“تراجعوا! على جميع القوات التراجع!”
أخيرًا صدر أمر الانسحاب من جيش روفيانا.
“واااه! لقد فعلناها!”
“انظروا إليهم، يفرّون مذعورين كالفئران!”
صرخ الرماة العجائز بأعلى أصواتهم.
عندها فقط تنفّست أداماس الصعداء، وراحت تراقب جيش روفيانا المنسحب بقلبٍ أكثر طمأنينة.
فرسان روفيانا اندفعوا بمهارةٍ عبر الوحل غير المتماسك الذي خلّفه مطر الصباح. وسافيروس كان يطاردهم من الخلف بسرعةٍ خاطفة.
“كل فرسان الكتيبة الراكبين، اتبعوني!”
“كيف تجرؤ! أمثالكَ لا يستحقون—! سمو ولي العهد أنا من سيحميه….كخ!”
أسقط سافيروس أعناق الأعداء الذين اعترضوا طريقه، لتتدحرج بلا نهايةٍ تحت حوافر جواده.
ليلٌ أسود، وأورا زرقاء متماوجة، وصيحات ألمٍ ترسم مشهدًا مرعبًا في سهل أوشي.
دون تردد، اندفع سافيروس بفرسه نحو الأمام، وصرخ بأعلى صوته.
“أداماس!”
“أوه! أيها الوغد!”
مع صرخة سافيروس، استدعت أداماس الغنوم على الفور.
“أرجوكَ، غنوم. اجعل الطريق أمام جيش روفيانا وعرًا وغير مستوٍ.”
—اتركي الأمر لي.
بعد بضع دقائق. صهلت جميع خيول جيش روفيانا عاليًا نحو السماء، ثم تمايلت وأسقطت فرسانها أرضًا.
وسافيروس لم يترك الفرصة، فقطع أعناق الفرسان المتساقطين واحدًا تلو الآخر بسرعة.
فشدّت أداماس قبضتها في الهواء بقوة.
‘نعم، هكذا! ممتاز!’
إذا استمررنا على هذا النحو….كان النصر الساحق شبه مؤكد.
وفي تلك اللحظة. فجأة، غيّر أحد الخيول السوداء التي كانت تتقدم الصف اتجاهه، واندفع مباشرةً نحو سافيروس.
حصانٌ يركض وحده؟ بل ويعكس الاتجاه؟
فركت أداماس عينيها وقطّبت حاجبيها. وحين لمحت ظلًا أسود يتموّج كتيارٍ مظلم، صرخت.
“روس، انتبه! إنه سبينيل!”
كان هناك شخصٌ واضحٌ فوق الحصان الأسود.
“كرةٌ نارية!”
أطلقت أداماس كرةً نارية بسرعةٍ نحو الأمام. فقد كان عليها أن تضيء الطريق أمام سافيروس.
لكن المسافة كانت قد اتسعت كثيرًا بالفعل. و تلاشت كرة النار قبل أن تصل إلى حيث يقف سافيروس، وفقدت قوتها وانطفأت.
“تباً! غنوم، أرجوكَ، أوقف سبينيل!”
—حسنًا.
ما إن أنهى الانوم كلماته، حتى رفع حصان سبينيل الأسود جسده عاليًا في الهواء وبدأ بالوثب بعنف.
بدت حركاته غير منتظمةٍ، كأنه يندفع بلا نظام.
“رائع! كما توقعت، إنه الغنوم الرائع!”
رفعت أداماس يديها عاليًا بفرح.
لكن ذلك لم يدم طويلًا. فسبينيل لم يخفف سرعته مطلقًا، واستمر في الاندفاع نحو سافيروس. كانت مهارةً فروسية مذهلة.
“سـ، سيكون بخير.”
عضّت أداماس على شفتيها محاولةً تهدئة نفسها.
نعم، سبينيل وحده. مهما بلغت مهارته في الفروسية، فهو بمفرده.
