انفجرت أداماس ضاحكةً فجأة، ثم اتجهت بخطواتٍ ثابتة وقوية نحو الجدار.
“أيها الشبح اللعين! أنا الحمقاء لأني فكرتُ ولو لثانيةٍ أن أصدقكَ.”
ثم راحت تركل الجدار الحجري بكل ما أوتيت من قوة، ضربةً بعد أخرى.
—لا، لا! اهدئي. لولا سلسلة كانيل اللعينة لكنتُ استجبتُ للاستدعاء.
“….سلسلة كانيل؟”
—نعم. كانيل حبسني بها كي لا أتحرك.
“لماذا؟”
و لم يجب.
“لن تجيب، أليس كذلك؟ حسنًا. ابقَ هنا وحدكَ إذاً. هيا بنا يا روس!”
قالت أداماس ذلك متعمدةً رفع صوتها، تمامًا كوالدٍ يوبّخ طفلًا يلحّ عليه لشراء لعبة.
—لا، لا تذهبي. أرجوكِ ساعديني. إن أنقذتني فسأجد لكِ مخرج الزنزانة!
“….حقًا؟”
—بالطبع. أنا روح الأرض، الغنوم!
من الصعب تصديق ذلك، لكن لا بد من إيجاد المخرج….فهل تنخدع به مرةً أخرى فقط؟
“هوف….روس، سمعتَ هذا، أليس كذلك؟”
قطّب سافيروس حاجبيه وهزّ رأسه.
“لا. إطلاقًا. منذ قليلٍ وأنتِ وحدكِ تتكلمين.”
لم يستطع سافيروس أن يقول إن منظر حديثها مع نفسها كان، بصراحة، أشد رعبًا من الأشباح.
“آه، آسفة. هذا الشبح الذي يدّعي أنه روحٌ يقول أنه إن ساعدناه سيقودنا إلى المخرج. على أي حال، لن نخسر شيئًا. فلنحاول مقابلته.”
“حقًا؟ وماذا عليّ أن أفعل؟”
“مم….أن تنظر إليّ بنظرةٍ مليئة بالمحبة؟”
أطلق سافيروس ضحكةً جافة، ثم حدّق في أداماس مباشرة.
“….لا بأس. فقط ارتح. سأفعل الأمر بنفسي.”
حين واجهتها عيناه الزرقاوان مباشرة، شعرت أداماس بالحرج، فأدارت نظرها مبتعدةً ووقفت أمام الجدار الحجري. المكان نفسه الذي كانت تركله غاضبةً قبل قليل.
رسمت أداماس في ذهنها بابًا وهميًا. الارتفاع متران، العرض مترٌ واحد، أما العمق….فلا تعرفه، لكن لنبدأ بالحفر.
ثم استدعت أداماس البرق.
“أيها الشبح، سأبدأ بالحفر ببطء.”
—أسرعي، أسرعي وأخرجيني.
“اصمت وإلا لن أخرجكَ.”
حسنًا، إن كان حقًا غنومًا كما يدّعي، فثرثرته مفهومةٌ نوعًا ما….
“برق!”
دوّى انفجار، وتناثرت الشظايا من الجدار الحجري الصغير. بينما واصلت أداماس استدعاء البرق مرارًا وتكرارًا.
“ما رأيكِ أن أتولى الأمر أنا يا ماس؟ سيستغرق هذا وقتًا طويلًا.”
قال سافيروس ذلك وهو يراقب أداماس وقد ألقت ما يقارب عشرين صاعقة.
“لا، روس.”
هزّت أداماس رأسها بحزم، والعرق يتجمع كثيفًا على جبينها.
“أنتَ قويٌ جدًا. إن أخطأتَ، قد ينهار التجويف بأكمله. أو الأسوأ، قد تقتل ذلك الشبح تمامًا.”
أخذت نفسًا عميقًا، ثم أطلقت الصاعقة الحادية والعشرين.
