الشعر الأشقر البلاتيني الجميل كلون نبيذٍ عتيق، والعينان الذهبيتان اللتان تذكران بالعسل، كانتا رمز العائلة الإمبراطورية.
“يتفاخرون فيما بينهم بشعار الأسد الذهبي وما شابه، ثم يتجولون بشعرٍ أشقر متسخٍ كهذا؟”
“إنه صبغ. إذا غيّروا أحد الأمرين فقط يصبح اكتشافهم صعبًا.”
“أه، هكذا إذاً؟ تعمّدوا عدم تغيير الاثنين معًا. صحيح….لون العيون كان مميزًا فعلًا.”
‘لهذا شعرت وكأنني رأيتهم من قبل في مكان ما. الوراثة أمر مذهلٌ حقًا.’
مؤسس الأكاديمية الوطنية لفرانسيس كان الإمبراطور الأول، ملك الأسد شُوون. ولهذا كانت صورته الكاملة معلّقةً في ممر الطابق الأول من الأكاديمية.
“ولِمَ عارض الماركيز مشاركتهم؟”
بانثيون ساحر الأرواح، وستيفان المبارز بالسيف الذي يملك قدرةً على الاستبصار.
كان الاثنان بلا شك إضافةً حقيقية للقوة القتالية.
في وقتٍ كنا نفتقر فيه حتى لجنديٍ واحد، لماذا تصرّف الماركيز هكذا؟
“لأنهم من العائلة الإمبراطورية. تخيّلي لو أُصيب أحدهم بجراحٍ في المعركة، كم سيكون الماركيز في موقفٍ محرج.”
“وما المشكلة؟ إنهم مصابون أصلًا….ها؟”
اتسعت عينا أداماس دهشةً فجأة، وراحت تثني أصابعها و تفردها، ثم رمشت عدة مراتٍ وقالت لسافيروس.
“سافيروس، حسب علمي لا يوجد أميران إمبراطوريان في الثانية والعشرين والعشرين من العمر إلا هذان الشخصان.…”
“نعم. على الأغلب حدسكِ في مكانه.”
أطرق سافيروس رأسه وهمس لأداماس.
“الأمير الأول والأمير الثاني.”
“وهذا هو الإشكال! ما الذي حدث داخل القصر الإمبراطوري ليكون أحدهما أعرج والآخر بلا ذراعٍ يمنى؟!”
“سمعتُ عرضًا أنهما تعرضا لهجومٍ من وحش.”
“القصر يسمح للأمراء بمواجهة وحوشٍ خطيرة؟ أليست خدعةً فعلًا؟”
“لا أعلم. لكن الماركيز قابل جلالة الإمبراطور شخصيًا من قبل، فلا أظنها خدعة.”
تجهمت ملامح أداماس بشدةٍ وهي تستمع لكلام سافيروس.
“ما بكِ يا ماس؟”
“لا، لا شيء. فقط شعرتُ منذ البداية أن في الأمر ما لا يريحني. والآن اتضح أنهم أناسٌ معقدون فعلًا.”
عندها فقط تذكّرت أداماس المرة الأولى التي رأت فيها بانثيون.
رجلٌ تفوح منه رائحة الموت بقوة، تمامًا كسافيروس.
‘إذًا….كان رجلًا سيموت قريبًا.’
“سافيروس، لا تمت دون إذني.”
“ها؟ فجأة؟ ….حسنًا.”
“أعجبني جوابكَ. آه، روس الصغير اللطيف. على من شابهت حتى أصبحت وسيمًا هكذا؟”
و في اللحظة التي مدّت فيها أداماس يدها لتداعب شعر سافيروس.
“كفى من فضلكما.”
جاءهما صوت كايرن.
“رجاءً، مارسوا مظاهر العاطفة بعيدًا عن الأنظار. لقد كنتم تتعانقون في ساحة المعركة قبل قليلٍ وكأن الدنيا ستنقلب.”
“الـ، الأمر ليس كذلك يا كايرن.”
“الأعذار لا داعي لها، أيها القائد.”
تنهد كايرن وهو ينزل عن حصانه، ثم مدّ اللجام نحو سافيروس.
