“هل تمشي بقلبكَ خارج جسدكَ؟ كيف تجرؤ على تجاهل ولي العهد؟”
“وأين هو ولي العهد هنا أصلًا؟”
عند صرخة سافيروس الباردة، سارعت أداماس إلى تهدئته.
“آه، بانثيون. روس أنهى المعركة منذ وقتٍ قصير، وهو متعبٌ قليلًا.”
“لا أدري إلى أي حدٍ يكون المرء متعبًا ليهين أحد أفراد العائلة الإمبراطورية بهذه الوقاحة. مستواكَ مخيبٌ فعلًا.”
آه، لأنه ولي العهد، أليس كذلك؟ فلم يعد يعاملني حتى كسيدةٍ نبيلة.
في الحقيقة، حتى بعد أن سقطت صدفةً في الماضي وعرفت سر مولدها، وأنها ربما تنتمي إلى سلالة ماركيز، لم يكن لدى أداماس أي وعيٍ بذاتها كنبيلة.
لذا، فليس غريبًا أن يتحدث بانثيون بهذه الطريقة….
‘لكن، مع ذلك، الأمر مزعج….’
“أليس من الوقاحة أن تتحدث بلا احترامٍ مع شخصٍ لسنا مقربين منه أصلًا؟”
“هاه!”
مرةً أخرى، خرجت أفكار أداماس التي ظنتها حبيسة ذهنها إلى العلن. ومرةً أخرى، كان ذلك على لسان سافيروس.
“لم تأتِ رسميًا، فلماذا تبحث عن الهيبة؟ لا تفسد أجواء المهرجان، ابقَ هادئًا وغادر بعد أن تُنهي ما جئتَ من أجله.”
“ها، يبدو أنكَ عديم الإحساس تمامًا يا سيد سافيروس.”
“عديم الإحساس؟ أنتَ من يفتقر إليه.”
“…|ماذا؟”
“بفضلكَ أفسدتَ أهم اعترافٍ في حياتي. هل يحق لولي العهد أن يفعل ذلك؟”
تلقى بانثيون ضربةً غير متوقعة، فضحك ضحكةً جافة.
“….همم. من وجهة نظركَ قد يكون الأمر مزعجًا. سأتفهم ذلك بسعة صدر.”
“إن كنتَ تفهم، فاخرج الآن.”
“حسنًا. أستأذن أولًا.”
هز بانثيون رأسه بتبرم، وغادر مخزن الشراب بوجهٍ غير راضٍ.
وبينما كانت أداماس تراقب ظهره، تحدّثت لسافيروس،
“روس، بانثيون ذهب.”
“نعم. ماس، لنتعامل مع هذا البرميل. ساعديني في نقله.”
“….حسنًا.”
تقدمت أداماس بحذرٍ نحو سافيروس وأمسكت بالبرميل.
“روس، ألم تكن ستُكمل ما كنتَ تقوله قبل قليل؟”
“آه، لاحقًا. يبدو أنني لم أستعد نفسي بعد.”
تنهد سافيروس بعمقٍ وهو يربت على البرميل.
“أ- أجل. فكر بالأمر على مهلكَ، ثم أخبرني.”
“شكرًا لتفهمكِ.”
“طبعًا يجب أن أتفهم. إنه اعتراف العمر. ثم إن بانثيون، رغم تصرفاته المريبة، يظل ولي العهد. من الأفضل ألا تكون فظًا معه كثيرًا.”
“فهمت. سأكون حذرًا.”
“حسنًا.”
“آسف.”
“على ماذا؟”
هل كان ذلك بسبب عجزه عن تقديم عرض الزواج؟
“منذ البداية كان ينبغي أن أستمع إلى كلامكِ وأطردهم خارج الإقطاع.”
آه، إذاً لم يكن آسفاً على عرض الزواج.
أخفت أداماس ملامح خيبتها ولوّحت بيديها نافية.