لا بأس. فانضمام فرساننا أسرع بكثير. سيُحاصر سبينيل قريبًا.
وفي تلك اللحظة.
“أوه! ما هذا بحق؟!”
صرخ أحد الرماة المجتمعين بصوتٍ عالٍ. و تعلّقت أنظار الرماة الذين كانوا يراقبون من حافة الخندق بشخصٍ واحد.
“هناك! انظروا إلى أولئك!”
أدارت أداماس رأسها متتبعةً إصبع الرامي.
تباً! إذاً هذا هو السبب؟
‘هذا القلق الجنوني!’
من الجناح، اندفعت كتيبة فرسانٍ تحمل رايةً يتوسطها وحيد قرن أسود، مستهدفةً جناح جيش مانو فران بسرعةٍ خاطفة.
كانت كتيبة سبينيل.
و قد فهمت أداماس الآن. سبينيل كان يهدف إلى شطر الصفوف.
كان ينوي عزل سافيروس. بهذا الشكل، سيجد سافيروس نفسه وحيدًا، عالقًا بين سبينيل وفرسانه.
وفي تلك اللحظة، لمع بريقٌ حاد في عيني أداماس وهي تدوس الأرض بقلق.
لا بأس. لحسن الحظ، عدد فرسانهم ليس كبيرًا. إن جعلنا سبينيل عاجزًا عن القتال قبل أن يلتحموا، فسيرتبكون هم أيضًا.
يكفي أن يقضي سافيروس على سبينيل بسرعةٍ ثم يلتحق بالفرسان. عندها سيكون الطرف المُحاصَر هو مملكة روفيانا لا نحن.
بعد أن أنهت أداماس تفكيرها، لم تتردد، وانتزعت اللازورد من إبهام يدها اليمنى.
“شكرًا لكِ، لافي. شكرًا لقدومكِ إليّ.”
من بين جواهر أداماس الكثيرة، كان اللازورد الحجر الوحيد الذي استخرجته بيديها.
منذ زمنٍ بعيدٍ جدًا، كانت أداماس تحلم بالحلم ذاته كل شتاءٍ تتساقط فيه الثلوج.
أشجار بتولا على سفح جبل، وصخرةٌ كبيرة، وتحتها حجرٌ يلمع بلونٍ أزرق داكن مرصّع بنقاطٍ ذهبية. اللازورد.
كانت تمسك اللازورد في كفّها، وحين رفعت رأسها، تلألأت سبع نجومٍ في سماء الشمال المصبوغة بالزرقة.
ذلك الحلم الواضح حدّ القسوة تحوّل إلى واقعٍ حين بلغت أداماس السادسة عشرة.
في يومٍ عملت فيه مؤقتًا خلال عطلة الشتاء، مساعدةً لحارس الجبال في إزالة الثلوج داخل غابة مورواي.
هناك، رأت أداماس المشهد ذاته الذي رأته في حلمها.
ثم قبّلت الجوهرة الشبيهة تمامًا بالدب الأكبر قبلةً خفيفة.
“مرحبًا. يا دبّي الأكبر، افتحي طريق روس.”
تصدّع الحجر في يدها بصوتٍ حاد، وارتفعت شظاياه سريعًا في الهواء. ولوّحت أداماس بيدها مرةً واحدة، فانقسم اللازورد بدقةٍ إلى سبع قطع، اندفعت نحو سافيروس وسبينيل.
وفي اللحظة التي ارتفعت فيها القطع فوق رأسيهما مخترقةً السماء.
هواااخ— ومع الصوت، انقشعت الغيوم الداكنة عن المكان الذي يقفان فيه.
“شكرًا لكِ، ماس.”
تجمّعت نجومٌ ذهبية أضاءت الطريق أمام سافيروس. و انقشع الضباب عن بصره.
لا يزال الليل حالكًا، لكنه بات يستطيع تمييز ما أمام عينيه.