“قلعة مانو باتت في الأفق. تقدّموا.”
“….حسنًا.”
“هل أحمل الخوذة عنكَ؟”
هزّ سافيروس رأسه ردًا على سؤال كايرن.
“لا. سأحملها بنفسي.”
“صحيح، فهي غنيمة حرب.”
ضمّ سافيروس الخوذة السوداء إلى جانبه وقفز بخفةٍ إلى السرج، ثم مدّ يده لأداماس.
“لنذهب يا ماس.”
“نعم.”
و أمسكت أداماس بيده.
انقسم جيش مانو فران المتجه نحو القلعة يمينًا ويسارًا، وتوقف الجميع وانحنوا برؤوسهم.
و سار الحصان الذي يحمل سافيروس و أداماس ببطءٍ بين صفوف الجنود.
“لقد وصلنا تقريبًا فعلًا.”
بعد انتهاء المعركة، لفّ سافيروس وشاحًا أرجوانيًا حول كتف أسرع الجنود حركة. و اندفع الجندي مسرعًا نحو قلعة مانو ليبلغ نبأ النصر.
الوشاح الأرجواني، دليل الظفر، كان يرفرف فوق أعلى نقطةٍ في إقليم الماركيز، على قمة البرج الرئيسي لقلعة مانو.
“أخيرًا عدنا.”
“نعم. أخيرًا نحن في البيت.”
كانت عودةً بعد ثلاثة أيام.
في هذه المعركة التي سُمّيت لاحقًا في كتب التاريخ بـ”المعركة السابعة عشرة لأوشي باران”، لم يسقط من جيش مانو فران قتيلٌ واحد.
و في قلب هذا النصر العظيم الذي أنقذ مانو، كان يقف قائد فرسان إقليم مانو، مانو سافيروس، وخطيبته مارنو أداماس.
***
كان هناك دفءٌ حارٌ يُشعَر به.
حفل الاحتفال الذي بدأ صباحًا في ساحة التدريب بقصر الماركيز لم ينتهِ حتى بعد غروب الشمس.
و كان الجو مختلفًا تمامًا عن مأدبة الاحتفال قبل نحو ثلاثة أشهر.
ففي ذلك الوقت، كان الحضور من تابعي إقليم مانو، في احتفالٍ رسمي يراعي الأصول والهيبة،
أما اليوم، فقد أُقيم الحفل خصيصًا لجيش مانو فران الذي شارك فعليًا في القتال.
تساءلت أداماس في نفسها إن كان من الصواب استبعاد جميع التابعين البارزين في الإقليم، لكن حين فكرت في الانتصارات المتتالية وتطوير منجم الزمرد، أدركت أن ذلك منح الماركيز قوةً كبيرة، فلم تشعر بسوءٍ حيال الأمر.
ومع ذلك….
“إنه مهرجانٌ صاخب بكل معنى الكلمة.”
كان ميدان التدريب في قصر الماركيز مضاءً بالمشاعل، فبدا مشرقًا كأنه في وضح النهار.
كان الناس يضحكون ويغنون ويرقصون، أو يستريحون على أكوام الحطب والتبن المصفوفة على الأطراف وقد اتخذوها مقاعد.
وفي زاويةٍ أخرى من الميدان، كان إعداد الطعام لا يتوقف. وأكثر الأطباق شعبيةً كان خروفاً كاملًا مشويًا يُقدَّم مع شتى أنواع الخضروات المشوية.
منذ مدة، كانت أداماس تحدّق بعينين متلألئتين في الخروف الذي يدور على السيخ.
‘يبدو أنه شارف على النضج؟’
وكأن الطاهي قرأ أفكارها، فأخرج الخروف المشوي جيدًا من السيخ ووضعه على لوح التقطيع.
وما إن بدأ بتقطيعه بينما يتصاعد منه البخار، حتى شرع طاهٍ آخر بسلاسة في تجهيز واحدٍ جديد.
هل الذي يُحضَّر الآن هو الخامس؟
“آه!”
“ما بكِ يا أداماس؟”
سأل سافيروس، الجالس فوق كومةٍ من التبن، وهو ينظر إليها.
