كانت عيناه، اللتان ظنّتهما قبل قليلٍ صافيتين كعيني طفل، عميقتين الآن كعيني شيخٍ يرى العالم كله نافذًا أمامه.
“….هل أملك فعلًا موهبة؟”
―نعم. أنتِ قادرةٌ على سماع صوت الأرض، أليس كذلك؟
“هذا….”
كانت أداماس تشعر أحيانًا وكأن الأحجار السحرية تخاطبها.
ظنّت الأمر مجرد خصوصيةٍ غريبة، لكنها لم تتخيل قط أنها قوةٌ استثنائية تكفي لعقد عقدٍ مع روحٍ عليا.
―أعتقد أنكِ أنسب لي من كانيل بكثير. ذاك كان يجيد كل شيء، لكنه لم يكن يحب شيئًا بعمق! لو لم يحتجزني، ربما التقينا منذ زمنٍ طويل.
قال ذلك وهو يبتسم ابتسامةً عريضة، وكأن ضوءًا مبهرًا انهمر من خلف ظهره. ومن جسده الصغير تدفقت طاقة الأرض الدافئة والعظيمة بلا حدود.
‘آه….’
فارتخت ساقاها دون أن تشعر.
ومرّت في رأسها بسرعةٍ كلمات <مدخل إلى علم الأرواح> التي قرأتها مئات، بل آلاف المرات حتى بَلِيَت.
‘….له شخصية طفلٍ في الخامسة وحكمة شيخٍ في المئة. الشرط الأساسي لعقد عقدٍ معه لا يقتصر على المعرفة الواسعة بالأرض والمعادن فحسب، بل يتطلب عناد فيلسوفٍ يسير في طريقٍ واحد. فهو روح الأرض القادر على احتواء كل شيء، وفي الوقت ذاته حرفيٌ ماهر بيدين معجزتين.’
مهما حاولت أداماس إخفاء وجهها بكلتا يديها، لم تستطع حبس الدموع المتسللة من بين أصابعها.
كان هناك ماضٍ كافحت فيه بسبب قلة المانا. آنذاك، كانت تتوق فقط لأن يُعترف بها، لأن تصبح أقوى.
و تلك العينان العميقتان والناعمتان كانتا توحيان وكأنهما تعرفان كل جهدٍ بذلته أداماس.
“ماس.”
اقترب سافيروس بسرعةٍ من أداماس وساعدها على الوقوف.
“آه، آسف. أمسكتكِ بلا انتباه.”
وحين سحب سافيروس يده سريعًا عن خصرها، أمسكته أداماس على عجل.
“لا. روس، أمسك بي قليلًا. لا أشعر بقوةٍ في ساقي.”
“ما الأمر؟ ماذا قال ذاك القزم؟ هل أقتله؟”
“لا، ليس هذا….”
‘إنها فقط، الدموع لا تتوقف.’
“إذًا يجب قتله.”
“لا، لا! ليس كذلك.”
فلوّحت أداماس بيديها مسرعةً لتمنعه.
“حسنًا، فلنعقد العقد.”
ثم مدّت يدها المرتجفة نحوه.
وفكّرت للحظة: هكذا يكون البكاء من شدة الفرح إذاً.
***
حين خرجا أداماس وسافيروس من زنزانة الصحراء تحت الأرض بمساعدة الغنوم. كان الليل النيلي يسكب درب التبانة برقةٍ فوق الأرض.
وبينما كانت تنظر إلى النهر الذهبي المرصّع بالنجوم، ارتسمت على وجه أداماس ملامح الانبهار.
“واو، يشبه اللازورد. جميلٌ جدًا. وفوق ذلك، إنه بدرٌ كامل.”
بدا كل شيءٍ في العالم جميلًا في نظر أداماس.
“لماذا تنظر إليّ هكذا، روس؟ هل أبدو كساحرة أرواحٍ عقدت اتفاقًا مع روحٍ عليا؟ همم.”
“هاه، لا شيء. فقط سمعتُ كلمةً غريبة لأول مرةٍ فنظرت.”
