لم يكن سافيروس قد قابل بعدُ إمبراطور فرانسيس الحالي، لايغر فرانسيس الثالث، المعروف بغروره وانغماسه في اللهو.
ربما كان الماركيز قد رآه من قبل حين ورث لقبه وذهب ليؤدي التحية للإمبراطور في القصر الإمبراطوري، فكانت بينهما معرفةٌ سطحية على الأقل….
“أداماس، هل سبق لكِ أن قابلتِ جلالة الإمبراطور؟”
“لا. كيف لشخصٍ مثلي أن يقابل جلالة الإمبراطور؟”
“سمعت أنهم يقيمون في العاصمة استعراضاتٍ في أيامٍ مثل ذكرى تأسيس الإمبراطورية.”
سأل سافيروس وعيناه الزرقاوان تتلألآن.
“هيه، ألم أقل لكَ مرارًا؟”
“ماذا؟”
“الخروج لا يكون إلا عند وجود موعد. ولا يجوز التجول هكذا في أماكن مكتظةٍ بالناس. أشعر بالاختناق.”
“أنتِ حقًا بحاجةٍ إلى بعض الرياضة.”
“التنفس كافٍ بالنسبة لي.”
“إذًا لم تشاهدي الاستعراض من قبل؟”
‘ما هذا؟ إنه لطيف. آه، يا عبقري المبارزة خاصتنا. يبدو أنكَ كنتَ ترغب في رؤية الاستعراض!’
شعرت أداماس بأن صوت سافيروس بدا خافتًا قليلًا، فسارعت تبرر.
“لكن حتى لو مرّ الاستعراض أمام عينيكَ، ألن يكون من الصعب رؤية جلالة الإمبراطور؟”
“ولمَ لا يمكن رؤيته؟”
ابتسمت أداماس فجأة.
‘على الأرجح، الإمبراطور الذي تتخيله ليس هو نفسه الذي أعرفه أنا. فبيننا قرنٌ كامل من الفارق الزمني.’
آه، والآن بعد أن أفكر في الأمر، كان لايغر فرانسيس الثالث إمبراطورًا فوضويًا بعض الشيء، أليس كذلك؟
راحت أداماس تنبش التاريخ في ذهنها وتختار كلماتها بعناية.
“لأن جلالة الإمبراطور تعلم من الإمبراطور الراحل أسوأ ما يمكن تعلمه. قيل أنه شعر بالظلم لما عاناه في صغره، فترك شؤون الحكم كلها لولي العهد الأكبر، بينما هو غارقٌ في أحضان عشيقته، يعيش كل يومٍ سكرانًا.”
“همم. لقد سمعتُ أنا أيضًا شائعاتٍ تقول أن جلالة الإمبراطور يهمل شؤون الحكم.”
هزّ سافيروس رأسه موافقًا كلام أداماس.
“صحيح. في الواقع، مرّ وقتٌ طويل منذ أن شارك جلالة الإمبراطور بنفسه في الاستعراضات.”
“هاه….هكذا إذًا.”
“نعم.”
أعادت أداماس استعراض تاريخ تلك الحقبة ببطءٍ في ذهنها.
عصر لايغر فرانسيس الثالث. قيل أن ولي العهد الأكبر كان يتولى شؤون الحكم في البدايات، وفي أواخر العهد اندلع صراعٌ على الخلافة بين ولي العهد الأول وولي العهد الثاني.
والأغرب أن الفائز لم يكن أيًّا منهما….بل إن من آل إليه العرش في النهاية كان دوق كريف الصغير، ابن أخ لايغر فرانسيس الثالث.
بالطبع، كانت هناك أيضًا شائعاتٌ تقول أن الدوق الصغير في الحقيقة هو ابن جلالة الإمبراطور نفسه….
“….ماس! هيه، ماس!!”
“هاه؟ آه، هل ناديتني؟”
“لماذا أنتِ شاردة؟ انتبهي.”
قال سافيروس ذلك وهو يلوّح بيده أمام عيني أداماس.
بدا أن اهتمامه لم يعد منصبًا على الاستعراض، أو بالأحرى على العائلة الإمبراطورية.
صحيح. لكل أسرةٍ حاكمة شؤونها الخاصة. وليس من المهم الآن إن كان والد دوق كريف الصغير هو الإمبراطور أم مجرد دوق.
من منظور العاصمة، كانت مقاطعة الماركيز أقصى أطراف الإمبراطورية، لكنها بالنسبة لأداماس وسافيروس كانت هي مركز الإمبراطورية ذاته.
“حسنًا. فلنهتم بشؤوننا نحن!”
صرخت أداماس بصوتٍ عالٍ. فابتسم سافيروس ابتسامةً خفيفة وهو ينظر إليها، ثم أعاد بصره إلى يوميات الساحر.
أما أداماس فهزت كتفيها بخفة، ثم جلست قرفصاء في مكانها وراحت تراقب نملةً حجرية متحركة.
تحركت النملة الحجرية ببطءٍ شديد نحو خزانةٍ سوداء في زاوية الغرفة، ثم انزلقت داخل شقٍ صغير واختفت. ولم تخرج حتى بعد مرور وقتٍ طويل.