“ألم يقل الماركيز أنه سيوفّر عشرة خرفانٍ كاملة؟ إذاً لم نستهلك سوى النصف! أوه، ترك الطعام ذنب، والجميع سينال العقاب. يجب أن أساعدهم حتى لا يُعاقَب أحد!”
في اللحظة التي شدّت فيها أداماس قبضتها وهزّت رأسها بحماس، أطلق سافيروس تنهيدةً خافتة.
عندها اقترب منهما رجلٌ مسنٌ مبتسمًا.
“هيا، اشربوا كأسًا!”
كان من عرض الشراب على أداماس هو الرامي العجوز الذي عبر معها النهر سابقًا.
كان يحمل بين ذراعيه عددًا لا بأس به من قوارير الشراب، ويعرج بساقه غير المريحة، بعدما لا يُعرف أين ترك عصاه، بينما يوزع الشراب على من حوله.
“هيا يا آنسة، خذي واحدة.”
فلوّحت أداماس بيدها برفقٍ وابتسمت.
“في المرة القادمة!”
“حقًا؟ إذاً سنشرب معًا في المرة القادمة! تعالي لزيارة بيتنا!”
صم استدار فورًا دون أن يبدو عليه أي انزعاج.
“غادر دون أن يحييكَ حتى؟ ما هذه الهيبة الغائبة لقائد فرساننا؟”
“إنه ثملٌ لا أكثر. لكن بهذا الإيقاع من الأكل والشرب، يبدو أن الطعام لن يكفي….ستأكلين المزيد من الخروف المشوي، أليس كذلك؟”
نظرت أداماس بالتناوب إلى طبقها الفارغ ثم إلى وجه سافيروس، وعبست.
“أتعلم أنكَ لم تأكل الفطور ولا الغداء إلا بالكاد، وحتى الآن لا تشرب سوى الماء؟”
قالت ذلك وهي تلوّح بيدها لطرد الحشرات التي التصقت بجسده.
“أنا بخير.”
وهو يراقب أداماس، نهض سافيروس ببطء.
“إلى أين؟ كنا نتحدث.”
“يبدو أننا بحاجةٍ لإشعال مزيدٍ من نيران لطرد البعوض. وهناك أيضًا مخزن شرابٍ قديم في القصر، إن أحببتِ سأذهب لأجلب بعض الشراب. ابقي هنا.”
“يبدو أن الماركيز الأول لمانو كان مولعًا بالشراب.”
أدخل سافيروس مفتاحًا كبيرًا في قفلٍ صدئ هنا وهناك وأداره.
“لندخل.”
وحين فتح الباب الثقيل، انكشف أمامهما داخلٌ معتمٌ بعض الشيء.
فاستحضرت أداماس شعلةً صغيرة في كفها، و جلب سافيروس مصباحًا من الشموع كان معلّقًا على الجدار.
“أشعلي هذا أيضًا.”
“هاه، حقًا؟ هل تحتاج مرةً أخرى إلى قدرات هذه الساحرة العبقرية؟”
قالت أداماس ذلك بنبرةٍ متكلفةٍ مازحة.
“أتريد شرارة؟”
“……”
“أرِني بعض ردّ الفعل. أتريد الشرارة أم لا؟!”
“….نعم.”
“ما هذا الصوت الضعيف؟ كأنكَ لم تقل شيئًا أصلًا.”
“ألا يمكننا تجاوز الأمر هكذا؟”
“لا. لا يمكن.”
تنهد سافيروس وهو يضغط على جبينه، و لم تُفوّت أداماس الفرصة وسألته فورًا.
“نحن وحدنا الآن، سأسألكَ بصراحة. ما المشكلة بالضبط؟”
“أنا ماذا….”
“أنا ماذا؟ نعم، اختيارٌ موفقٌ للكلام فعلًا.”
قالت أداماس ذلك وهي تعقد ذراعيها وقد بدا أنها أمسكت به متلبسًا.
“قائد فرسان الإقطاعية الوحيد، وجوهرة مانو السوداء التي صنعت هذا النصر الساحق، السيد سافيروس نفسه، يجلس بوجهٍ متعفنٍ في زاوية ميدان التدريب ويشرب الماء فقط، وتتساءل كيف يلاحظ الجميع؟ كانوا يتعمدون أصلًا ألا يقتربوا منا!”