“ماذا؟ لازورد؟”
“نعم، تلك. اسمها طويل.”
“إنه حجرٌ كريم. أليس جميلًا؟”
قالت أداماس ذلك وهي ترفع إبهام يدها اليمنى.
“حجرٌ يشبه سماء الليل.”
كان تعليقًا هادئًا يليق بسافيروس تمامًا.
“بل يمكنه أن يصبح نجمًا يضيء سماء الليل فعلًا.”
لو كانت هذه الزنزانة فوق الأرض، لكان هذا اللازورد دليلًا ممتازًا للطريق.
لا….ليس بعد الآن.
‘لأن لديّ الآن روح. هيهيهي.’
“أداماس. أنتِ تبتسمين منذ قليلٍ بطريقةٍ مخيفة.”
“هل هذا هو شعور من يملك مخزنًا ممتلئًا بالجواهر، يا سافيروس؟”
“إلى هذه الدرجة؟ مجرد عقد مع تلك الروح الصغيرة؟”
“طبعًا! إنه روحٌ عليا من أرواح الأرض!”
قالت أداماس ذلك وعيناها تتلألآن.
“صحيح، بما أنه قال أنه صنع تلك الزنزانة تحت الأرض وحده، فسيكون عونًا كبيرًا في تطوير منجم الزمرد.”
“بالضبط، وسيكون عونًا كبيرًا في التعدين أيضًا….”
هاه؟ انتظر قليلًا. هناك شيءٌ غير طبيعي.
عقدت أداماس حاجبيها واستدعت الكائن.
―ما الأمر؟ ألم نفترق منذ لحظة؟ ظننتني سأستريح قليلًا في عالم الأرواح، فلماذا تنادينني؟
“أيها الكائن، هل تعرف منجم الملح؟”
―آه، ذاك المدفون تحت صحراء الأرض؟ بالطبع أعرفه.
‘لا، إن كنت تعرفه فالأمر أغرب.’
“إذًا، لماذا لم يستعن كانيل بمساعدتكَ واستخرج الملح بواسطة الغولِم؟”
فلو كان الأمر بيده، لكان تطوير منجم الملح في غاية السهولة.
―لأنني رفضت. ذاك الصغير الغِرّ، كيف يجرؤ على استغلال روحٍ عجوز دون مقابل؟ كانت عيناه محمرّتين من شدة الطمع.
آه، إذًا كانيل أعمته الأموال ولم يمنحه معاملةً لائقة.
‘كما هو متوقّع من روح….كبرياؤه يلامس السماء.’
“إذًا، إن طلبتُ منكَ مساعدتي في استخراج الزمرد، هل سترفض أيضًا؟”
―زمرد؟ هل لديكِ منجم أحجارٍ كريمة؟
“ليس ملكي، لكن القائم عليه أشبه بعائلتي. و هناك يخرج حجرٌ سحري طبيعيٌ يحمل طاقة البرق.”
―حقًا؟ هذا مثيرٌ للاهتمام. حسنًا، إن أعطيتِني حجرًا سحريًا جيدًا واحدًا، فسأفكّر في الأمر.
قال ذلك وعيناه تلمعان.
“بالطبع. لا تقلق بشأن ذلك.”
‘يكفي أن أعطيه واحدًا من حصتي من الأحجار السحرية، أليس كذلك؟’
من الأساس، حين أبرمت أداماس عقدها مع الماركيز هيدينايت، كانت قد اتفقت على تلقي جزءٍ من أجرها عينيًا.
و حتى لو أعطته واحدًا منها، فلن يكون في ذلك مشكلةً تُذكر.
―حسنًا. سأساعدكِ. والآن، أيمكنني العودة لأرتاح؟
“بالطبع. إذا ناديتكَ لاحقًا، تعال مجددًا!”
لوّحت أداماس بكلتا يديها بحماس، ثم نخزت خصر سافيروس بجانبها لتجبره على التحية.
فلوّح بيده نحو الكائن على استحياء، ووجهه محمرّ بوضوح.
وحين رأت أداماس الكائن يختفي وهو يشع نورًا، صاحت نحو سافيروس.