“همم. هل يوجد عش نملٍ داخل الخزانة؟”
و ارتجفت أداماس قليلًا وهي تتخيل أسراب النمل التي قد تنهمر إذا فتحت الخزانة.
‘أوخ. نمل…….ها؟ لكنهم غولِمات في النهاية. مجرد حجارة. وما المشكلة إن تساقطت؟’
و بعد أن أنهت تفكيرها، حكّت أداماس رأسها واقتربت من الخزانة السوداء، ثم جذبت المقبض بكل قوتها دون تردد.
“….آي! هذا الساحر حقًا! أي مفهومٍ للأمن هذا الذي لديه؟!”
رغم أن أداماس شدّت بكل ما أوتيت من قوة، لم تُبدِ الخزانة أي نيةٍ للانفتاح.
لم يفدها أن تطرقها بقبضتها عدة مرات، ولا أن تركلها بقدمها.
كان باب القبو بلا أي قفل، ومع ذلك هذه الخزانة لا تتحرك قيد أنملة.
‘ما هذا العبث!’
“تنحّي جانبًا.”
بينما كانت أداماس تئنّ وهي تحاول فتح الخزانة التي لا تتحرك قيد أنملة، اقترب سافيروس من خلفها.
“آه، سافيروس. هل انتهيتَ من قراءة اليوميات؟”
“تقريبًا.”
مدّ سافيروس يده وجذب المقبض على عجل، ثم سرعان ما استلّ سيفه. وبحركةٍ خفيفة شقّ الهواء باتجاه الخزانة.
“….تسك، ما هذا؟”
ثم تجعد ما بين حاجبي سافيروس بقوة.
“ماس. هذا….يبدو كأنه تفاعلٌ سحري.”
كان ثمة رسمٌ سحري صغير للغاية قد صدّ نصل سافيروس في الهواء.
“واو، الآن فهمت. هذا بالتأكيد خزنة! لكن تباً….”
قالت أداماس ذلك وهي تعضّ على شفتها وتبتلع بقية كلماتها.
“يبدو أنها مغلقةٌ بدائرةٍ سحرية. إنه سحرٌ رفيع المستوى، ولا أستطيع أن أضمن قدرتي على فكّه حتى لو أخذنا وقتنا.”
كانت دائرةً سحرية من صنع شخصٍ يُرجَّح أنه ساحرٌ من القصر الإمبراطوري، ولن يكون تفكيكها بالأمر السهل.
نظر سافيروس إلى أداماس التي بدت على وشك البكاء، ثم أمسك بسيفه بهدوءٍ من جديد.
“لا داعي لفكّها أصلًا. وقتنا ثمين. ابتعدي.”
بدأ وميضٌ أزرق يتراقص ببطءٍ من طرف النصل.
وبينما كانت تحدّق في ذلك الضوء الأزرق، تحدّثت أداماس بنبرةٍ مازحة.
“مشهدٌ مهيبٌ حقًا. يا له من منظرٍ أخّاذ. هكذا، لا بد أن تكون هذه هبة السماء.”
فابتسم سافيروس ابتسامةً خفيفة، ثم أطلق صيحةً وقطع الخزانة أمامه بزاويةٍ مائلة.
“ها!”
“….واو، آااه! ما هذا؟”
ومن الشق المائل الذي انفتح في الخزانة، انهمرت بلوراتٌ رمادية اللون بصوتٍ خافت. وقد كان ملحًا.
“يا إلهي! كلها ملح؟”
“يبدو أنها قرابة عشرين كيلوغرامًا.”
“أن تجمع النملة كل هذا فقط بنقله حبةً حبة….يا لها من نملةٍ مجتهدة! أين هي؟ ها؟”
قالت أداماس ذلك وعيناها تتلألآن، وهي تنظر حولها بحماسة.
و راح سافيروس يقلّب الملح بطرف سيفه، ثم اقترب من داخل الخزانة.
“هناك شيءٌ في الداخل.”
“نعم، انتظر، دعني أرى.”
حاولت أداماس الوقوف إلى جانبه وهي تتجنب قدر الإمكان الدوس على الملح المنسكب. وما إن وقعت عيناها على الدائرة السحرية المرسومة داخل الخزانة حتى انطلقت منها صيحات الإعجاب دون وعي.
“أوه؟ هذه دائرة حماية! لكن شكلها غريبٌ قليلًا.”
مالت أداماس برأسها ثم صفّقت بيديها.
“هذا الشخص عبقريٌ فعلًا. هذه ليست دائرة حمايةٍ عادية.”
“وما تأثيرها؟”
“إنها تُرحِّل أي شيءٍ يتحرك داخل هذه الخزانة إلى خارج نطاقٍ معيّن. الغولِم يُعامل ككائنٍ حي فيُبعَد إلى خارج الصحراء، ولا يبقى هنا سوى الملح باعتباره جمادًا.”
“ولِمَ يفعل شيئًا غير فعّالٍ كهذا؟ يصنع غولِمات وينثرها في الصحراء، ثم بعد مدةٍ تعود إلى هنا ليعيد إرسالها مجددًا؟”
لم يستطع سافيروس استيعاب الأمر بمنطقه.