“لا، لا داعي….بعد فوات الأوان ما الجدوى من ذلك.…”
“في الحقيقة، كنتُ منشغلًا بالاستعداد العاجل للخروج إلى المعركة فلم أسمع التفاصيل كاملة، لكن من الواضح أن الماركيز كان يعلم شيئًا ما.”
“يعلم ماذا؟”
وأمام ملامح سافيروس الجادة، ابتلعت أداماس ريقها.
“قال أن بانثيون و ستيفان يبدوان كمن يفرّان من شيءٍ ما. ولهذا السبب بالتحديد لا يمكنه السماح لهما بالذهاب إلى ساحة القتال.”
مطاردان؟ ترى من الذي يطارد الأميرين؟
“….هاه؟ آه!”
أمعقولٌ أن الأمر كان بسبب ذلك؟!
***
حين عاد بانثيون من مخزن الشراب عابس الوجه، سأله ستيفان الذي كان ينتظره في الغرفة بتعبير مستغرب،
“ما بكَ يا أخي؟ هل حدث شيء؟”
“لا شيء. ستيفان، كيف كان مسكن الخدم؟”
“كما توقعت، لا يوجد شيءٌ مريب. ماذا عنكَ؟ هل تفقدت المبنى المغلق؟”
“آه، إنه مخزن شراب. ما إن فُتح الباب حتى اندفعت رائحةٌ عفنة، يبدو أنه نبيذ حبوب.”
“حقًا؟ إذاً يبدو أنها الصحراء فعلًا. وماذا فعلتَ بالباب؟ لم تكسره، أليس كذلك؟”
“لا. صادفت سافيروس وأداماس في الداخل مصادفة….هه، تباً!”
استعاد بانثيون ما حدث قبل قليل فبعثر شعره بخشونة.
تذكّر مشهد سافيروس وأداماس، ويداهما متشابكتان بإحكام. وبصفته أميرًا في إمبراطورية فرانسيس التي تتبنى مبدأ الحب الحر، شعر بوخز الضمير لأنه عرقل حبّ رعاياه.
ومع ذلك، كلما فكّر بالأمر ازداد سخفًا. حتى لو كان قد أفسد عرض الزواج الأهم في حياة سافيروس، فإن تصرفات ذلك الرجل كانت وقحةً إلى حد لا يُحتمل.
‘يا له من أحمقٍ ريفي. أي عرض زواجٍ يُقدَّم في مكانٍ تفوح منه رائحة الشراب؟ لو كنتُ امرأةً لرفضته فورًا.’
“أخي؟”
“هذه الإقطاعية بأكملها لا بد أنها أصيبت بالجنون.”
عند التفكير بالأمر، كان الماركيز نفسه غريب الأطوار.
في وقتٍ كانوا فيه بأمسّ الحاجة إلى كل جندي، عارض خروجهم للقتال. بحجة أنه لا يمكن الوثوق بأشخاصٍ مجهولي الهوية.
لذلك كشفا عن هويتهما. لكن ما إن عرف الماركيز مانو الحقيقة حتى ازداد تشددًا في معارضته، وهذه المرة بحجة الخطر.
لو أنه انحنى وتوسل إليهما بلطف، طالبًا منهما البقاء هنا حفاظًا على سلامتهما، لما شعر بانثيون بهذا القدر من الاستياء.
لكن الماركيز لم يفعل. بل قال أن إصابة الأميرين قد تجعل وضع الإقطاعية أسوأ مما هو عليه الآن، وطالبهما بضبط النفس.
سواءً كان المركيز أو قائد فرسانه، بدا واضحًا أنهم ينظرون إلى العائلة الإمبراطورية بازدراءٍ لا يساوي حتى روث الكلاب.
مانو….أم مارنو؟ مهما يكن، فلا شك أنها إقطاعيةٌ ملعونة.
