“لم يكن الأمر متعبًا. يمكنكِ أن تستندي الآن أيضًا. لماذا أنتِ متوترةٌ إلى هذا الحد؟”
“ألا تشعر بالخوف؟”
قد تكون حياتكَ حقًا على وشك الانتهاء اليوم.
هل يكفي أن نقاتل فقط من أجل مانو؟ قالت أداماس ذلك لنفسها وهي تعضّ على شفتيها بقوة.
“أنا خائف.”
“سافيروس….”
“أخاف حين أفكر أنني قد أفقد ما هو عزيز.”
شدّ سافيروس أداماس إلى صدره بقوة، كأنه لا يريد أن يفقد شيئًا ثمينًا.
ثم أنزل رأسه فانسدل شعر سافيروس الأسود فوق كتفي أداماس.
فأفلتت أداماس لجام الحصان من يدها اليمنى المرتبكة، وأدخلت يده بدلًا من ذلك في شعر سافيروس، تداعبه برفق.
ما كان سافيروس يريد حمايته لم يكن مجرد أرضٍ تُسمّى إقطاعية الماركيز، بل حياتهم.
هكذا كان يقاتل دائمًا. سواءً كان الخصم مملكة روفيانا أم الغولِم. كان يُقاتل من أجل كل مانو الذين يعيشون على هذه الأرض.
ولم يكن من الصواب أن يُحكم على حياة هذا الرجل، التي عاشها هكذا، بالشفقة تسرّعًا.
“سأقاتل أنا أيضًا من أجل مانو.”
فلهذا أنا هنا.
شعرت أداماس بدفء سافيروس الذي كان يحتضنها بإحكام، فشدّت جسدها المرتجف.
حتى لو قاتلتُ مئة مرة، حتى ألف مرة، من أجل مانو….سأنقذكَ.
***
لليوم الثاني على التوالي، كانت الغيوم السوداء الكثيفة تغطي السماء.
على الضفة السفلى لنهر باران، بالقرب من إقطاعية الماركيز، أقام نحو ألف جنديٍ من جيش فرانسيس مانو موقعًا مؤقتًا، وهم يرتجفون قلقًا خشية أن تُقدم مملكة روفيانا على هجومٍ مباغتٍ آخر.
وهي تفكر أن هذا هو حقًا معنى الهدوء الذي يسبق العاصفة، كانت أداماس تنتظر بلهفةٍ شخصًا ما داخل خيمةٍ عسكرية داكنة الزرقة. وفي يدها يوميات كانيل.
كانت قد بدأت تقلب صفحات اليوميات بدافع الإرهاق من الانتظار، لكنها في الحقيقة كانت عالقةً عند صفحةٍ واحدة، عاجزةً تمامًا عن التقدم بعدها.
“….لا، مستحيل.”
“لماذا؟ ما الأمر يا أداماس؟”
كان سافيروس يتفحّص خريطة ضفة نهر باران، ثم حوّل نظره نحو أداماس وسألها،
“لا، لا أستوعب الأمر حقًا.”
“ماذا؟”
“روس. لماذا تظن أن كانيل جاء إلى إقطاعية الماركيز؟”
“كان ذلك بأمرٍ من الإمبراطور.”
“إذاً، لماذا أرسل لايغر فرانسيس الثاني كانيل إلى هنا تحديدًا؟”
“قلتِ أن الأمر لا يتعلق بالملح، أليس كذلك؟”
“نعم.”
أعادت أداماس نظرها مرةً أخرى إلى دفتر اليوميات أمامها.
وبينما كانت تقطّب جبينها و تتمتم بشفتيها، تحدّث سافيروس وهو يراقبها،
“يبدو أن لديكِ تخمينًا ما؟”
“إنها مجرد تصوراتٍ في رأسي. لا تصلح لأن تُقال بصوتٍ عالٍ.…”
“أنتِ ساحرة، وأنا فارس. لن يلومنا أحدٌ إن تبادلنا تخميناتٍ تاريخية في إقطاعيةٍ تبعد مئتي ميل عن العاصمة.”
“لن تسخر مني، أليس كذلك؟”
“أنا؟ أسخر منكِ؟ هذا مستحيل.”
قال سافيروس ذلك وهو يهز كتفيه. عندها مدّت أداماس دفتر اليوميات الأسود بهدوءٍ إلى الأمام.
“في الحقيقة، أثناء قراءتي لليوميات، كان هناك أمرٌ يزعجني بشدة. انظر هنا.”
[هذه الصحراء اللعينة. أنا لستُ موهبةً لتتعفّن في مكانٍ كهذا. كيف يجرؤ فتى أصغر مني بكثيرٍ على إصدار الأوامر؟
سنرى إلى أين سيصل وهو يضطهد ساحرًا عجوزًا. فلولا ذلك الألماس القذر لما رغبت في البقاء هنا يومًا واحدًا.
