور الجنوبي، ولا يزال علينا كشف سر الغولم أيضًا! أليس كذلك يا روس؟”
ما به؟ أين شرد ذهنه؟
كانت أداماس غير قادرةٍ على التركيز في الحديث بسبب سافيروس، فداسَت على قدمه بقوة. و نظر سافيروس إليها بحدةٍ بصمت، ثم تحدّث،
“أ….آآه….نعم، صحيح.”
فضحك هيدينايت وهو يراقبهما. بينما عضّت أداماس على شفتها بقوةٍ وأخذت نفسًا عميقًا.
“سيدي الماركيز….هل تتذكر أول حديثٍ دار بيني وبينكَ عندما كنا وحدنا في هذا المكتب؟”
أومأ هيدينايت برأسه بهدوء.
“طلبتُ من الآنسة أداماس أن تكون حكمًا في بطولة المبارزة، إلى جانب استكشاف الصحراء.”
“لا. أقصد أول كلامٍ قلته لي أنتَ. حينها سألتني عن حال العاصمة هذه الأيام. هل كان ذلك….مجرد كلامٍ لتريحني وتلطّف الجو؟”
فساد الصمت.
“إن كنتَ سألتَ لأنكَ تعرف شيئًا ما….فأخبرنا نحن أيضًا.”
“أبدًا. لا أعرف شيئًا محددًا.”
هزّ هيدينايت رأسه ببطء.
“لكن….قبل شهرين. أي في آخر يومٍ من يوليو. وصلتنا من القصر الإمبراطوري إشعاراتٌ تطالبنا بدفع الضرائب.”
“ماذا؟ فجأةً ضرائب؟”
“قلتُ لهم أننا لا نستطيع الدفع. فظروف الإقطاعية لم تكن جيدة. كان ذلك بعد وقتٍ قصيرٍ من تعرضنا لهجوم مملكة روفيانا. ولم نكن قد بدأنا بعد بتطوير منجم الزمرد بشكلٍ فعلي. فرتبتُ تلك الملابسات جيدًا ورفعتُ تقريرًا طويلًا….لكن.…”
“لهذا سألتني إن كان هناك شيءٌ يحدث في العاصمة.”
“نعم. وليس الأمر مقتصرًا على إقطاعيتنا فقط. هناك حديثٌ يدور سرًا عن رفع الضرائب بنسبة عشرة بالمئة على مستوى البلاد. أردتُ أن أعرف إن كان قد حدثت في القصر الإمبراطوري واقعةٌ كبيرة غيّرت الوضع المالي فجأة.”
“فهمت.”
“المشكلة هي الآن. لدينا في الإقطاعية أميران مصابان بجروح. أظنها معركةً على ولاية العهد. ولا طاقة لنا على التورط في صراعات السلطة داخل القصر….يا له من صداع. إن كان الأميرين قد انتهيا إلى تلك الحالة، فالغالب أنه دوق كريف، أليس كذلك؟”
“على الأرجح. وكذلك الدوقة أيضًا.…”
“حتى الدوقة؟ أتقولين أنها معهم؟”
اتسعت عينا هيدينايت دهشة.
“أنا أعتقد ذلك.”
بل لعل الأمر مؤكد. فالذي جرح بانثيون و ستيفان….لا بد أنه دوق كريف وزوجته.
فبدأت أداماس تجمع بين ما تعرفه عن المستقبل وما حدث الآن، وتُركّب الصورة قطعةً قطعة.
***
التاريخ دائمًا يقف إلى جانب المنتصر.
صحيحٌ أن أداماس جاءت من المستقبل، لكنها هي أيضًا تعلمت تاريخًا كتبه المنتصرون.
‘نعم….كان كل ما أعرفه قد مُرِّر عبر التصفية أصلًا، لذلك اختلف عمّا أعرفه في التوقيت والتفاصيل.’
وبينما كانت أداماس تغوص في أفكارها، فتح هيدينايت فمه،
“لم أكن أرى دوق كريف شخصًا جريئًا إلى هذا الحد.”