“أليس من الأسهل أن نتبع هذه النملة ونعثر على منجم الملح؟”
“كلامكَ صحيح، لكن هذه صحراء غلايف. مكانٌ شاسع بلا نهاية.”
“وهل هذا سببٌ كافٍ؟ توجد تعاويذ تعقّب أيضًا.”
“همم، هذا مجرد توقّعٍ مني. ماذا لو كان منجم الملح عميقًا تحت الأرض إلى درجة تجعل سحر التتبّع بلا جدوى؟ مهما كان الساحر عبقريًا، فلن يستطيع حفر هذه الصحراء الشاسعة بمفرده. حتى لو استخدم الغولِمات.”
“أفهم. لكن كيف عثرت النملة على الملح إذًا؟”
“محض صدفة. تمامًا كما يحدث في استخراج الألماس. لعل ذلك الساحر المجنون هو من أطلق على الملح اسم ‘الألماس القذر’ لهذا السبب.”
“ألماس؟”
“أشهر منطقةٍ لإنتاج الألماس في العالم، إقليم كونِس في مملكة لوبيانا، اشتهرت بسبب النمل. كان هناك مزارعٌ مرّ صدفةً ولاحظ أن أجسام النمل في تلك المنطقة تلمع على نحوٍ غريب. كان النمل يشرب الماء من أعماق الأرض، فعلق غبار الألماس بأجسامه.”
“إذًا هذا يعني أن منجم الملح موجودٌ في عمقٍ هائل. ومن دون أن تنقله النملة على جسدها، سيكون من الصعب حتى استخراجه، فضلًا عن تحديد موقعه.”
“بالضبط. ما لم تُحرَّك جيوشاً جرّارة للبحث، فسيكون من المستحيل على أي شخص العثور عليه. وربما لهذا السبب كان هناك نوعان من الغولِمات. العقارب للاستكشاف، والنمل لاستخراج الملح.”
“إذًا لماذا لم يُرسل الإمبراطور الراحل جيشًا ضخمًا إلى صحراء غلايف؟”
“لأنه لم يكن بحاجةٍ إلى الملح إلى درجة تبرّر حشد جيش كامل. والسبب هو….”
“آه، بسبب دوقية شفاييرن.”
“صحيح. في عهد لايغر فرانسيس الثاني، كانت العلاقة بين العائلة الإمبراطورية ودوقية شفاييرن ممتازة. كما أن سعر الملح لم يكن مرتفعًا كما هو الآن.”
وكان ذلك لأن الابنة الكبرى للايغر فرانسيس الثاني، أي شقيقة الإمبراطور الحالي، هي دوقة شفاييرن.
“لم يكن الهدف من إرسال ساحرٍ عبقري إلى الصحراء مجرد العثور على منجم ملحٍ واحد. مهما فكرتُ في الأمر، فهذا غير مجدٍ على الإطلاق.”
عند كلام أداماس، رفع سافيروس أحد حاجبيه وسأل،
“أليس لأن الملح سلعةً باهظة، وكلما زاد كان أفضل؟”
“هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. لو كان الأمر كذلك لانخفض سعر الملح بشدة. وبالنظر إلى العلاقة مع دوقية شفاييرن، يستحيل أن يكون لايغر فرانسيس الثاني قد أراد خفض سعر الملح.”
“إذًا ما هدف لايغر فرانسيس الثاني؟”
“لا أعرف. صاحب هذه الغرفة ميت، وكل ما تبقى لنا هو هذه اليوميات التي تفوح منها رائحة الشراب.”
“لا يمكن الجزم بأنه مات. إن كانت آثار الأقدام تعود لصاحب الغرفة، فهو لا يزال حيًا، ماس.”
“لا. إنه ميتٌ حتمًا. آثار الأقدام أمام الباب تعود لشخصٍ آخر.”
أجابت أداماس بملامح حاسمة.
“وكيف تجزمين أن الآثار ليست لصاحب الغرفة؟ لأنها غرفةٌ مهجورة؟ قد يكون قد تركها وعاش في مكانٍ آخر، ثم عاد لزيارتها من حينٍ لآخر.”
عندما سأل سافيروس، ابتسمت أداماس ابتسامةً خفيفة.
“صاحب هذه الخزانة عبقريٌ بين العباقرة. ومن بين سحرة القصر الإمبراطوري، لا يوجد بهذا المستوى سوى شخصٍ واحد فقط، ‘كانيل’. ومهما كان عبقريًا، فالإنسان لا يمكنه أن يعيش أكثر من مئةٍ وعشرين عامًا.”
ثم تقدّمت أداماس نحو رفوف الكتب المغطاة بالغبار.
“….كما توقعت، إنها هنا.”
___________________
رايع مافهمت شي✨
اهم شي انهم حلوين سوا وشكل سافيروس كل ما ابتسم على حركاتها يجننون🤏🏻
أداماس اكبر بس حالياً سافيروس كأنها هو الاكبر شكله عقل بدري😔
التعليقات لهذا الفصل " 30"