ثم أشارت أداماس بيدها إلى سافيروس. فأخرج سافيروس الخريطة. واستحضرت أداماس كرة نار صغيرة في كفّها لتضيء الخريطة.
فأحاطهما من كان حولهما بسرعة ليمنع تسرّب الضوء.
“انظر إلى هذه الخريطة يا غنوم.”
وأشار سافيروس بإصبعه.
―ما هذا الأمر المتعجرف؟ همف!
و تذمّر الغنوم، لكنه حدّق في الخريطة التي بسطها سافيروس.
“هنا موقع معسكر العدو. نريد أن ننصب كميناً على بعد مئة مترٍ أمامه.”
في سهلٍ مكشوف لا حصون فيه ولا متاريس، كان قرار الكمين مغامرةً صعبة.
وبمعنى آخر، كان من المؤكد أن جيش روفيانا لم يتوقع التعرض لهجومٍ مباغتٍ في قلب السهل.
حفر حُفَر قريبةٍ المسافة، بلا أي موضع للاختباء. أمر يبدو مستحيلاً. لكن الأمر كان مختلفاً إن تعلّق بالغنوم. فبقدراته، كان هذا أسهل من شرب حساء الفول.
―تريدون صفّين من الحفر؟
“سافيروس، صفّين؟”
“ليس صفّين. بل متدرّجة. أهذا مستحيل؟”
―ها! من تظنني؟ أنا غنوم! روح الأرض!
نفخ الغنوم بازدراء وحدّق في سافيروس بنظرةٍ حادّة.
―صراحةً، ليس مستحيلاً، لكن….ماذا عن السيّد؟
“أنا؟ بالطبع لا مشكلة لديّ.”
فرمق الغنوم أداماس بنظرةٍ جانبية،
―لا أسألكِ عن الرأي. أسألكِ عن القدرة. أنتِ لستِ كانيل.
“آه….نعم.…”
كانت عيناه الهادئتان الخاليتان من أي خبث تنطقان بالحقيقة.
الأرواح تستهلك مانا أقل من السحر العادي، لكنها لا تعمل بلا ثمنٍ أبداً. لقد أنشأ الغنوم زنزانة الصحراء وحده.
و المشكلة الآن لم تكن في قدرته، بل في صاحبة العقد، أداماس نفسها.
‘أنا أعلم. أعلم أنني ما زلتُ ناقصةً جداً.…’
مع ذلك، لم تستطع الاستسلام.
فأمسكت أداماس يد الغنوم بهدوء، وطوت جسدها وركعت.
“الجميع يراهن بحياته. وأنا أيضًا أريد أن أحمي من هم أعزّ الناس إليّ.”
تحت ضوء القمر الخافت، أشرقت عينا أداماس بإرادةٍ صلبة.
فتنفّس الغنوم الصعداء بصمتٍ وتمتم متذمّرًا.
―هاه….حقًا، حتى بعد خمسين عامًا لن يتغيّر شيء. متى سيتوقّف البشر عن خوض الحروب؟
كان ذلك يعني أنه سيحقّق لها ما تريد. فأشارت أداماس إلى الخنجر المعلّق على خصرها،
“بالمناسبة، لم أُرِكَ من قبل منجم الزمرد، أليس كذلك؟ هكذا تكون الأحجار التي تُستخرج منه.”
―أوه؟ هذا لا بأس به على أي حال!
تلألأت عينا الغنوم وهو يتأمّل الجوهرة في مقبض السيف، حتى أن أداماس نزعت السيف بالكامل عن خصرها.
“أأعطيكَ إيّاه؟”
فهزّ الغنوم رأسه بحزم.
―لستُ غير مهتمٍ بمهارة البشر، لكن ما لم أقم بصقله بنفسي فلا يروق لي.
“كما توقّعت، ذائقتكَ عالية.”
فأعادت أداماس السيف إلى خصرها.
و لو كان شخصٌ عادي قد تمسّك بتفاصيل كهذه في السلع المورّدة إلى قصر الماركيز، لتحوّل الأمر إلى مشكلةٍ كبيرة بلا شك.
لكن الغنوم كان روحًا. بل روحًا أرضية من الدرجة العليا.
―دعيني أختار الجواهر بنفسي. وسأتولّى صقلها بيدي.
“نعم، بالطبع. سنفعل ذلك.”
عرفت أداماس بالفطرة. لا شك أن الغنوم سيستخرج أفضل الجواهر بنفسه.
ومن الآن وحتى ينضب منجم الزمرد، لن يظهر حجرٌ سحري أفضل مما سيختاره.
ومع ذلك، وافقت أداماس بسخاء. كان الأمر كما حين خرجت من زنزانة الصحراء. فلا شيء أغلى من الحياة.
بل إن اللحظة الراهنة كانت أهمّ من ذلك الوقت. مهما بلغت قيمة الجواهر، لا يمكنها أبدًا أن تعلو فوق حياة البشر.
يومها كانا أداماس وسافيروس وحدهما، أما الآن فمصير أكثر من ألف إنسانٍ معلّق.