وفي تلك اللحظة….اعوجّ الفضاء فجأة، وارتد برق أداماس إلى الخلف.
“آه!”
صرخت أداماس وسقطت على الأرض دون وعيٍ منها. وفي اللحظة نفسها، خيّم ظل سافيروس فوقها.
لوّح بسيفه بخفة فصدّ البرق، وسأل،
“هل أنتِ بخير؟”
“آه….نعم.”
جثا سافيروس على ركبته ومدّ يده. فأمسكت أداماس بها، وفي اللحظة التي التقت فيها نظراتهما….
—العشق لاحقًا! أنقذيني أولًا!
تسلل صوتٌ صاخب مزعجٌ إلى أذن أداماس.
فاستدار رأسها بسرعةٍ نحو مصدر الصوت. وهناك، رأت رجلًا صغيرًا يرتدي قبعةً مخروطية حمراء، مقيدًا بالسلاسل بإحكام. كان بطول طفلٍ في الخامسة تقريبًا، وله لحيةٌ طويلة كثيفة.
‘يا إلهي! إنه فعلًا يشبه الغنوم* تمامًا؟!’
*الغنوم له معنى قزم
بينما كانت أداماس مذهولةً لا تجد ما تقوله، أمال سافيروس رأسه متسائلًا.
“….قزم؟ أم أنه أصغر من ذلك؟”
—ما هذا الهراء؟ من القزم؟ قلت لكم أنني غنوم!
“روس يكون أحيانًا صريحًا ببراءةٍ مؤذية.”
“هم؟ ما الذي تقصدينه بالصراحة يا ماس؟”
سأل سافيروس بملامح حائرة، إذ لم يكن يسمع كلام الغنوم إطلاقًا.
فابتسمت أداماس وغيّرت مجرى الحديث.
“حسنًا، هل نبدأ جديًا بالبحث عن دليلنا؟”
رتّبت أداماس أكمام ثوبها بعناية، ثم مدّت يدها ببطء. كان الأمر وكأن جدارًا شفافًا غير مرئي يقف في الهواء.
طرقت عليه بيدها عدة مرات، لكن لا السحر ولا حتى القوة الجسدية العادية كان لها أي تأثير.
“همم، يبدو أن السلسلة تشبه الخزانة. ممَّ صُنعت هذه السلسلة؟ أوتارٌ خشبية؟”
—ليست شيئًا مهيبًا إلى هذا الحد. كانيل ذلك اللعين اكتفى بسلسلةٍ عادية وألقى عليها تعويذة. ومع ذلك، فهي تُنهكني هكذا….
“آه، عبقريٌ سحري سيئ الحظ.”
وحين حكّت أداماس رأسها بعصبية، تحدّث سافيروس،
“….هل أساعدكِ؟”
“هل تستطيع؟ الأمر مختلفٌ عن الخزانة. تلك نكسرها فحسب، أما هذا فهو دليلنا، ولا يجوز أن يموت.”
“هذا ممكن بسهولة، ما دمنا لا نفعل ما تفعله الآن.”
“وماذا أفعل الآن أصلًا؟ أنا فقط أتحدث معكَ.”
“كنتُ أنظر إليكِ بنظرةٍ مليئةٍ بالمحبة.”
“….…”
“آسف. لا تنظري إليّ هكذا. يكفي أن نكسر هذا السحر، أليس كذلك؟”
“نعم. فقط لا تقتل الغنوم أبدًا.”
“حسنًا….سأحاول.”
—من هذا الأحمق؟ مستفزٌ فعلًا. مجرد مبارز ويتجرأ؟ هذه سلسلة كانيل.
“اخرس. شاهد فقط.”
‘ابني ليس عبقريًا من فراغ.’
لفّ سافيروس سيفه الطويل بهالة الأورا بهدوء. وكأنه يتذكر التحذير من قتل الغنوم، أنزل نصل الأورا ببطءٍ شديدٍ نحو الفراغ.