اللعنة على لايغر فرانسيس الثاني! لقد انتهى مجد فرانسيسكو. قريبًا ستهبط مطرقة العدل على ذلك الطاغية. فأرض البركة…]
“هذه الكلمة بالتحديد تزعجني.”
قالت أداماس ذلك وهي تشير بإصبعها إلى جزءٍ من اليوميات.
“أرض البركة؟”
“نعم. روس، ماذا يتبادر إلى ذهنكَ عندما تسمع اسم أرض البركة؟”
“مفترق الطرق الثلاثة، أليس كذلك؟ العاصمة فرانسيسكو.”
“وغير ذلك.…؟”
“هممم….مارينيا، على الأرجح. المدينة الأولى. الحضارة المندثرة.”
“سافيروس، هل تتذكر ما أخبرتكَ به عن وردة الصحراء؟”
“أتذكر. قلتِ أنها دليلٌ على وجود الماء. كأنها واحة.”
لم يتجاوز وصف مارينيا في كتب التاريخ المدرسية القياسية أربعة أسطر. وكانت أداماس تحفظها عن ظهر قلب.
“مارينيا. أول حضارةٍ بشرية. وتُسمّى أيضًا أرض البركة. كان فيها واحةً تسمح بالزراعة. كما امتلكت ملاحاتٍ صحراوية لإنتاج الملح-“
“تمهّلي قليلًا يا أداماس.”
قاطع سافيروس كلامها على عجل، ونظر إليها بعينين حائرتين.
“هل تقصدين أن صحراء غلايف قد تكون هي مارينيا؟”
“الأدق أن نقول أن احتمالًا قائمًا بأن يكون مكانٌ ما في الصحراء هو مارينيا. ماذا لو لم تكن الحروب المتكررة التي أشعلها لايغر فرانسيس الثاني نابعةً من هوسٍ بالحرب، بل من رغبته في العثور على مارينيا؟”
“مارينيا أشبه بأسطورةٍ اندثرت منذ زمنٍ بعيد. ما الدافع للبحث عنها الآن؟ حتى لو كان وجودها حقيقةً تاريخية، فنحن نتحدث عن أمرٍ يعود إلى خمسة آلاف عام.”
“أنا أرجّح أن الإمبراطور المتغطرس أراد أن يحتكر اسم ’أرض البركة الوحيدة‘. ولايغر فرانسيس الثاني كان يمتلك رغبةً استثنائية للسلطة.”
وأشارت أداماس بإصبعها مرارًا إلى عبارة أرض البركة.
“ألهذا السبب وحده أشعل لايغر فرانسيس الثاني حروبًا لا تنتهي؟”
“روس، لا تتحمّس هكذا. هذا مجرد افتراض. أليس صحيحًا أنه لم يرَ أحدٌ حتى الآن نهاية صحراء غلايف؟”
“صحيح. حتى الماركيز السابق أرسل رجالًا مرارًا ليتحقق من إمكانية استثمارها….لكن دون جدوى. فمنذ اللحظة التي يتجاوزون فيها حدود الخريطة، تهب عواصف هوجاء لا يمكن التنبؤ بها، لذلك لا يذهب أحدٌ بعيدًا.”
“هكذا إذاً.”
“ماس، لو ثبت حقًا أن مكانًا ما في صحراء غلايف هو مارينيا، فماذا كان سيحدث لإقطاعية الماركيز؟”
“لو كان وجود مارينيا حقيقيًا، وتأكد موقعها في مكانٍ ما من صحراء غلايف، لما وُجدت إقطاعية مانو أصلًا. لم يكن ممكنًا أن تمتلك الإمبراطورية أرضي بركة. وفوق ذلك، لكانت مملكة روفيانا قد حشدت جيشها كاملًا لتنتزع هذا المكان.”
فساد صمتٌ عميقٌ بينهما.
“كلها افتراضات. لا تشغل بالكَ كثيرًا.”
قالت أداماس ذلك وهي تطوي الخريطة بعنايةٍ و تعيدها إلى سافيروس.
“كانيل ساحر، لا مؤرخًا. الاحتمال الأكبر أنه لم يكتشف شيئًا، وحتى لو اكتشف، فسيكون محدود النطاق. إذا فكرتَ بالأمر، فهذا طبيعي. قبل خمسة آلاف عام لم تكن الزراعة قد ترسخت بعد، وحجم الجماعة آنذاك لن يبلغ حتى واحدًا من ألف من حجم الإمبراطورية الحالية.”