“روس! سيُساعدنا في تطوير المنجم.”
“آه، نعم.”
أجاب سافيروس وهو يتجنب النظر إلى أداماس ووجهه لا يزال محمرًا.
“هل أنتَ مريض؟ وجهكَ أحمر جدًا.”
“أنتِ السبب! لم يمضِ يومٌ واحدٌ حتى على عقدكِ مع تلك الروح الثرثارة، ومع ذلك كشفتِ علاقتنا! طبعًا….لا أمانع، لكن!”
“ومتى كشفتُ علاقتنا أصلًا؟ لا تقل أنكَ تقصد كلامي عن أن القائم على المنجم بمثابة عائلتي؟”
“نعم، ذلك بالضبط!”
‘كنتُ أقصد الماركيز حين قلتُ ذلك….لكن حين تبالغ في رد فعلكَ هكذا، أشعر برغبةٍ في مضايقتكَ.’
“وماذا؟ الخطيب مسموحٌ به، لكن العائلة لا؟”
“قلتُ لكِ مرارًا، ليس لدي نيةٌ للزواج بعد.”
تجهم وجه أداماس بلا رحمة. فكلما فكرت في الأمر، ازداد انزعاجها.
“أكنتَ تقول الشيء نفسه في المرة الماضية؟ هل أنا إلى هذا الحد غير مرغوبة؟”
“ليس الأمر كذلك. الزواج يعني أننا سنحتاج إلى بيتٍ جديد وخاتمٍ أيضًا. وفوق ذلك، ما زالت الغولِمات تظهر في أراضي الماركيز….”
“….بفف. هاهاها!”
“لماذا، لماذا تضحكين؟!”
“لا شيء. بهذه الدرجة من تحمّل المسؤولية، ستكون زوجًا رائعًا فعلًا.”
ربّتت أداماس على ظهر سافيروس بقوة.
“آه، يؤلمني.”
“أوه! هل تألمتَ؟ آسفة.”
“هيه! حقًا! لا تفعلي ذلك!”
“ولِمَ؟ أليس من حقي أن أربّت على رأس خطيبي مرةً واحدة؟ تعال هنا.”
“قلت لكِ لا!”
سار الاثنان جنبًا إلى جنب، يتمازحان وهما يتجهان نحو إقليم الماركيز الذي بدا من بعيدٍ بحجم ظفر الإبهام.
وشعر سافيروس أن صحراء الليل المظلمة، لسببٍ ما، لا تقل حرارةً عن وضح النهار.
***
كانت ليلةً بسطت فيها درب التبانة جمالها، والريح المارّة هزّت شعر سبينيل بعنف.
كان يظن أنه سيعود قريبًا، لكن الأمر استغرق ثمانية عشر عامًا.
حان الوقت أخيرًا لوضع حدٍ لتلك السنوات الطويلة التي صمد فيها مستندًا إلى الشوق وحده.
شدّ قبضته على اللجام. وما إن استحضر ذكرياته الماضية، حتى احمرّت عيناه دون أن يشعر.
“روزي الحبيبة….”
ريح تهمس قرب آذانهما، وضوء نجومٍ أبيض ينهال عليهما.
كان يتذكرها، ويتذكر نفسه وقد أصبحا واحدًا تحت ذلك المشهد.
ما إن أغمض عينيه حتى دوّى صوت روزي الخفيض الناعم في أذنيه بوضوح.
وحين تذكر عينيها الحمراوين المتّقدتين بالشغف، كان سبينيل يعود دائمًا شابًا في الثانية والعشرين.
قبل ثمانية عشر عامًا، اندلعت فتنة الأمراء في مملكة روفيانا. حينها كان سبينيل في الثانية والعشرين من عمره، ولا يزال الأمير الثالث.
وقعت حادثة قتل الأمير الثاني سبيو لولي العهد آنذاك سبيكا، وضغطه على الإمبراطور ليُعيَّن هو وليًا للعهد.
