في ساعةٍ متأخرة من المساء، كان الذي اقترب من سبينيل، وهو يطل على سهول أوشي، هو مساعده ريوس.
“آه، ريوس. هل تسير الاستعدادات على ما يرام؟”
“لا داعي للقلق. ستنجح هذه العملية حتمًا.”
“هل أبدو وكأنني قلق؟”
“نعم؟”
ابتسم سبينيل ابتسامةً ساخرة، كأن ريوس يبعث على الشفقة.
“النجاح، هه. سمعتُ هذه الكلمة نفسها قبل شهرين أيضًا. إن كان الهجوم المباغت الأول منذ خمسين عامًا قد فشل، أفلا يكون الأمر هذه المرة أشد صعوبة؟”
“ذ-ذلك….صحيح أن جيش مارنو فران أظهر قوته في المعركة السابقة، لكن هذه المرة مختلفة. سننجح بلا شك.”
“أوه؟ حقًا؟”
“مهما كان سافيروس سيد سيف، فلن ينجح هذه المرة. لقد فقد جيش مارنو فران معظم فرسانه الرماة في الهجوم السابق. أما نحن، فقد انضم إلينا صاحب السمو ولي العهد.…”
“آه، لهذا أسألكَ. لماذا لم تصبر، أيها المساعد، وشننت هجومًا استباقيًا بينما كنتُ أقود القوة الرئيسية بنفسي؟”
سأل سبينيل بملامح باردة.
“أ-أنا فقط خشيتُ أن أسبب لصاحب السمو عناءً غير ضروري، فأردتُ أن أنهي الأمر مسبقًا.…”
“لو لم تطغَ أطماعكَ، لما قُتل جنود روفيانا و السحرة الثمينون بتلك الطريقة البائسة.”
انهالت التوبيخات القاسية على رأس ريوس، الذي لم يكفّ عن الانحناء.
“وهل هذا كل شيء؟ بعد سماع خبر الهزيمة الساحقة، اضطررنا إلى زيادة عدد القوات والمجيء مجددًا. تأخرنا شهرين كاملين عن الموعد المتوقع.”
ابتلع ريوس ريقه بصعوبةٍ أمام الضيق والارتياب العميقين المرتسمين في عيني سبينيل الزرقاوين.
“أعتذر يا سمو الأمير، لكن.…”
“آه.…”
ثم لوّح سبينيل بيده مرةً واحدة، كأنه لا يرغب في سماع المزيد.
“آمل ألا تقع أخطاءٌ أخرى.”
قال ذلك وهو يقبض بقسوةٍ على كتف ريوس.
“أغخ….نعم، يا صاحب السمو ولي العهد.”
لا رحمة لمن يجرؤ على إيقاف خطواته المتجهة نحو روزي.
‘وبمجرد احتلال إقطاعية ماركيز مارنو، سأبدأ بإعدام هذا الرجل أولًا.’
بهذا التفكير، استدار سبينيل بلا تردد واتجه نحو خيمته.
***
مع بزوغ الفجر، حين بات من الممكن بالكاد تمييز الأشياء. كبرت إقطاعية الماركيز، التي كانت تبدو ضئيلةً من قبل، حتى غدت تُرى شامخةً تُرفع لها الرؤوس.
كان ذلك نتيجة سير أداماس وسافيروس دون أن يغمضا عينًا، قلقين بشدةٍ على سلامة فيرفيتينا، قاطعين طريق الصحراء بلا توقف.
وبينما كانت أداماس تفرح بقرب وصولهم، بلغ سمعها صوت أجراس الإقطاعية.
“واو، يبدو أننا وصلنا فعلًا. أسمع صوت الأجراس.”
دانغ—دانغ—دانغ—دانغ.
“روس، ما بكَ؟ لماذا يبدو وجهكَ هكذا؟”
كان رنين الأجراس يتردد في سكون فجر الصحراء.
وبينما كانت أداماس تفكر بشكل عابر أن الأجراس صُنعت من مادةٍ جيدة، تحدث سافيروس بصوتٍ مرتجف.
