ظلّ سافيروس واقفًا شاردًا لبرهة، ثم التقط خوذة سبينيل بيدٍ خشنة.
“….هيييينغ.”
وحين أدار رأسه نحو مصدر الصوت، وقعت عيناه على حصانٍ ساقط أرضًا.
“آسف….كلوفر.”
كان كلوفر يلفظ زبدًا دمويًا وهو يلهث بصعوبة، عاجزًا تمامًا عن رفع عنقه.
كان كلوفر حصانًا أسود أهداه هيدينايت لسافيروس مع سيفه يوم أصبح ماركيزًا قبل عامين.
جسده وعيناه ولبدته كانت سوداء بالكامل، غير أن بطنه تميّز ببقعةٍ بيضاء صغيرة.
قال هيدينايت أن البقعة البيضاء في الحصان الأسود نذير شؤم، واقترح اختيار حصانٍ آخر، لكن سافيروس هزّ رأسه رافضًا.
لأن تلك البقعة البيضاء بدت له تمامًا كورقة برسيمٍ رباعية.
“أشعر أن هذا الفتى سيجلب لي الحظ.”
هكذا قال لهيدينايت. دون أن يدرك أيّ حظٍ كان ذلك.
“لم أتوقّع أن ينتهي بكَ الأمر هكذا….سامحني.”
ودّعه بنظرةٍ أخيرة وهو ينظر إلى عينيه الكبيرتين العميقتين.
***
عضّ سافيروس على داخل فمه بقوةٍ ليشدّ عزيمته. فتسلّل طعم الدم المالح إلى فمه.
وبصوتٍ أُجبر على الخروج، تحدّث سافيروس.
“هنا. أنا قائد فرسان إقطاعية مانو، مانو سافيروس.”
اندفع سافيروس إلى قلب المعركة، وكأنه ينتقم لكلوفر، ولوّح بالأورا الزرقاء بقوةٍ قاطعًا أعناق خيول فرسان روفيانا.
“القائد وصل! وليّ عهد روفيانا فرّ!”
دوّى صوت كايرن الجهوري عبر سهل أوشي. وفي الوقت نفسه، اقترب من بعيدٍ مشاةٌ من الفلاحين ورماةٌ شيوخٌ يحملون المشاعل، يهرعون بسرعة.
وفي طليعتهم كانت أداماس.
“روس!!!”
مع بزوغ الفجر، لمعت عينا أداماس الخضراوان وسط الزرقة الخافتة.
وفي كفّها تراقص برقٌ أزرق بدا كصاروخٍ سحري.
وبجانبها اصطفّ الرماة مشدودين، وقد أعدّوا سهامهم المشتعلة.
ما الذي تخطّط له أداماس؟
الآن فرساننا مختلطون بفرسان سبينيل. إن أُطلقت السهام المشتعلة هكذا، سيتضرر الطرفان.
هل يعقل أنها مستعدةٌ للتضحية بحلفائها لقتل جيش روفيانا؟
‘لا….مستحيل. أداماس ليست من يضع مثل هذه الخطط.’
أكبر سببٍ لثقة سافيروس بها، أنها كانت دومًا تصارع لتُنقذ شخصًا واحدًا من مانو، مهما كلّف الأمر.
تمامًا مثله.
وهو يحاول فهم تصرّفها، أدار سافيروس رأسه سريعًا ليتفحّص المكان.
المسافة أقرب مما توقّع. العدو والحليف متداخلان. إذًا لم يبقَ سوى هدفٍ واحد.
“جميع الفرسان! اتركوا خيولكم، والزموا الأرض!”
أصدر سافيروس أمره بصوتٍ هادر.
وما إن انتهت كلماته حتى ترجل جميع الفرسان عن خيولهم، وطرحوا وجوههم في أرض سهل أوشي الرطبة.
وفي اللحظة نفسها، ومض برقٌ صغير. كانت أداماس قد أطلقت صاروخًا سحريًا في الهواء.
واهتزّت الأرض اهتزازًا خفيفًا. كانت تلك قوة الغنوم.