كان المشهد مشابهًا لما حدث مع أداماس. سلسلة كانيل أخذت تدفع سيف سافيروس إلى الخلف ببطء. لكن الفرق أن سافيروس لم يتراجع. بل ثبت في مكانه، وراح يعزز الأورا أكثر ليقاوم السحر.
“واو….هذا غبيٌ بالقوة.”
“ماذا قلتِ يا ماس؟”
“لا شيء. ركّز فقط. أنتَ رائعٌ جدًا.”
“حسنًا. أخبري القزم ألا يتحرك أبدًا.”
—قلت لكَ لستُ قزمًا! لماذا تصرّ على ذلك؟!
تلألأت عينان بلون الياقوت ببرودةٍ قاتمة، فتوقف الغنوم عن التململ.
—يا له من مبارزٍ جاهل، لا يعرف ذرة احترامٍ للأرواح، ورائحته تفوح قوة.
لكن لسانه، مع ذلك، لم يتوقف عن الثرثرة لحظةً واحدة.
رفع سافيروس سيفه عاليًا فوق رأسه، ثم شقّ به خطًا مستقيمًا سريعًا.
وبعد ثوانٍ قليلة، انقطعت السلاسل التي كانت تقيّده بصوت “تشااررك” وهي تتهاوى.
وفي اللحظة نفسها، دوّى في التجويف صراخٌ حاد لا يُطاق سماعه.
―آآآه! هيا، تكلّم قبل الضرب! ألا تعرف الأرقام؟ واحد، اثنان، ثلاثة! أيها المبارز سيّئ الحظ، كدتَ تقتل روحًا بريئة! ستنال عقاب السماء!
“انتهى الأمر كله، ماس. هم؟ لماذا تسدّين أذنيكِ؟”
تنهدت أداماس بهدوءٍ وارتفعت زاوية فمه قليلًا. فقد كان سافيروس، الذي لا يسمع شيئًا على الإطلاق رغم صراخ ذلك الكائن الهستيري، لطيفًا إلى حد يبعث على الابتسام.
“همم. من كثرة ثرثرته، يبدو أنه هو فعلًا.”
―قلت لكِ أنه أنا! لماذا تواصلين الشك بي؟ لو طلبتُ منكِ أن تكوني متعاقدتي، لكان عليكِ أن تركعي شكرًا لفرصةٍ كهذه! أنا روحٌ عليا!
“لا، على أي حال، أنا لا أمتلك موهبةً تؤهلني لعقد اتفاقٍ مع روح.”
كانت أداماس تعرف قدرها جيدًا. فالوعد بمعاملةٍ تفوق قدراتها غالبًا ما يكون خدعة.
“هكذا قال والدي. العقود يجب أن تُبرم بحذر. هل لا بد من العقد كي تدلّني على الطريق؟ أليس إنقاذكَ كافيًا؟”
―همف. لا أُعير قوتي إلا للمتعاقدين.
آه، صحيح. كانت قد نسيت ذلك. مقدمة <مدخل إلى علم الأرواح>.
‘كل الأرواح، قبل إبرام العقد، أنانيةٌ بطبعها ومزاجية. وهذه حقيقةٌ لا مفرّ منها.’
***
“إذًا هو فعلًا.”
كانت هوية الشبح حقًا روحًا عليا من أرواح الأرض.
فالهيبة المنبعثة منه الآن تختلف تمامًا عما كانت عليه حين كان مقيّدًا بالسلاسل، ولهذا شكّت أداماس به سابقًا.
“اسمع، لماذا تريد عقد اتفاقٍ معي؟ لا، قبل ذلك….لماذا كنتَ محتجزًا هنا أصلًا؟”
―لأن كانيل أمسك بي! جعلني أبني هذه الزنزانة ثم حبسني هنا!
“أنتَ من صنع هذا المكان؟”
―طبعًا. من غيري يستطيع صنع زنزانةٍ رائعة كهذه؟
قال ذلك بينما هزّ كتفيه بتباهٍ وهو يشمخ بأنفه.