“ومن يعرف ما في قلوب الناس؟”
كان دوق كريف أدقّ وأشدّ صرامةً مما ظنّت. ولو لم تعد أداماس إلى الماضي، لكادت تخطئ وتظن أنه صار وصيًا على العرش فقط لأنه كان محظوظًا.
“لكن يا ماس….الدوقة هي عشيقة جلالة الإمبراطور، أليس كذلك؟ أليس من المبالغة القول أن الدوق والدوقة في صفٍ واحد؟”
“روس، هل تقصد أن الدوقة علاقتها طيبةٌ بجلالة الإمبراطور أصلًا؟”
“ليس هذا قصدي تمامًا….لكن استنتاجكِ الآن بلا دليلٍ واضح.”
بدت ملامح سافيروس مرتبكةً بوضوحٍ أمام نبرة أداماس الساخرة.
و أداماس لم تقل شيئًا، بل راحت تقبض يدها المتعرّقة وتفتحها مرارًا. ثم انحنت برأسها وهي تعض شفتيها بقهر.
هل أعترف ببساطةٍ أنني جئتُ من المستقبل؟ لو فعلتُ….هل سيصدقني الماركيز وسافيروس؟
و من كسر الصمت كان هيدينايت.
“ربما تكون الآنسة أداماس محقّة. فقد وُجدتُ شائعاتٍ كهذه في وقتٍ ما.”
“أي شائعاتٍ يا سيدي الماركيز؟”
عند سؤال سافيروس، ابتلع هيدينايت ريقه،
“يقال أن الرسائل التي تُرسل إلى بيت الكونت لوفينا كانت مليئةً بالشتائم.”
“وهل يجوز ذلك؟ هذا إهانةٌ للعائلة الإمبراطورية! ماذا لو بقي دليل؟ ماذا كانت تنوي أن تفعل حينها؟”
سألت أداماس بذهول. و نظر هيدينايت إلى أداماس التي اتسعت عيناها، و ردّ بصوتٍ منخفض كأنه يتنهد،
“حين سمعتُ تلك الشائعة أول مرة….شعرتُ بالأسى، لأنني فهمت قلب الدوقة. فبين جلالة الإمبراطور والدوقة فارق ستة عشر عامًا، وحتى بينها وبين دوق كريف الذي زُوّجت به قسرًا….فارق سبع سنوات.”
“أنا أفهم ذلك الشعور أيضًا. لكن في النهاية، هي أصبحت من أقارب العائلة الإمبراطورية. لذلك من الغريب أنها أظهرت كراهيتها إلى حد أن تنتشر عنها شائعاتٌ كهذه. لكن ماذا لو رأى أحدٌ محتوى تلك الرسائل؟”
“وماذا في ذلك؟ لعلها تجرأت لأن إقليم لوفينا بعيدٌ عن العاصمة. وربما لأن دوق كريف مكروهٌ جدًا من جلالة الإمبراطور، فزاد ذلك الأمر سوءًا. وحتى لو انكشف أمر الرسائل، يكفيها أن تقول: “لم أقصد العائلة الإمبراطورية….بل كنتُ أكره زوجي” فتعتذر وتنتهي.”
“صحيح….فالإمبراطور مولعٌ بعشيقته حدّ الجنون. رجلٌ سيصدقها حتى لو قالت أن الفاصولياء هي العدس.”
“شش….احذري من كلامكِ يا ماس.”
فخفض سافيروس صوته،
“لا….أنا لا أقول هذا إلا لأنه بيننا نحن فقط يا روس.”
و ابتسمت أداماس وهي تنظر إلى سافيروس وهيدينايت بتعبيرٍ يقول: “أنتم تفهمونني، أليس كذلك؟”
***
أجمل امرأةٍ في الإمبراطورية. عشيقة الإمبراطور. “لوفينا جينيا”.
كانت الابنة الكبرى المحبوبة لكونت لوفينا، وفي السابعة عشرة شاركت في حفلها الأول في العاصمة، تلك الحفلة الراقصة التي تُقام من أجل ظهورها الاجتماعي الأول.