“….ماس. الجرس دق أربع مرات.”
قال ذلك وعيناه محتقنتان بالدم.
“هاه؟ ولماذا هذا مهم؟”
“علينا أن نعود فورًا.”
أمسك يد أداماس بقوة.
“هاه؟ هيه، منذ متى تمسكُ بيدي هكذا؟ كهخ، ما، ما الذي يحدث؟”
لماذا تحملني هكذا كأنني كيس فول؟!
“سأركض. تمسكي بكتفي جيدًا.”
أخذ سافيروس نفسًا عميقًا.
“أ-أوه؟ هيه، آآآه!”
ثم انطلق يركض بسرعةٍ لا تُصدق.
“تمهّل! سأستفرغ! هيه!”
ما هذا؟ لماذا هو سريعٌ إلى هذا الحد؟
بل الأهم، لماذا يستعجل هكذا؟
وكأنه قرأ أفكار أداماس، تحدّث سافيروس وهو يلهث.
“ماس، عليكِ أن تعرفي هذا. ثلاث دقاتٍ تعني غولِم. أربع دقات تعني تسلل العدو.”
“ماذا؟ لا تقل أن جيش روفيانا قد هاجم؟ لم يكن الجرس خطأً؟”
“عند زوال الخطر، يُدق الجرس مرتين. لكن الآن، ما زالوا يقرعون الجرس أربع مراتٍ متتالية.”
إشارةً إلى تجمع الجنود، وإلى أن يبقى عامة سكان الإقطاعية داخل منازلهم.
كان سافيروس يزفر أنفاسه الخشنة بلا توقف. و وجهه غارقٌ بالعرق، لكن قدميه لم تتباطآ.
“علينا الوصول إلى الإقطاعية بأسرع ما يمكن. سأزيد السرعة.”
“أ-أسرع من هذا؟! هل هذا ممكنٌ أصلًا؟”
وما إن انتهت كلماتها حتى حرّك سافيروس قدميه بسرعةٍ مرعبة.
“….آآآآآه!”
فدوّى صوت الريح في أذنيها.
هل هذا ما يشعر به السهم المنطلق من الوتر؟
فكرت أداماس بتلك الفكرة السخيفة للحظة، وهي على كتف سافيروس.
وما زالت من برج الجرس تتردد دقاتٌ أربعٍ متتابعة.
وعندما عاد سافيروس إلى الإقطاعية بسرعةٍ خاطفة، أنزل أداماس أمام كوخٍ خشبي.
“أوووغ.”
وقفت أداماس أمام الباب تكاد تزحف على أربع، محاولةً تهدئة قلبها الذي كان يخفق بعنف. وفي تلك اللحظة، فتح أحدهم الباب وخرج.
كانت فيرفيتينا بشعر أشعث وعينين محمرتين من شدة الاحتقان، وإلى جانبها بانثيون، و أخوه ستيفان، بوسامتهما المستفزة كما هي.
“….ماس! يا إلهي. حقًا أنا سعيدة لعودتكما.”
ما إن رأت فيرفيتينا أداماس حتى راحت تكرر كلمات الاطمئنان، تمسح دموعها بلا توقف.
لكن فرحة اللقاء لم تدم طويلًا.
فمع استمرار دقات الجرس، ارتجف صوت فيرفيتينا.
“لـ-لكن يا ماس، يا سيد سافيروس….الجرس، صوت الجرس.…”
كانت فيرفيتينا أيضًا من أبناء إقطاعية الماركيز، وتعرف جيدًا معنى تلك الدقات.
“أداماس، ابقَي هنا ولا تتحركي. والآنسة فيرفيتينا، ابقي هنا أيضًا.”
قال سافيروس ذلك وهو يلهث، ثم تجاوز الجميع بسرعة ودخل المنزل ليتهيأ للخروج إلى القتال.
“سأذهب معكَ.”
قال أداماس ذلك بصوتٍ مرتجف وهي تساعد سافيروس على ارتداء درع السلسلة.
