كان سافيروس يتفقد الممر المنهار، لكنه ما إن سمع نداء أداماس حتى اندفع نحوها بخطوةٍ واحدة.
و تنهدت أداماس وهي تركل بقايا الغولم أمامها بطرف قدمها.
“عقرب الحجر تحوّل كله إلى غبار، لا يمكنني معرفة أي شيء.”
“آه، هذا….أنا آسف.”
“لا بأس! لا حيلة لنا. لقد كنتَ تحاول حمايتي. ماذا عنكَ؟ هل ترى مخرجًا؟”
“إنه مغلقٌ تمامًا بالصخور. لا أظن أننا سنتمكن من الخروج من هناك. لا يعقل ألا يكون هناك مخرجٌ آخر من الأساس، أليس كذلك؟”
قال سافيروس ذلك وهو يقطب جبينه.
“نأمل ذلك. تينا قالت أن هذا العقرب الحجري العملاق سقط من السماء. والممر الذي دخلنا منه ضيقٌ جدًا بحيث لا يمكن لعقربٍ بهذا الحجم أن يمر منه.”
“ماذا لو كان قد دُفع كما يُدفع النمل أو العقارب الصغيرة، باستخدام شيءٍ كدائرة حمايةٍ سحرية؟”
“لو كان قادراً أصلًا على تحريك شيءٍ بهذا الحجم بالسحر، لما كانت نملات الحجر أو عقارب الحجر بتلك الصِغَر. على الأقل، لا بد أن لهذا الغولم العملاق طريق خروجٍ خاصٍ به.”
“صحيح. لو كان قادراً على التحكم بغولم بهذا الحجم بحرية، لكان استصلح منجم الملح بسهولة.”
“بالضبط. توقُعي هو أن كلما كبر الحجم، زادت صعوبة التحكم، فيصبح هائجًا، مثل غولمات إقليم الماركيز.”
“أجل، هذا منطقي.”
هزّ سافيروس رأسه موافقًا، متذكرًا كيف كانت تصرفات عقرب الحجر المشاغب تشبه غولم التراب في إقليم الماركيز.
“آه، صحيح. تينا بخير، أليس كذلك؟”
“إن كانوا الثلاثة، فبوسعهم الخروج من هنا والوصول إلى إقليم الماركيز دون مشكلة. المشكلة نحن.”
“ماذا تقصد؟”
“من المرجح أن يكون هناك مخرجٌ آخر مخفيٌ غير ذلك المكان المنهار، أليس كذلك؟”
“على الأرجح.”
“وإذا كان هناك سحرٌ خفي، كما حدث حين دار النمل وهو يواجه الجدار، فسيكون من الصعب العثور على المخرج.”
وافقت أداماس كلام سافيروس بإيماءة.
كانا في وضعٍ قاتم، ومع ذلك لا يمكنهم الجلوس بانتظار أن يظهر نملٌ أو عقرب من جديد إلى الأبد.
كما أن فيرفيتينا، وترك إقليم الماركيز مدة طويلة، كانا مصدر قلق.
“هاه….”
تنهدت أداماس وهي تنظر إلى كفّيها. بحثًا عن جوهرةٍ قد تكون مفيدة، لكن جميعها كانت غير حاسمةٍ قليلًا.
فلو شقّت طريقًا بهجومٍ متهور، ثم انهار التجويف، فسيكون ذلك كارثيًا….
“هل نواصل تفتيش المكان؟ أم نحقق أكثر في غرفة كانيل.…”
وبينما كانت أداماس نطرح الآراء، صدر صوت قرقرةٍ من بطنها.
“أحم….أعني، الأهم هو.…”
فاحمرّ وجه أداماس وهي تحاول مواصلة الكلام بأي طريقة، فأخرج سافيروس بهدوءٍ قطعة لحم مجفف من حقيبته.
“لنجلس أولًا ونفكر.”
“آسفة. في الحقيقة، كنتُ متعبًاً قليلًا.”
قالت أداماس وهي تنزلق جالسةً متكئةً على الجدار الحجري، فابتسم سافيروس بهدوءٍ وهو ينظر إليها.
في التجويف الواسع، وأمام بقايا عقرب الحجر المحطم، أخذا أداماس وسافيروس يمضغان اللحم المجفف ويتقاسمان الماء.
“نامي قليلًا، يا ماس.”
“همم؟ لا، أنا بخير.”
لعل التوتر انحلّ بعد تجاوز الخطر، فشعرت بجسدها يثقل ويسترخي. وحين حاولت النهوض بصعوبة، ضغط سافيروس بلطفٍ على كتفه.
“لا بأس. ارتاحي قليلًا.”
شعرت أداماس أن كلمات سافيروس أشبه بسحر. ومع جملته، أُغلقت عيناها ببطء.
‘يجب أن نعثر على المخرج سريعًا. يجب أن نلتحق بفيرفيتينا ورفاقها….’