ففزعت خيول الفرسان وبدأت تتخبّط وتهرب. وفي الوقت ذاته، رسمت أوتار الأقواس المشدودة قوسًا جميلًا في السماء.
لم تكن السهام تستهدف أحدًا. لقد سقطت خلف ظهر سافيروس.
حاول فرسان سبينيل التمسك بتوازنهم، لكن الأمر لم يكن سهلًا. وهنا، لم يفوّت سافيروس الفرصة.
مستغلًا الفوضى، اندفع بلا ترددٍ على الطريق الذي فتحه الرماة.
“هاااياااب!”
انفجرت موجة الأورا الزرقاء التي أطلقها سافيروس، ودوّى صداها في سهل أوشي. بينما تقطّعت أعناق الخيول، وسقط عددٌ كبيرٌ من فرسان سبينيل عن صهواتهم.
وبجسدٍ منهك، همّ سافيروس بالاندفاع مجددًا إلى ساحة القتال، لكن ظلًا صغيرًا انقضّ فجأة.
كان الظل منخفض القامة، يشقّ سيقان الفرسان الساقطين بسرعة. هيئةٌ منحنية، أشبه بحيوانٍ رباعي الأرجل.
و كان سافيروس يعرف هذه الوضعية.
برج الأجراس المنفجر في شهر سبتمبر، نهائي بطولة المبارزة. تلك المبارزة التي أظهرت وجودها بقوة.
فتمتم سافيروس بصوتٍ خافت.
“ربما….كان حكمي في ذلك الوقت متسرّعًا قليلًا.”
في البطولة، رجّح سافيروس تفوّق بانثيون الساحق. وظنّ أن فوز الآنسة أونيكس مستحيلٌ ما لم ينسحب بانثيون.
ولا يزال يعتقد أن بانثيون أقوى بكثير. لكن شيئًا واحدًا كان واثقًا منه. حتى لو استمرّ النهائي، لما كانت معركةً سهلة.
“إنه سيف أونيكس!”
صرخ أحدهم.
سيفٌ يهبط منخفضًا، ويقطع العدو بسرعةٍ خاطفة. السيف الذي حمى مانو لأطول زمن.
نعم، لم يكن أسلوبًا نمطيًا، لكنه بلا شك سيف أونيكس.
و على خلفية الظلام الحالك، ارتفع نورٌ جديد سيضيء مانو. كانت القديسة المبارزة، أونيكس فيرفيتينا.
***
وقد استمدّ جنود الفلاحين قوتهم من تألق فيرفيتينا، فانطلقوا صارخين بحماسٍ نحو فرسان سبينيل.
أما الفرسان الذين لم يسقطوا عن خيولهم، فقد أخذوا يقفزون بعنفٍ محاولين تفادي الهجوم.
لكن تلك الحركات الكبيرة كانت بطبيعتها لافتةً للنظر، فتكفّل سافيروس بالقضاء عليهم في لحظات.
ومع انطفاء صرخات الاحتضار، بدأ اللون الأحمر يتسلل ببطءٍ إلى سهل أوشي. و انهار جنود مانو فران على الأرض وهم يلهثون بأنفاسٍ متقطعة.
ثم ساد صمتٌ قصيرٌ جدًا.
ضرب سافيروس رأسه المتألم بكفه عدة مراتٍ بعد قتالٍ استمر طوال الليل.
كان يودّ الجلوس هو الآخر، لكنه شدّ جسده بصعوبةٍ وراح يبحث عن كايرن.
“كايرن! كايرن!!”
“نعم، سيدي القائد.”
نهض كايرن بسرعةٍ واقترب من سافيروس.
“أحصِ عدد القتلى والجرحى. وابحثوا عن الخيول التي قامت أداماس بتشتيتها. نحتاج إلى إرسال مبعوث.”
“أمركَ، سيدي القائد.”
أجاب كايرين باحترام، ثم سارع إلى تنظيم الفرسان في صفوف.