“لا، هذا خطر.”
“روس، لماذا تقول هذا الآن؟ منذ لقائنا الأول ونحن نعيش على حافة الخطر.”
“لماذا تتوقين إلى الموت إلى هذا الحد؟”
“وماذا أفعل حيةً في إقطاعيةٍ من دونكَ؟”
‘لن أستطيع العيش أصلًا.’
مصيرٌ واحد. هكذا عرّفت أداماس علاقتها بسافيروس.
كعلاقة شخصين يواجهان بحرًا هائجًا في قاربٍ خشبي مهترئٍ واحد.
سواءً هطلت الأمطار أو عصفت الرياح، لا خيار سوى الصمود معًا.
“لذلك، دعنا نذهب معًا، روس.”
فتح سافيروس عينيه على اتساعهما لوهلة، ثم أومأ برأسه بهدوء.
“حسنًا. استعدي.”
صدر الإذن من سافيروس. فألقت أداماس على عجلٍ الحقيبة الثقيلة، وبدأت تجهز أمتعتها مكتفيةً بالملابس الخفيفة.
“أ-أنا أيضًا! أريد الذهاب معكم!”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي ترفع يدها عاليًا.
“لم أقم بأي عملٍ يليق بمرتزقةٍ أصلًا، وفوق ذلك، إن كان جيش روفيانا قد هاجم، فأنا أيضًا سأقاتل من أجل إقطاعية الماركيز.”
“آه….همم. تينا، من الأفضل أن تبقي هنا.”
توقفت أداماس عن توضيب أغراضها، ثم التقت بعيني فيرفيتينا وابتسمت لها بلطف.
“أوكِل إليكِ أمر الكوخ الخشبي.”
قالت ذلك وهي تمرر يدها برفقٍ على شعرها البني الجميل.
كانت فيرفيتينا شخصًا مقدرًا لها أن تصبح ملكة المرتزقة الشجاعة، نيكستينا.
ورغبتها في مساندة إقطاعية مارنو، حيث وُلدت وترعرعت، كانت أمرًا مفهومًا. لكن أداماس هزّت رأسها بحزم.
“تينا، فكري في سبب عدم فوزكِ ببطولة المبارزة. ثم إنكِ الآن في حالة هروبٍ من المنزل. دعينا نترك الأمر لسافيروس وجيش مارنو فران.”
“لا بأس. أظن أن أفراد عائلتنا سيجدون أي ذريعةٍ ليتجنبوا المشاركة المباشرة في القتال.”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي تعض شفتها، بملامح مثقلة بالحزن.
“ستنتشر الشائعات.”
“سأطلب من المشاركين تفهّم الأمر.”
كان تصريحًا متهورًا إلى حدٍّ بعيد.
تجهم سافيروس قليلًا كأنه يفكر، ثم وقف مقابل فيرفيتينا ونظر إليها مباشرة.
“إن خرجتِ إلى هذه الحرب، فلن تعودي الآنسة أونيكس بعد الآن.”
كان سؤالًا صريحًا عمّا إذا كانت تملك الجرأة على إدارة ظهرها لعائلتها.
و كانت أداماس تعلم. أن هذه اللحظة بالذات هي نقطة انطلاق تاريخٍ جديد.
“هذا ما كنتُ أتمناه.”
تلألأت عيناها البنيتان، اللامعتان بالدموع.
“حسنًا. إذاً، في البداية ارتدي قناعًا وتعالي معي إلى مقر الماركيز. مشاركتكِ في القتال لن تكون ممكنةً إلا إذا منح الماركيز إذنه.”
“نعم!”
صرخت فيرفيتينا بأعلى صوتها، ثم ابتسمت ابتسامةً مشرقة، دون أن تمسح الدموع المنهمرة.
‘آه، يا له من شرف. وشكرًا جزيلًا.’
في أعماق قلبها، شكرت أداماس العالم الذي أرسلها إلى هنا.