وفيما كان وعيه ينسحب، رأت سافيروس يبتسم لها بهدوء.
***
—هنا. هنا.
فتحت أداماس عينيها على صوتٍ ما يناديها.
فركت جفنيها المثقلين ونظرت حوله. وأول ما وقع عليه بصره في رؤيتها غير الصافية كان ظهر سافيروس.
و كان سافيروس يتفقد الممر المنهار الذي خرجت منه مجموعة فيرفيتينا.
‘غريب….أنا متأكدةٌ أن أحدهم همس في أذني؟ لكن سافيروس هناك، ولا يمكن أن يكون هو من كلمني، أليس كذلك؟’
حكّت أداماس رأسها وأغمضت عينيها مجددًا.
‘سأعدّ حتى عشرة فقط. بعدها أفتح عيني فورًا وأذهب لمساعدة سافيروس فيما يفعله.’
—انهضي. لماذا تنامين مجددًا؟ كسولة!
“ما، ما هذا؟!”
تسلل عرقٌ بارد فجأةً على ظهر أداماس. ففي التجويف الذي لم يكن فيه سواهما، سُمع صوتٌ لا يعود إلى سافيروس.
‘آه، لا! مستحيل!’
الأشباح لا، مهما كان هذا إقليم الماركيز اللعين، فذلك أمرٌ لا يمكن تقبّله!
فانتفضت أداماس واعتدلت واقفةً وهي ترتجف.
“آآآه! لا، لا أريد! قلتُ لا أريد!”
“ماس! اهدئي. ما الأمر؟”
ثم ركض سافيروس نحوها من بعيد.
“روس، شبح! إنه شبح!”
“ماذا؟”
“شبحٌ كلمني! هذه صحراء الأشباح!”
“….هاه، أداماس.”
أمسك سافيروس كتف أداماس بحذر، ثم تحدّث بحزم.
“لا يوجد هنا غيركِ وغيري.”
“أ، أحقًا؟ نعم….صحيح.”
فأخذت أداماس تتلفت حولها بعجلة.
في وسط التجويف الذي يبلغ قطره نحو مئة متر، كانت بقايا عقرب الحجر الذي حطمه سافيروس، أما المدخل الذي دخلا منه فكان مسدودًا تمامًا بالصخور.
“نعم….من المؤكد أننا وحدنا هنا.”
“يبدو أنكِ رأيت حلمًا.”
“همم، لعلني كنتُ متعبةً قليلًا.”
—لا تعامليني كأنني شبح.
“هاها….ما زلتُ أسمع كلامًا غريبًا.”
“اتكئي قليلًا وابقَي جالسةً.”
“لا، سأساعدكَ أنا أيضًا. كنتَ تفحص ما إذا كان بالإمكان إزالة الصخور عن المدخل، أليس كذلك؟”
—لا تتجاهلي كلامي.
“….اصمت. نحن نتحدث الآن. لا تقاطعنا!”
صرخت أداماس بصوتٍ عالٍ فجأة.
—أيتها الإنسانة السيئة. هل تصرخين في وجهي الآن؟
“أصرخ لأنكَ تستحق! أيقظتني وأنتَ تزعجني! و تقاطع الحديث الآن! شبحٌ ثرثار أكثر من اللازم!”
—أنا لستُ شبحًا!
“وكيف لستَ شبحًا وأنتَ لا تُرى أصلًا!”
دوّى صوت أداماس في أرجاء التجويف.
“….اعذريني لحظة، يا ماس.”
حينها، تقدم سافيروس نحو أداماس وهو يقطب حاجبيه، ثم وضع يده فجأة على جبهة أداماس.
“غريب….لا توجد حرارة. ما الذي يحدث لكِ؟”
“….هاه؟”
“لماذا تظلين تتحدثين مع نفسكِ هكذا، يا ماس؟”
مع كلمات سافيروس، أطلقت أداماس أنينًا وهي تمسك رأسها بكلتا يديها.
“آآه….أنتَ حقًا لا تسمعه، أليس كذلك؟ هذا الصوت؟ نعم، بالطبع، لا يمكن أن يكون صوتًا غريبًا كهذا صوتَ إنسان.”
كان صوتًا مزدوجًا؛ أحيانًا صافٍ عالي النبرة كصوت طفل، وأحيانًا يتخلله صراخٌ حاد متعجلٌ لرجلٍ بالغ.
—مـ، ماذا؟ صوتٌ غريب؟ هذه وقاحة! أنا روح الأرض العليا، الغنوم!
“واو. شبحٌ يتظاهر بأنه روح.”
—أنا روحٌ حقيقية.
انتفضت أداماس واقفةً واندفعت موجّهةً قبضتها نحو مصدر الصوت.
“اسمع جيدًا أيها الشبح! حجم المانا لدي لا يتجاوز حجم هذه القبضة! لا يمكنني سماع أصوات الأرواح أصلًا. هذه الخدعة تصلح فقط مع من يمكن خداعه.”