“لكن كان بإمكان كانيل أن يذكر أنه لم يجد شيئًا يُذكر، ويعود إلى العاصمة فحسب.”
“هناك الألماس القذر.”
“لكن ألم يقل أنه لم يعد ذا أهمية؟”
“ذلك من منظور الإمبراطور! أنا نفسي سعيدةٌ جدًا الآن لمجرد أننا حصلنا على كيسٍ واحد من الملح! الإمبراطور لا يحتاج الملح، لكن كانيل كان بحاجةٍ إليه.”
“هل كان كانيل بحاجةٍ إلى المال؟”
“في الأصل، سبب عمله كساحرٍ إمبراطوري هو أن أبحاثه التي كان يرغب بها فعلًا، كأبحاث الكيميرا أو الغولِم، كانت تتطلب أموالًا طائلة.”
“حقاً؟”
“في البداية لا بد أنه كان ممتلئًا بالسخط. لكن عندما أفكر في ذلك العدد الهائل من أحجار التوهج التي كانت مغروسةً في جدران زنزانة الصحراء، أظن أن الجواب واضحٌ لِمَ لم يعد كانيل إلى العاصمة. لا شك أنه كان يهرّب الملح.”
لم يكن كانيل ليبلّغ القصر الإمبراطوري بما يجري في صحراء غلايف على نحوٍ صحيح. وحتى إن بلّغ، فسيكون ذلك في البداية فقط. لاحقًا، كان سيتعمد إهمال التقارير ويحتكر الملح لنفسه.
“وبعد موت كانيل، يظهر ساحرٌ آخر ويصنع الغولِم؟”
“على الأغلب، نعم.”
“إذًا أكثر شخصٍ يثير الشك هو….”
بعد سماع كلمات أداماس، أغمض سافيروس عينيه بهدوء وهو يحدّق في الأرض.
“روس، كل هذا مجرد تخمين. ومع ذلك، الشخص الأكثر إثارةً للريبة هو….نعم، هو ذاك.”
ارتسمت على وجه سافيروس ملامح انزعاج. و كان يعبس بشدةٍ ويقبض كفه ثم يبسطه مرارًا.
مهما فكّر، كانت النتيجة واحدة. منذ اللحظة التي عثرا فيها لأول مرةٍ على غرفة كانيل، ظل كلٌ من سافيروس وأداماس يشكّان في ذلك الشخص.
احمرّ وجه سافيروس فجأة. و قبض على كفه بقوةٍ محاولًا كبح غضبه، وأخذ ينظّم أنفاسه. لكن على عكس إرادته، كان جسده كله يرتجف.
“روس، اهدأ. ذلك الشخص مجرد مشتبهٍ به. لم يُكشف شيءٌ بعد.”
“ولهذا أتحمّل. لأنه لا توجد أدلة. وإلا لكنتُ….حالًا!”
فأمسكت أداماس بقبضة سافيروس بهدوء.
“أرخِ يدكَ. ستؤلمكَ.”
وحين نقرت على يده بخفة، بسط سافيروس قبضته قليلًا.
وقد كانت يد سافيروس كبيرةً على نحوٍ لا ينسجم كثيرًا مع ملامحه الجميلة والوسيمة.
“كنت أتوقع وجود مسامير بحكم أنكَ فارس، لكن يدك نفسها ضخمةٌ جدًا.”
كانت مفاصل أصابعه أطول وأثخن بكثير.
“أظنها تستطيع أن تغطي وجهي. انظر، أليس مخفيًا تمامًا؟”
عندها ابتسم سافيروس ابتسامةً خفيفة.
“وجهكِ هو الصغير.”
“لا، يدكَ هي الكبيرة. انظر، إذا قارنتها بيدي فهي تقارب الضعف.”
قالت أداماس ذلك مازحةً وهي تضع يدها فوق يد سافيروس.
“صحيح. يبدو أنني كبيرٌ فعلًا.”
قال ذلك، ثم ثنى أصابعه المتداخلة وشبّك يده بيد أداماس.
“هاه؟ آه….تشابك الأيدي هذا.…”
و التقت نظراتهما. فشعرت أداماس بالندم.
‘آه….كان يجب ألا أنظر إلى عينيه.’
____________________
يالمغازلللل انت الباديه كان تبين تخففين عنه التوتر؟ عنه يغازلس هااااااهاهاعاهاهاعاهاهاهاها
مره احبهم اي شي يسوونه سوا بأصرخ
المهم في البدايه اداماس تقول انها تحدق في خيمة؟ خيمة من؟ حسبتها تستنى سافيروس ولا ذي ذكريات؟ مدري المهم انهم يجننون😔
التعليقات لهذا الفصل " 38"