سبينيل، الأخ الشقيق لولي العهد الراحل والأمير الثالث، فرّ مصابًا بجرحٍ عميق في ظهره حتى وصل إلى سهول أوشي، الحدود النائية للمملكة.
هناك التقى بروزي. في تلك الأرض القاحلة الخالية، اعتنت به بحنان وهو غارقٌ في الدماء.
التقيا تحت هلالٍ وليد، وتقاسما حبًا عميقًا تحت بدرٍ مكتمل.
كان انجذاباً مشتعلاً، لا يعترف بحدودٍ ولا بمكانة.
‘سأصطحبها إلى روفيانا، وأجلسها في أعلى مكان.’
كانت تلك لحظةً اشتعال طموح سبينيل.
و في اليوم التالي لغروب القمر المكتمل، وصل رجالٌ من روفيانا بحثًا عن سبينيل.
كانوا من قادة الجيش الموالين للأخ الأكبر الذي كان وليًا للعهد. حثّوه على العودة سريعًا إلى العاصمة قبل أن يُنصَّب سبيو وليًا للعهد رسميًا.
“روزي، تعالي معي إلى روفيانا. سنعيش هناك معًا إلى الأبد.”
“ماذا؟ أنتَ….لم تكن من شعب فرانسيس؟”
“….وما أهمية ذلك، روزي.”
“لقد خدعتني يا سبينيل! نحن أعداء!”
“أوه، روزي الحبيبة. اهدئي. تلك الحرب الطويلة لا علاقة لنا بها.”
“إذًا، ما شأن ذلك الجيش الذي جاء يبحث عنكَ؟”
“إنهم هنا فقط من أجلي. لأني الأمير الثالث لمملكة روفيانا.”
“ماذا؟ سبينيل! أنت من العائلة المالكة لذلك البلد القذر؟ من اغتصب جدّتي في معركة أوشي باران قبل خمسين عامًا كان من عائلتكم أيضًا! ولم يكتفِ بذلك، بل الآن أنا….!”
“روزي. لا تُسقطي مآسي الماضي عليكِ. هذا ليس تصرفًا حكيمًا. حينها، لم تكوني قد وُلدتِ بعد.”
“الماضي؟ سوء فهم؟ لا علاقة له؟ سبينيل، كان عليكَ أن تعتذر لي أولًا! لا أريد حتى رؤية وجهكَ، اختفِ من أمامي حالًا!”
تذكّر ملامحها المشوّهة وهي تصرخ. ولا يزال سبينيل يتذكر اللهب الأحمر القاني الذي اشتعل في كفّي روزي آنذاك.
‘وردتي الجميلة….حتى أشواكها كانت فاتنة.’
في ذلك الوقت، لم يكن هناك متّسعٌ لإقناعها. وهكذا، استدار سبينيل راحلًا وقلبه يعتصر ألمًا.
بعد عودته إلى العاصمة، دخل فورًا في صراع خلافةٍ بائسٍ وطويل. وبما أنه لم يستطع الذهاب إلى روزي بنفسه، لم يكن أمامه سوى إرسال من يراقب أخبارها.
لكن ذلك كان كافيًا. لأن روزي لم تتزوج أحدًا بعد. ربما كانت تندم لأنها لم تتبعه.
‘آه، وردتي الحمراء.’
وراء هذه السهول، خلف ذلك النهر، أنتِ هناك.
“روزي، جئتُ أخيرًا للقائكِ. لم يعد هناك ما يعرقل طريقنا. وإن وُجد، فسأزيله كله.”
كان سبينيل الآن يملك القوة الكافية لذلك. لم يعد ذلك الأمير الثالث الضعيف الذي كان يرتجف لأنه لا يستطيع علاج جرحٍ واحد في جسده.
___________________
وناسه من ذا الجديد واضح قصتهم واو مانساها 18 سنه! يعني الحين عمره أربعين؟ ماتزوج للحين عشانها!
المهم سافيروس وهو مجهز سيفه يعني صدق كان بتقتل روح؟😭 يجنن يانوس اهم شي أداماس لايصير لها شي😔
التعليقات لهذا الفصل " 35"