‘ماس. هل تعلمين؟ في هذا العمر القصير، كل لحظةٍ مرّت بدت كالسحر ولا تُصدّق، كنتِ أنتِ حاضرةً دائمًا.’
ركل سافيروس خصر جواده بقوةٍ وانحنى بجسده، فاندفع الحصان إلى الأمام وهو يهز رأسه بعنف. فشدّ قبضته حول مقبض السيف الطويل.
ومن الجهة المقابلة، كان سيف سبينيل يتماوج بسوادٍ قاتم وهو يندفع نحوه مستعرضًا فروسيةً أقرب إلى البهلوانية.
‘حتى شفرة الأورا سوداء، إذاً.’
لو كانت أداماس تراه الآن، لقالت بلا شك: “تشه، أسودٌ من رأسكَ حتى قدميكَ، مقرف.”
رؤية صورة أداماس الواضحة أمام عينيه جعلت سافيروس يبتسم بخفة، ثم اندفع بفرسه مباشرةً نحو سبينيل.
و لولا مساعدة حجر السحر، لارتبك بشدةٍ وسط هذا الظلام.
‘شكرًا لكِ. سأفوز حتمًا، ماس.’
“إهاااب!”
مع صيحةٍ مدوية، أعاد سافيروس الإمساك بسيفه. وتوهّج حدّه بهالةٍ زرقاء مرتعشة.
***
“كغاااخ!”
حسمت لحظة واحدة النتيجة.
“تباً!”
لا أشعر بشيءٍ تقريبًا في يدي. هل أصبتُ طرف الخوذة فقط؟
وبينما شعر بثقلٍ مزعج يجذبه نحو السقوط، لفّ سافيروس جسده بسرعةٍ في الهواء.
هو استهدف عنق خصمه، لكن سبينيل استهدف عنق الحصان.
“همم. على الأقل لستَ أحمق يجهل كيفية السقوط.”
انساب صوتٌ ثقيلٌ وخشن من فوق رأسه. فلوى سافيروس جسده بسرعة.
بووم—.
و المكان الذي كان فيه قبل ثانيةٍ واحدة انخفض بعنف.
“مهارةٌ تستحق السمعة. أنتَ أول من يجرؤ على نزع خوذتي في ساحة حرب.…”
وفي اللحظة التي تلاقت فيها أعينهما، خفت الضوء من جديد.
لقد استُنزفت طاقة حجر أداماس السحري. وعادت الغيوم الداكنة لتغمر الاثنين.
ترجّل سبينيل بهدوءٍ عن حصانه. و عيناه الزرقاوان أطلقتا بريقًا غريبًا.
أما سافيروس، فلم يجد ما يقوله، واكتفى بالرمش بصمت.
“….سيدي القائد! سيدي القائد! أين أنتَ؟!”
على صوت كايرن المنادي له، استعاد سافيروس وعيه.
آه، إلى أي مدى وصل كايرن الآن؟
بينما أدار سافيروس رأسه باحثًا عن صاحب الصوت، اندفع إلى أذنه صليل السلاح.
‘تباً! لهذا شعرت أن عدد الجنود أقل بقليل….لقد ضربوا من الجانب.’
إذًا، عليّ أولًا أن ألتحق بهم هناك….
“….كخ.”
“كيف تجرؤ على تشتيت انتباهكَ وأنا أمامكَ.”
وجّه سبينيل سيفه نحو سافيروس. وبالكاد تمكّن سافيروس من صدّ الضربة، فتراجع جسده شيئًا فشيئًا إلى الخلف.
كان سبينيل يلوّح بسيفٍ أثقل بكثيرٍ من سيف سافيروس دون تردد. و تراجع سافيروس خطوةً بعد خطوة، وهو يبعد هجمات سبينيل المحمّلة بالقوة قدر استطاعته.
“هيه. أليست قوتكَ ضعيفة أكثر من اللازم؟ هل معصمكَ بخير؟”
كان يتحدث إليه بنبرة كمن يُلاعب طفلًا.