“ولماذا حبسكَ كانيل؟”
‘هل لأنه مزعج؟’
―قال: “خوفًا من انتشار الشائعات.”
يبدو أن الأمر لم يكن بعيدًا تمامًا عن ذلك. لقد خشي كانيل أن يفضح هذا الكائن وجود المكان، فقام بختمه.
“انتظر لحظة. لا تقل أن كانيل ما زال حيًا؟ إذا مات، يُلغى العقد تلقائيًا، أليس كذلك؟ حينها يمكنكَ العودة إلى عالم الأرواح بغض النظر عن الختم.”
―قبل أن يموت، زرع كانيل نواته السحرية داخل غولِم وهددني، وأجبرني على عقد اتفاقٍ مع الغولِم. طالما أن سيدي حي، لا يمكنني العودة إلى عالم الأرواح دون إذنه. وللأسف….الغولِم لا يستطيع الكلام.
جلس الكائن على الأرض وهو يضربها بقبضته، وكأنه مظلوم.
“إذًا، أين سيدكَ الغولِم؟”
―هناك….
رفع إصبعه بهدوء. وحين تبعت أداماس اتجاهه، رأت بقايا العقرب الحجري المحطّم إربًا على يد سافيروس.
آه….إذًا ذلك العقرب الحجري الذي دمّره سافيروس كان آخر إرثٍ لكانيل.
“آه، حسنًا….فهمت. إذًا أنتَ الآن بلا متعاقد. عُد من حيث أتيتَ. لكن قبل ذلك، دلّني على الطريق.”
―إن أردتِ معرفة الطريق، فاعقدي اتفاقًا معي!
تلألأت عيناه كعيني طفل في الخامسة وجد لعبةً أعجبته.
كان المشهد يتكرر بلا تغيير. هذا الكائن حقًا لا يصغي لكلام الآخرين أبدًا. فكما هو متوقّع، كل الأرواح أنانيةٌ ومزاجية.
تذكّرت أداماس سطرًا من <مدخل إلى علم الأرواح>.
‘….إنه كثير الثرثرة. وهو الأقرب في شكله بين الأرواح الأربعة الكبرى إلى البشر، كما أنه الأكثر ألفةً لهم.’
لماذا يريد عقد اتفاقٍ معي؟ هل يرغب في رؤية عالم البشر الذي تطوّر بينما كان محتجزًا؟
“اسمع. سأكون صريحة. هذا الرجل فارس، أما أنا فلا أملك موهبةً تكفي لعقد اتفاقٍ معكَ.”
―غير صحيح.
أمال رأسه جانبًا، ثم بدأ يدور حول أداماس دورةً بعد أخرى.
كيف غير صحيح؟ بل هو صحيحٌ تمامًا.
‘أوه، عيناي تؤلمانني. هذا مزعج.’
“ما بكَ فجأة؟ أشعر بالدوار.”
لم تجرؤ أداماس على الصراخ في وجه روحٍ عليا و تطلب منه التوقف، فاكتفت بالكلام بنبرةٍ مُتعبة.
―أنتِ….هل تكرهينني؟
“مستحيل.”
‘فنحن أصلًا لسنا على علاقةٍ عميقة تتيح الحديث عن حبٍ أو كره.’
―إذًا لماذا لا تعقدين اتفاقًا معي؟ وأنتِ مكسوّةٌ بكل تلك الطاقة الأرضية من رأسكِ حتى أخمص قدميكِ.
“ماذا؟”
―لديكِ موهبة. هل ظننتِ أنني ألحّ بلا سبب؟ أنا أفعل هذا لأنني أريد حقًا عقد اتفاقٍ معكِ.
فابتلعت أداماس ريقها بصعوبة.
______________________
ورعتي عندها قوه مخفيه وناسه 🤏🏻
سافيروس زين انه للحين ساكت على الاقل شاف من الي تتكلم معه أداماس😂
التعليقات لهذا الفصل " 34"