كانت ببشرةٍ بيضاء ناصعة تكشف نقاء الدم في عروقها. و شعرٌ فضي ينساب بألوان قوس قزحٍ وفق زاوية انعكاس الضوء. وعينان بلون ورد الخوخ، ورديتان خفيفتان كأزهار الربيع.
ومع ظهور هذا الجمال الجديد الذي لم يسبق أن رآه أحد، اندفع جميع نبلاء العاصمة الذكور دون استثناء ليلقوا شِباك الإعجاب حولها.
وسرعان ما امتلأت الفيلا الواقعة على أطراف العاصمة، حيث أقامت جينيا مؤقتًا، بعربات الخُطّاب المتزاحمين.
وخلال أيامٍ قليلة، صنع طابور العربات طريقًا جديدًا من كثرة المرور، حتى أن أهل العاصمة أطلقوا على ذلك المنحدر اسم “طريق جينيا”.
لا بد أن لوفينا جينيا كانت سعيدةً حقًا لبضعة أيام. فقد كان العالم كله ينظر إليها….وكأنها مركزه الوحيد.
لكن السعادة لم تدم طويلًا. فجمالها الفاتن لفت في النهاية نظر الإمبراطور “لايغر فرانسيس الثالث”، ومنذ تلك اللحظة….لم تستطع العودة إلى بيت الكونت أبدًا.
ثم زُوّجت بدوق كريف، الأخ غير الشقيق للإمبراطور.
لكن لم يكن في الإمبراطورية أحدٌ يجهل الحقيقة: أنها كانت تغادر قصر الدوق فجرًا كل يومين تقريبًا، لتدخل القصر الإمبراطوري، ولا تعود إلى قصر الدوق كريف إلا مع فجر اليوم التالي.
“نعم….نحن نتحدث بيننا فقط، لكن جلالته ارتكب فعلًا لا يُغتفر بحق دوقة كريف. وبالطبع بحق دوق كريف أيضًا.”
قال هيدينايت ذلك بوجهٍ مرير، فأومآ أداماس وسافيروس برؤوسهما بصمت.
صحيحٌ أن دوق كريف كان أخًا غير شقيقٍ للإمبراطور، لكن الإمبراطور لم يعامله يومًا كأخٍ حقيقي.
بل أي أخ؟ لم يعامله حتى كأميرٍ من الأسرة الحاكمة.
“كريف دانديون”. هو أحد دوقين فقط في عهد فرانسيس، إلى جانب دوق الشمال “شفايرن”، ومع ذلك كان يُعامل بما هو أسوأ من أي نبيلٍ عادي.
لقد وُلد بعيبٍ خلقي….كانت أصابع يده اليمنى ستة، أي تعدد أصابع. وبسببه، كان الإمبراطور ينعته بأنه “ابنٌ منبوذ”، ويزدريه بلا رحمة.
لم يمنحه أي حقٍ من حقوق الأسرة الإمبراطورية. بل إن حقارته بلغت حدًّا لا يُصدّق….حين جعله الزوج القانوني لعشيقته الصغيرة!
“لكن الأمر مفاجئ….أهناك تمردٌ داخل القصر الإمبراطوري لم يُكشف بعد؟”
عند كلمات هيدينايت، عضّت أداماس باطن شفتيها. ثم تحدّثت بهدوء، كأنها تسرد حقيقةً تعرفها مسبقًا،
“على الأغلب….أنها حامل. أعني الدوقة كريف.”
_______________________
يعني صارت عشيقه غصب وزوجة غصب ليه بانثيون يقول عشيقة قذرة؟ ابوك القذر!
و ابو ست اصابع ماقدر حتى هو يسوي شي؟ يعني مستحيل انه ماحب زوجته الحلوه وشايفها كذا رايحه جايه لقصر اخوه وساكت؟
المهم سافيروس شقاعد يفكر فيه اداماس جنبك ركز فيها بس
التعليقات لهذا الفصل " 46"