فشدّت أداماس عزيمتها من جديدٍ لحماية أكبر عددٍ ممكن من الأرواح.
هنا بالضبط، وفي هذه اللحظة، تكمن عدالة هذا الإنزلاق الزمني.
ثم بدأ الغنوم بحفر الخنادق التي ستختبئ فيها قوات مانو فران بسرعةٍ مذهلة.
كان الاهتزاز الخفيف المتولّد عند أطراف الأقدام ضئيلًا لدرجة لا يُحسّ إلا مع تركيز شديد.
بينما شعرت أداماس وكأن كل طاقتها قد استُنزفت، فجلست مترهّلةً بصعوبةٍ عند طرف جدار ترابي.
“أحسنتِ.”
ثم فتحت أداماس عينيها بصعوبةٍ عند سماع صوت سافيروس.
“هيا، اشربي هذا قليلًا.”
ضمّ كتفيها إليه وقرّب قربة الماء من فمها. ومع الماء البارد الذي انساب في حلقها، بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا.
“استريحي قليلًا، ثم تحرّكي مع الرماة.”
“نعم.”
لم تقل شكرًا، ولم تقل اعتذارًا. لكن أداماس رأت بوضوح. رأت عيني سافيروس وقد احمرّتا امتنانًا.
فرمقته أداماس بنظرةٍ معاتِبة،
“هيه، هذا عملنا نحن.”
وكأن الأمر لا يستحق الذكر حقًا.
“نعم، صحيح.”
ثم وصل دفءٌ خفيف إلى يد أداماس.
“أوه! أنت، أنتَ.…!”
لم تستطع أداماس أن تصرف نظرها عن ظهر سافيروس وهو يستدير مسرعًا.
بالتأكيد….على ظاهر يدي….كتنت لمسةً خفيفة، ثم ابتعاد.
شفاههُ كانت قد لامستها لبرهة. فبقيت أداماس جالسةً شاردةً لوقتٍ طويل.
***
“نحن جميعًا في كمين، وجميعنا مقاتلو حرب عصابات.”
هكذا قيل، وهكذا نُفّذت الغارة الليلية.
“آه! العدو! العدو!”
انطلقت السهام النارية من الأوتار المشدودة، ترسم ذيولًا طويلةً قبل أن تنغرس في خيام جيش روفيانا.
كان الرماة المسنّون، الذين بدوا وكأنهم لا يملكون حتى قوة عبور النهر على أقدامهم، يواصلون إطلاق السهام النارية بعنادٍ نحو جيش روفيانا رغم ارتجاف أذرعهم النحيلة.
ولم تتراجع أداماس عن حماستهم، فأمطرتهم بتعاويذ كراتٍ نارية دون توقّف.
“على فرسان النظام جميعًا الهجوم!”
صدر أمر الاندفاع نحو عدوّ مرتبك فاقدٍ للتوازن.
“موتوا!”
“بل أنتَ مت!”
شتائم بدائية متبادلة، وصليل الأسلحة المتصادمة.
و بين المباني المؤقتة والخيام المنهارة، اندفع سافيروس على جواده الأسود إلى الأمام بسرعةٍ خاطفة.
كان يلوّح بسيفه الطويل، المغلّف بهالةٍ زرقاء والممتد أكثر من المعتاد، مسيطرًا على ساحة المعركة.
تبع سافيروس والفرسان مشاةً من الفلاحين يحملون أسلحتهم. عندها فقط، توقّف الرماة ومن بينهم أداماس عن إطلاق السهام وركّزوا أنظارهم إلى الأمام.
“إذا استمرّ الأمر هكذا، أظن أننا سنفوز.”
قال أحد الشيوخ ذلك وهو يلتقط أنفاسه بعد أن كان يثبت السهام على الوتر بيدين مرتجفتين.
ثم تعانق الرماة المسنّون بعضهم بعضًا، مشيدين بجهودهم. وكان كلام الشيخ صحيحًا. فقد كانت قوات مانو فران تهيمن على جيش روفيانا.
نحن في موقعٍ أفضل.
لكن….ما هذا القلق؟
“….اصمدوا حتى النهاية.”
تمتمت أداماس بهدوء وهي تحدّق في الأضواء الصاخبة.
‘ليت هذه المعركة تنتهي سريعًا.’
و ارتفع الدخان الرمادي إلى السماء، حاملًا رائحة خانقة.
وأمام ألسنة اللهب الحمراء والصفراء، ومع الصرخات المتقطّعة، سالت دموع أداماس دون أن تشعر.
لكنها لم تغمض عينيها أبدًا.
__________________
دموعها من الدخان اشوا حسبت صار شي
كأن بعد ذا الفصل قصير؟
ماصار الا انه باس يدها وانحاش يضحك😭
حتى وهي قدها تطيح عشان طاقتها راحت صرخت عليه😂
وصدق ابي تخلص ذا الحرب بسرعه ونعرف ستيفان وبانثيون وين اختفوا؟ ومنهم اصلا؟ ليه الماركيز كأنه يعرفهم؟
التعليقات لهذا الفصل " 41"