إقطاعيةٌ بالاسم فقط، تبعد مئتي ميل عن العاصمة، ومعفيةٌ عمليًا من واجبات الضرائب.
في الحقيقة، وحتى هذا الربيع، لم يكن بانثيون مهتمًا بإقطاعية مانو إطلاقًا. بل أدق من ذلك، لم يكن يعلم بوجودها أصلًا.
***
في هذا الربيع، دخل القصر الملكي في فرانسيس مرحلة ترميمٍ واسعة النطاق.
و حين قرر جلالة الإمبراطور ترميم القصر الملكي، ظنّ بانثيون أن جلالته قد أفاق أخيرًا.
ستة أعوامٍ مضت وهو غارقٌ كل يومٍ في أحضان خليلة تصغره بخمسة عشر عامًا، منكبًّا على الخمر، مهملًا شؤون الحكم. و قد آن الأوان لأن يستعيد وعيه.
تولى بانثيون بنفسه قيادة أعمال ترميم القصر الملكي. فما دام هذا القصر سيؤول إليه مستقبلًا، فمن الأجدى أن يُشيَّد منذ البداية وفق ذوقه الخاص.
وأثناء سير أعمال الترميم على قدمٍ وساق، عُثر على كومةٍ من اليوميات السرية للإمبراطور لايغر فرانسيس الثاني.
لم يُبدِ بانثيون أي دهشة. فالقصر الملكي كان مقر إقامة الأباطرة قبل تشييد القصر الإمبراطوري، وآخر من استخدمه كان لايغر فرانسيس الثاني نفسه.
لايغر فرانسيس الثاني. وكما يليق بإمبراطورٍ لُقِّب بملك الفتوحات، امتلأت يومياته بخرائط رسمها بيده، وتدويناتٌ ترصد تغير حدود إمبراطورية فرانسيس.
وهناك، ولأول مرة، علم بانثيون بوجود إقطاعية الماركيز مانو.
كان أول شعور انتابه هو الغضب. فهو الإمبراطور القادم، فكيف جهل وجود إقطاعيةٍ كهذه؟
فاستدعى بانثيون العالم هيستيريا، الذي علّمه التاريخ والجغرافيا في صغره، ووبخه بشدة.
“بحسب الخرائط، إقطاعية مانو ليست صغيرة، وهي منطقة تماسٍ مع مملكة روفيانا. لماذا أخفيتم إقطاعيةً بهذه الأهمية؟”
فأجابه هيستيريا ببساطة،
“هذا رأيي الشخصي، لكنني لا أرى أن تلك الأرض تستحق أن تُعد جزءًا من إمبراطورية فرانسيس. إقطاعية مانو تقع خارج سلسلة جبال رايد، ولم يُوفَد إليها الماركيز سوى منذ مئة عامٍ فقط في عهد جلالة الإمبراطور لايغر فرانسيس الأول. إنها أرضٌ فقيرة لا تنتج سوى فول الصحراء أو قمح الشتاء بكمياتٍ لا تصلح حتى للتجارة، ولا تدفع ضرائب أصلًا.”
فصرخ بانثيون غاضبًا،
“هذا غير مقبول. سجلات لايغر فرانسيس الثاني تذكر بوضوحٍ أن أقصى جنوب فرانسيس هو إقطاعية مانو. إن كنتَ قد أغفلتَ تعليم هذه الحقيقة عن وطني الذي سأحكمه يومًا اعتمادًا على رأيكَ الشخصي، فذلك تقصيرٌ منكَ. أحضر لي جميع السجلات المتعلقة بإقطاعية مانو حالًا!”
وعندما اطّلع على سجلات مانو، بدت مقتضبةً إلى حد يجعلكَ تشك فعلًا في كونها جزءًا من إمبراطورية فرانسيس.
***
بدأ تاريخ إقطاعية مانو بشخصٍ يُدعى مانو كانوك، أول ماركيزٍ لمانو.