“حسنًا، إذاً!”
صفقت أداماس بيديه. ثم التفت إلى بانثيون و ستيفان، اللذين كانا يراقبان الحوار بصمتٍ من زاوية الكوخ الخشبي.
“بما أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، أرجو منكما أن تحزما أمتعتكما بسرعةٍ وتغادرا إقطاعية الماركيز.”
“ولِمَ علينا أن نغادر؟”
“ماذا؟ لقد سمعتما كل شيء، أليس كذلك؟ مملكة روفيانا هاجمت! قد تندلع الحرب في أي لحظة!”
فتبادل الأخوان النظرات بسرعةٍ عند كلمات أداماس.
“سنذهب نحن أيضًا.”
“ماذا؟ ولماذا؟”
عقدت أداماس حاجبيها عند كلام بانثيون.
“لأننا أيضًا من أبناء إمبراطورية فرانسيس.”
“اسمع، يا سيد بانثيون. أوقف أي شخصٍ في الطريق واسأله. من الذي يشارك في معركةٍ إقطاعية لا تربطه بها أي صلة، لمجرد أنه من نفس الإمبراطورية، في مثل هذا الوضع؟”
سخرت أداماس مباشرة.
بل حتى الإمبراطور نفسه لن يرسل تعزيزاتٍ إلى الإقطاعية. عن أي هراءٍ تتحدث؟
“ذهابكم معنا إلى الصحراء، وإعادتكم تينا سالمةً إلى إقطاعية الماركيز….أشكركم على كل ذلك. لكن الآن، قدّروا حياتكم وغادروا الإقطاعية فورًا.”
قالت أداماس ذلك بحزم.
“كلام أداماس صحيح. بعد مغادرتنا، اصعدوا الجبال وغادروا بسرعة.”
و أيّد سافيروس رأي أداماس.
“شكرًا لكم.”
تقدمت فيرفيتينا بدورها وقدّمت تحيتها إلى بانثيون و ستيفان.
“حسنًا، سمعتم. بعثة الصحراء انتهت.”
كانا أخوين مريبين مجهولي الأصل، وفوق ذلك بدا الأخ الأكبر غريب الأطوار قليلًا، ومع ذلك أرادت أن تودعهما بوجهٍ أكثر إشراقًا.
“لا أستطيع القول أن صحبتنا كانت ممتعة، لكن….حسنًا، قد نلتقي مجددًا في يومٍ من الأيام. على أي حال، أحسنتم صنعًا.”
“….مع ذلك، سنخرج معكم.”
عند إصرار بانثيون مجددًا على المشاركة، تجعد جبين أداماس التي كانت تبتسم قبل لحظة.
و نظر سافيروس إلى بانثيون بهدوء. أما أداماس، فارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ مائلة لم تظهر منذ زمن.
“سأكون صريحةً. لا يمكننا الوثوق بكما. لم تفصحا عن أصلكما بوضوح.”
“من تقصدين بـ‘نحن’؟ أليس هذا مجرد رأيكِ الشخصي؟ هل تشكين فيّ أنا و ستيفان في كوننا جواسيس؟”
“لا أظنكم من روفيانا. لكن أن يشارك أناسٌ من منطقةٍ أخرى في معركة الإقطاعية دون سببٍ واضح….لا أريد أن أُسلم ظهري لأمثالكم.”
ثم سحب سافيروس سيفه الطويل بسرعة، وصوّبه إلى عنق بانثيون.
“إن كانت حياتكَ عزيزةً عليكَ، فاخرج من الإقطاعية حالًا. وإن لحقتَ بنا دون إذن، فسأقطعكَ دون تردد.”
_________________
وناسه قلبوا عليهم الوضع صار جدّي
وذاه جاي يسوي خرب عشان حبيبته؟ الله يعينس روزي ذا الاربعيني راسه يابس
المهم أداماس تضحك وسط ركضة سافيروس والجرس قاعده تفكر في السهم؟ صادقه؟😭
التعليقات لهذا الفصل " 36"