“القوة ليست كل شيءٍ في السيف.”
“هذا كلام من لا يملك القوة. هياب!”
تواصل الهجوم الأحادي من جديد، وواصل سافيروس صرف سيف سبينيل مرارًا وتكرارًا.
‘إذا واصلتُ التراجع هكذا، ستصل بنا الخطوات إلى إقطاعية الماركيز.…’
وفجأة، تراجع سبينيل مبتعدًا عن المسافة، ثم أطلق ضحكةً صاخبة.
“هاهاهاها.”
“…….”
“يا لكَ من ثعلبٍ حقيقي. كنتَ تتراجع لتلتحم بقواتكَ؟ أتجرؤ على ذلك وأنا أمامكَ؟!”
انقضّ صوته كالعاصفة. وعندما رأى سافيروس شفرة الأورا السوداء تنفجر بعنفٍ من سيف سبينيل، ابتلع ريقه بصعوبة.
لقد كُشف المخطط.
وأمام الجنون العاصف في عينيه الزرقاوين المتّقدتين، سحب سافيروس خنجره بهدوء.
“حسنًا. إذًا سأقتلكَ ثم أتابع طريقي.”
أحاط سافيروس جسده كله بأورا زرقاء. و وقف مائلًا، ممسكًا بالسيف الطويل في يده اليمنى، والخنجر في اليسرى.
إن كانت القوة مستحيلة، فالحسم سيكون بالسرعة.
بدرعٍ ثقيل، وسيفٍ ثقيل. سيصعب على سبينيل مجاراة سرعته.
حرّك سبينيل زاوية فمه بابتسامةٍ خفيفة، وأمسك بسيفه بكلتا يديه بحذر. و كان يعلم أن أي خطوةٍ خاطئة، وسيطعن ذلك الفارس الصغير عنقه بلا تردد.
“في مثل هذا العمر، وبلغتَ هذا الحد. كأنني أرى نفسي في صغري.”
“مستحيل. من مستواكَ الآن، أظن أنكَ في عمري لم تكن حتى تجرؤ على سحب سيفٍ حقيقي.”
“هاهاهاها. يا لوقاحتكَ. كلما نظرت إليكَ أكثر، زاد إعجابي بكَ.”
“غريب. أنا على العكس تمامًا، لا أطيقكَ. يالكَ من نحس.”
“أحقًا؟ ماذا يكون هذا؟ كراهية أبناء الجنس الواحد؟”
“لا تتفوّه بما تشاء لمجرد أن فمكَ مفتوح. أن أكون من جنسكَ؟ أفضل أن أعض لساني وأرمي نفسي في نهر باران.”
“لطيف. تعض لسانكَ ثم تقفز. ما ألطفكَ.”
“….اصمت وتعال!”
صرخ بشجاعة، لكن سافيروس لم يستطع أن يخطو خطوةً واحدة. فسبينيل لم يترك أدنى ثغرة.
مرّت نسمة فجرٍ باردةٍ بين الاثنين. وكان سبينيل هو من كسر توازن الصمت.
أطلق صفيرًا عاليًا واحدًا. ومن بعيد، اندفع حصانٌ أسود بسرعة.
“….سنلتقي مجددًا.”
قفز سبينيل مباشرةً فوق الحصان المسرع، وغادر سهل أوشي دون أن يلتفت.
بينما ظل سافيروس ينظر إلى ظهر سبينيل وهو يبتعد.
“تبا لك!”
بشعره الأسود الحالك ونظراته الزرقاء المتوهّجة، شتمه سافيروس بقسوةٍ بشفاهٍ جافة.
_____________________
سبينيل اربعيني وسافيروس توه صاك العشرين ويجي الاسود ذاه يحاربه و مسوي تراني بأهزمك عشانك صعلوك؟ انقلع
المهم أداماس قاعده تعاينهم؟ ابيها تسمع سافيروس وهو يسب😂
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 42"