‘روح؟ كلامٌ مضحك لا يستحق حتى السخرية.’
من الواضح أن هذا الشبح كان يستخفّ بها ويراها فريسةً سهلة.
“أتظن أنني لم أحاول عقد عقدٍ مع روحٍ من قبل؟ يا إلهي….بعد تسعة عشر عامًا من العيش، أرى حتى أشباحًا تنتحل صفة الأرواح لتحتال!”
—إ، إذاً….اعقدي عقدًا معي. سأظهر لكِ بنفسي وأثبتُ ذلك.
“سخيف. ولماذا أعقد عقدًا مع شبح؟”
—همف. يبدو أنكِ لا تعرفين حتى كيف يُعقد العقد.
“هاه؟ هل تستخف بي؟ أنا خريجة الأكاديمية الوطنية فرانسيسكو. روح الأرض؟ حسنًا، سأستدعيتكَ، وإن لم تظهر فاعلم أنكَ ستموت حقًا.”
“أم….ماس، هل أنتِ بخيرٍ فعلًا؟”
“انتظر قليلًا. سأوبّخ هذا الشبح اليوم توبيخًا يليق به.”
سحبت أداماس سيفها الفضي بسرعةٍ من خصرها وبدأت ترسم دائرةً سحرية على الأرض.
راقب سافيروس تصرفها بصمت، وقد بدا عليه شيءٌ من الدهشة.
ظهرت دوائر، مثلثات، مربعات. ومع ازدياد تعقيد الرموز التي ترسمها أداماس، تحدّث سافيروس،
“هل يحفظ السحرة كل هذا عن ظهر قلب؟”
“لا. أنا فقط مهتمةٌ بهذا المجال، لذلك أحفظه. كانت لديّ الكثير من الهواجس، بسبب صغر كمية المانا لدي.”
واصلت أداماس الكلام وهي تحرك السيف الفضي بلا توقف.
“الآن الأمور أفضل، لكن في وقتٍ ما كنتُ قلقةً حقًا. لذلك اهتممتُ بعلم استحضار الأرواح. صحيحٌ أن كثرة المانا مفيدة، لكن الأهم هو الرابطة مع الروح، ومدى الانسجام مع الطبيعة.”
النار، والريح، والماء، والأرض، لكلٍ منها روحٌ تحكمه.
سالاماندر النار، أوندين الماء، سيلف الريح، وغنوم الأرض.
“باراسيلسوس، مؤلف <مدخلٍ إلى علم الأرواح>، والذي يُعد أعظم مستحضري الأرواح في التاريخ، قيّم الأرواح الأربعة على هذا النحو.”
“وكيف؟”
“قال أن السالاماندر مفرطٌ في التملك، والأوندين مفرطةٌ في السلبية، والسيلف أنانيةٌ بطبعها، أما الغنوم….فثرثارٌ إلى حدٍ لا يُصدَّق.”
“هل هذا صحيح؟”
“لا أعلم. لستُ مستحضرة أرواحٍ أصلًا. انتهيتُ.”
ابتسمت أداماس برضا وهي تنظر إلى الدائرة السحرية المكتملة.
“مثالية! انظر إلى هذه الموهبة المتدفقة. ربما كان عليّ أن أصبح رسامة؟”
نفضت أداماس السيف الفضي بلامبالاة وأعادته إلى غمده.
وعند رؤية طريقة تعاملها الخشنة مع السيف، عقد سافيروس حاجبيه دون أن يشعر. قرر في نفسه أن يعلّم أداماس لاحقًا كيفية العناية بالسيف، ثم اتكأ على الجدار الحجري وراقبه.
أغمضت أداماس عينيه ببطء. وبصوتٍ هادئ، راحت تردد تعويذة الاستدعاء التي قرأتها منذ زمنٍ في <مدخل إلى علم الأرواح>.
وفجأة، اندفع نورٌ قوي من مركز الدائرة السحرية التي اقف فيها أداماس.
هل يحدث شيءٌ ما؟ هل يمكن أن تكون أداماس في خطر؟
اتخذ سافيروس وضعيةً جاهزة لسحب سيفه في أي لحظة، دون أن يبعد نظره عن أداماس.
وبعد دقائق. تلاشى الضوء، ولم يبقَ في مكان الدائرة سوى أداماس وسافيروس، واقفين ينظر كلٌّ منهما إلى الآخر في صمت.
____________________
اوك؟ حسبته صدق روح وينه؟
شسمه يحليله يوم رقدها🤏🏻
ولا عاد يوم يشيك فيها حراره ولا لا😭 واضح بشوفها مجنونه خلاص
المهم أداماس يصلح لها روح الأرض هي ثرثاره بس حكيها يعجبني تجنن بنتي😔✨
التعليقات لهذا الفصل " 33"