انطلق بعضهم معه لحصر الخسائر، بينما أخرج الآخرون صفارات الخيل من صدورهم، أو راحوا يصفقون وينادون أسماء خيولهم بأصواتٍ عالية.
حرّك سافيروس خصره قليلًا، ثم خلع درعه القشري ببطء. وما ظهر أسفله كان وشاحًا أرجوانيًا أخفاه لعبور نهر روفيانا سرًا.
بانغ بانغ—
وحين نشر الوشاح الأرجواني ولوّح به عاليًا في السماء، وضع جميع جنود مانو فران أيديهم على صدورهم وانحنوا صامتين.
وسافيروس أيضًا خفّض رأسه، عاجزًا عن الكلام لبرهة.
“….روس! هيه، مانو سافيروس!”
“ها؟ أوه، أداماس. لماذا تصرخين فجأة؟”
“كنت أناديكَ منذ مدة. لماذا أنتَ شاردٌ هكذا؟”
“آه، آسف.”
“يا إلهي. على أي حال، أحسنتَ. هاكَ الرياح.”
تنهدت أداماس بعمق، ولوّحت بيدها في الهواء عدة مرات، فاهتزت خصلةٌ من شعر سافيروس الأمامي بنسيمٍ لطيف.
وهو ينظر إلى أداماس التي تصنع له هواءً باردًا بوجهٍ متجهم، ابتسم سافيروس بهدوء.
“وجهكَ مبللٌ بالعرق. لو دخل في عينيكَ فسيكون لاذعًا جدًا.”
“أنتِ كما أنتِ دائمًا.”
“ها؟ ماذا قلتَ؟”
“لا شيء……”
ثم شدّ سافيروس أداماس إلى صدره بقوة.
“هيه، هيه! ما بكَ؟ اتركني! الناس ينظرون! ابتعد!”
و قبّل شعرها الذي لمع تحت أشعة الشمس الصاعدة.
“قلت لكَ اتركني! هذا محرج!”
كان هناك الكثير مما يجب فعله.
حتى لو كانوا أعداء، كان لا بد من جمع الجثث. وكان عليهم اختيار من يجيد ركوب الخيل لإبلاغ الماركيز بنبأ النصر.
لكن الآن….تحت هذه الشمس المتقدة، أراد فقط أن يستمتع بكونه حيًا.
“أداماس، لقد أنقذتِنا مرةً أخرى.”
لو كانت هناك جنيةٌ للنصر، فلا بد أن تكون على هذه الشاكلة.
وسط أصوات الهتاف والتصفيق التي تملأ الأذن، فكّر سافيروس.
‘مهما حدث، سأحميكِ بهاتين اليدين. ومهما حدث، لن أترككِ تفلتين من بينهما.’
***
في طريق العودة إلى الإقطاعية. نفخت أداماس شفتيها وحدّقت في سافيروس بامتعاض.
“لماذا قلتَ أننا سنمشي؟”
“هاه؟”
“أعني، كايرن عرض أن يعيرنا حصانًا. لماذا اخترتَ المشي؟”
“….آسف، ماس. هل تؤلمكِ ساقاكِ؟”
“ليس هذا المقصود، وأنتَ تعرف ذلك.”
قالت أداماس ذلك لسافيروس الذي كان يسير مطأطئ الرأس بصمت.
كان الاثنان يمشيان في مؤخرة جيش مانو فران، المؤلف من مئة فارس، ونحو ثلاثين رامٍ، ومعظمهم من مشاة الفلاحين.
مالت أداماس رأسها بتساؤل. فبالنسبة لقائدٍ حقق نصرًا ساحقًا، كان وجه سافيروس قاتمًا أكثر من اللازم.
وبينما تعالت الأغاني من هنا وهناك، اهتزت الأكتاف تلقائيًا على إيقاعها، لكن كان سافيروس وحده غارقًا في هذا الكآبة.
“هل كلوفر ما زال يشغلكَ؟”
كان كلوفر حصانًا أسود أصيلًا، يشبه شعر سافيروس الأسود تمامًا. جميلًا أكثر من اللازم بالنسبة لحصان، ك حتى أن أداماس تعلّقت به سرًا.