كان مانو كانوك رجلًا أُرسل من دوقية شفايرن إلى العاصمة في عهد لايغر فرانسيس الأول.
وشفايرن، الإقليم الوحيد في إمبراطورية فرانسيس المطل على البحر، عانى طويلًا من وحوش البحر. وفي أحد الأيام، ظهر مرتزقٌ يُدعى مانو كانوك، أظهر براعةً استثنائية في القتال البحري وأسهم كثيرًا في القضاء على القراصنة.
فكتب دوق شفايرن رسالة توصيةٍ يشيد فيها بإنجازاته، وأرسله إلى فرانسيسكو.
بدا الأمر وكأنه اعترافٌ بفضله، لكن الحقيقة كانت غير ذلك. لقد كان ورقةً محروقة.
بعد القضاء على وحوش البحر، لم تعد شفايرن بحاجةٍ إلى كانوك. كما أن مرتزقاً مجهول الأصل يُعامل كبطلٍ في الدوقية صار وجوده مزعجًا.
ولم يكتفِ لايغر فرانسيس الأول بفهم نوايا دوق شفايرن، بل استغلها بمهارة.
فمقابل التخلص من مانو كانوك، زوّج ابنته الكبرى إلى دوق شفايرن، أغنى رجلٍ في الإمبراطورية. ثم نفى كانوك إلى أرضٍ نائية لا يُستحى فقط من تسميتها إقليمًا إمبراطوريًا. وأعطاه مرسوم تعيين شكليٍ لا غير.
ولم يكن مانو كانوك أحمق، إذ ذهب إلى إقطاعه الإسمي وعاش بقية حياته في صمت، ثم اختفى اسمه من جميع السجلات.
نهايةٌ مُرّة لمرتزقٍ موهوب.
ومع ذلك، كان نصيب كانوك من السجلات وفيرًا مقارنةً بمن جاء بعده. فما تلاه كان أشد بؤسًا.
قبل نحو سبعين عامًا، في عهد حكم لايغر فرانسيس الثاني، ورد سجلٌ واحدٌ لا غير.
يفيد بأن مانو توباز، ابن كانوك، قدّم للإمبراطور كيسين من فول الصحراء وكيسين من قمح الشتاء، إضافةً إلى كيسٍ من الألماس القذر، ثم عاد أدراجه.
‘ألماسٌ قذر؟ هل يعني ذلك ألماسًا خامًا غير مصقول؟’
إن كانت هناك مناجم ألماس، فلا يصح تركها مهملةً هكذا.
رغم أن الأمر يثير الحيرة، إلا أن هذا كان كل ما ورد في السجلات.
‘ما هذا؟ فقراء بلا أي وزن أو وجود….’
هكذا إذاً. الآن فقط فهم كلام هيستيريا. إقطاعيةٌ سخيفةٌ إلى درجة لا تترك سوى الضحك.
وهكذا، كفّ بانثيون عن البحث في شؤون إقطاعية مانو. فقد كان عليه أن يكرّس وقته لأمورٍ أكثر أهميةً وإنتاجية.
فهو ولي عهد إمبراطورية فرانسيس، الأمير الأول الذي سيغدو إمبراطورًا قريبًا.
***
في ذلك الوقت، لم يكن بانثيون يدرك مطلقًا أن القصر الملكي قد يصبح يومًا مأوى لابن خليلةٍ قذرة لم يولد بعد….
وبعد مرور نصف عام. لم يكن يتخيل أنه سيجوب ذلك الإقليم البائس، و هو أعرج، وبرفقته أخٌ فقد ذراعه….
____________________
ويت يعني صدق سافيروس كان بيعرض الزواج عليها؟! ليت بانثيون طاح ولا جا يخرب خيييييييييييييير😭
و حبيت الحين فلاش باك للاخوان خل نشوف وش صار للاميرين ذول
التعليقات لهذا الفصل " 45"