“لكن رامي السهام جاء قبل قليلٍ ليعرض الشراب.”
“لأنه كان ثملًا. ألم تسمعه يناديني “يا آنسة”؟ في إقطاعية الماركيز الجميع ينادونني الآنسة أداماس أو السيدة أداماس.”
“حقًا؟”
“نعم. أنا أحكم في بطولات المبارزة، وآكل مع الماركيز، وأنا خطيبة سيد السيف، وأنا….”
“ليس لأنكِ خطيبتي، بل لأنكِ مدهشةٌ بذاتكِ. في هذه المعركة تحديدًا، أنا لم أفعل شيئًا يُذكر.”
قال سافيروس ذلك بصوت مكتئب.
‘ما الذي أصابه فجأة؟ لماذا ثقته بنفسه في الحضيض هكذا؟ ماذا حدث دون أن أعلم؟’
“أنتَ دائمًا تقوم بعملكَ على أكمل وجه. وما حدث لكلوفر كان حادثًا مؤسفًا لا أكثر.”
“سبينيل كان أقوى مني.”
“….و أنتَ عبقريٌ من مستوى آخر أصلًا.”
“لا أدري. كل شيءٍ يضايقني.”
أمال سافيروس وجهه واستند بهدوءٍ على كتف أداماس. فرفعت أداماس يدها وربتت على ظهره برفق.
“سبينيل سيتراجع الآن لا محالة. ردود فعله الجسدية ستتباطأ مع الوقت.”
“هل تعتقدين ذلك حقًا؟ لماذا؟”
“لأنه لم يستطع تفادي ضربتكَ جيدًا، لذا انخلعت خوذته. بطيءٌ تمامًا. هه. لا شيء مميزٌ في سبينيل ذاك!”
رفع سافيروس رأسه بهدوءٍ واستقام، و تمتم قليلًا قبل أن ينطق أخيرًا.
“….ماس، هل رأيتِ شكل سبينيل؟”
“لا. أبدًا. كان بعيدًا والظلام شديد. أظن أنكَ الوحيد الذي رآه.”
“….حقًا؟”
“لماذا؟ هل كان وسيمًا؟”
عندها قطّب سافيروس حاجبيه.
ومع رؤية جبينه المعقود وعينيه المرتجفتين بقوة، ابتسمت أداماس ابتسامةً ماكرة.
“أمزح فقط. مجرد كلام. مهما أحببتُ الرجال الوسيمين، فالعدو، ورجلٌ في الأربعين من عمره؟ لا يعجبني. وفوق ذلك، شخصيته لا تعجبني أصلًا.”
“وكيف عرفتِ شخصية سبينيل؟”
“ذاك….أمم….أليس غزو بلاد الآخرين دليلًا كافيًا؟”
“أحقًا؟”
فابتسم سافيروس ابتسامةً واهنة. بينما هبّت نسمةٌ عبر الباب المفتوح فحرّكت شعره الأسود بخفة.
وإذ رأت أداماس عينيه الزرقاوين المتلألئتين أكثر تحت ضوء القمر، ابتلعت ريقها سرًا.
لو كانت تلك العينان جوهرتين، لَباعتْ دولةً كاملة لشرائهما.
وفكرت فجأةً أن من حسن حظها أنها ليست إمبراطورة.
“تعلمين يا أداماس، في الحقيقة….”
أمسك سافيروس بيدي أداماس بكلتيهما بهدوء. و كانت يداه المرتجفتان باردتين.
بل وكان يتصبب عرقًا باردًا أيضًا.
وهو يعجز عن رفع عينيه لملاقاتها، أيقنت أداماس.
‘مهلًا، لا تقل أن هذا هو الشيء الذي أظنه؟’
____________________
بيعترف؟! معقوله ترا الروايه 100 فصل والحين شوي ونعدي النص فطبيعي يعترف الحين صح؟
بس ياعمري عليه طلع زعلام عشانه يحس انه ماسوا شي؟ مسيكيييين
التعليقات لهذا الفصل " 44"