“حتى أنا بدأتُ أندم. كان ينبغي أن أُحسن معاملته أكثر.”
“أنتِ لستِ قريبةً من كلوفر أصلًا، أليس كذلك؟”
“من قال أني لست قريبة؟ هل تعرف كم مرةً مررتُ على إسطبل القصر وأطعمتُ كلوفر سرًا حزم التبن من دون علمكَ؟”
“لهذا إذًا. كنت أشعر أنه ازداد وزنًا قليلًا….و المذنبة هي أنتِ.”
نظر سافيروس إلى أداماس بنظرةٍ جانبية صامتة.
“الأمر ليس مقتصرًا على كلوفر فقط.…”
قال ذلك وهو ينظر إلى الخوذة السوداء التي كان يحملها تحت ذراعه.
“خوذة سبينيل؟ أرني إياها أنا أيضًا.”
مدّت أداماس يدها، فناولها سافيروس الخوذة بملامح متحفظة.
“سوداء تمامًا فعلًا. باستثناء حجر السبينيل الأحمر المثبّت في الجبهة.…”
قالت أداماس ذلك وهي تقلّب الخوذة الثقيلة بين يديها.
“آه، إذًا أنتَ رأيتَ وجه سبينيل. كيف كان؟”
“….ماذا؟”
“تقول الشائعات أنه وسيمٌ للغاية.”
“….لم أره جيدًا. كان الظلام دامسًا. أعيدي الخوذة.”
قال سافيروس ذلك وهو يتفادى نظراتها وينظر حوله.
“صحيح، كان الليل حالكًا. حسنًا، لا بد أنه متوسط القبح إذًا؟”
“إن كان مشهورًا بالوسامة، فلماذا تصفينه بالقبح؟”
“هيا، هذا مجرد تملّق. لم أرَ في حياتي أميرًا وسيمًا فعلًا رغم كل الإشاعات.”
“أنتِ أصلًا لا تشاهدين المواكب.”
“همف. قد لا أشاهد المواكب، لكني أقرأ كتب التاريخ! لكن لماذا أصبحتَ حادّ المزاج فجأة؟ وكأنكَ سبينيل نفسه!”
“أنا ماذا….”
تردد سافيروس، ثم أغلق فمه. وعندها أطلقت أداماس تنهيدةً عميقة.
وبينما كانت تعيد إليه الخوذة وتحاول أن تجد ما قد يثير اهتمامه، تذكّرت فجأةً شيئًا، فوسّعت عينيها وسألته.
“آه، صحيح! روس! ماذا عن بانثيون وستيفان؟ تينا أخبرتني أن الماركيز عارض مشاركتهما.”
“هاه؟ آه، ذلك.…”
“لماذا؟ ما المشكلة؟ بمستواهما كانا سيشكلان دعمًا هائلًا في الحرب. هل كانت مسألة غموض الهوية؟”
“كانت المشكلة أنهما معروفان أكثر من اللازم. كلاهما من العائلة الإمبراطورية. قالا أنهما، بصفتهما من أبناء الإمبراطور، شعرا بالمسؤولية تجاه إقليم امبراطورية فرانسيس الواقع في أزمة، وأصرّا على المشاركة في القتال.”
“ماذا؟ ما هذا الكلام؟! ولماذا يأتي أمراء إمبراطوريون إلى هذا الريف النائي أصلًا؟!”
___________________
وااااااو طلعوا صدق امراء بس وش ذا الامراء المدعوس عليهم؟ واحد رايحه يده والثاني يعرج
المهم الضمه ياناااااااس اداماس كان خليتي الحيا على جنب وضميتيه بعد انت كان بتجي لقطه حنونه وكذا🤏🏻
بس حلو انها خلته مانطلته صدق ولا شوت شي وهو قاعد يكمل سرحان يبوس شعرها بعد😭
اهم شي عاد يوم قال منب مبعدس من يديني😘 هههههععععهههعهعهع
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 43"