“ماس، انتبهي!”
“أه؟ أه!”
كان سافيروس هو من أمسك بخصر أداماس حين هوت جالسةً دون أن تشعر.
“آسفة، يبدو أنني تفاجأتُ قليلًا.”
دفعت أداماس صدر سافيروس ببطءٍ ثم استقامت بجسدها.
و ما ظهر أمامهما كان ممرًا ضيقًا للغاية، وفي نهايته درجٌ وبابٌ صغير.
“سافيروس، مهما نظرت، ألا يبدو هذا قبوًا؟”
“صحيح.”
“لكن لماذا يظهر قبوٌ فجأة؟ حقًا لا أفهم. أي نوعٍ من الأماكن هذا أصلًا؟”
ثم ركلت أداماس الجدار بقوة.
“ستتأذى قدمكِ. كفّ عن ذلك.”
“أجل، على ما يبدو الشيء الوحيد المؤكد أن صاحب هذا القبو ثريٌ جدًا.”
حتى الجدار القصير الممتد من الدرج إلى الباب كان مرصعًا بكثافةٍ بأحجارٍ مضيئة.
ياقوتٌ ثم أحجارٌ مضيئة….حين تفكر في الماركيزية الفقيرة، كادت ترغب في اقتلاع كل حجر مضيء من الجدار وأخذه معها.
“لو خرج ألماسٌ فجأة الآن، فلن أندهش.”
قالت أداماس ذلك وهي تتنهد. فضحك سافيروس بخفة على تذمرها، ثم جلس في منتصف الدرج،
“لننتظر البقية أولًا. على أي حال، يبدو أن صاحبه مجنونٌ فعلًا. أن يصنع مدخلًا بهذا الإهمال.”
“لكن أليس عبقريًا نوعًا ما؟ فالشخص العادي لا يدور ثلاث مراتٍ أمام جدارٍ حجري.”
‘أو ربما هو مجرد واثقٍ بنفسه جدًا. مثلكَ.’
استعادت أداماس صورة كوخ سافيروس الخشبي المعزول في عمق الجبال.
كان يقع عند مدخل الجبل، وله بابٌ ونوافذ تصدر صريرًا، بيتٌ من الواضح أنه لا يزال خاليًا حتى الآن.
رغم أنه لا يوجد ما يُسرق، كان سافيروس يترك منزله بلا اكتراث يقترب من انعدام الإحساس بالخطر.
حتى إن بات في قصر الماركيز دون تخطيط، لم يكن يبالي، وحين يغادر لاستكشاف الصحراء، لم يضع أي وسائل حمايةٍ تُذكر.
كان السبب واحدًا. ربما كان سافيروس يعرف في قرارة نفسه. أنه لا يوجد في الماركيزية من يجرؤ على سرقة منزله.
وإن كان صاحب هذا القبو يفكر بطريقةٍ مشابهة لسافيروس….فهذا يعني يقينًا أنه ليس شخصًا عاديًا.
“حقًا، لا شيء هنا سهل.”
قالت أداماس ذلك وهي تجلس إلى جوار سافيروس وتحك رأسها.
ثم طرق سافيروس على ركبة أداماس بأصابعه بخفة وكأنه يواسيها.
جلست ركبتاهما متلامستين على الدرج الضيق. وحين لم تحتمل أداماس حرارة التلامس، رفعت صوتها محاولةً فتح حديث.
“آه، صحيح! بالمناسبة، لماذا لم تُدخل تينا معنا قبل قليل؟ على أي أساس وثقت بهذين الأخوين المشبوهين؟”
“الآنسة فيرفيتينا تمتلك من القوة ما يكفي لتحمي نفسها.”
“لكن ماذا لو فعل الأخوان شيئًا بتينا؟ ماذا لو….!”
“ماذا تقصدين تحديدًا بـ’فعلوا شيئًا‘؟”
“أقصد، ذلك، تعرف….أليس كذلك؟”
بدأت أداماس ناوّح بذراعيه بعشوائية مرددةً: “آه، لا أستطيع شرحها! ماذا أفعل!”
فضحك سافيروس.
“في كلامكِ الكثير من ’كيف‘. ثم لو كنتُ قلقًا عليها إلى هذا الحد، لقلتَ أن علينا إحضارها مهما قالوا.”
“لا، الأمر مختلف. من أمسك بتينا هو ستيفان. لا نعرف ما الذي ينتظرنا في طريقنا، لكن ذلك المكان كان آمنًا مؤقتًا.”
قالت أداماس ذلك وهي تعقد شفتيهاص.
رغم صعوبة تصديق الأمر، كانت أداماس قد اعترفت بقدرات ستيفان بالفعل.
“وأنا كذلك. لقد وثقتُ بستيفان.”
“هاه؟ أتحب البصيرة إلى هذا الحد؟”
‘لا يبدو عليه ذلك أصلًا. لم أظنه يؤمن بمثل هذه الأمور.’
كانت تظنه من نوع: ’في هذا العالم البائس المليء بالغوليمات، لن أثق إلا بجسدي وبسيدي الماركيز!‘
‘لكن يبدو أنني أخطأت.’
“اسمع يا سافيروس، سأتكلم بجدية. لا تؤمن بتلك الأمور. حسنًا، أنا أؤمن قليلًا….قليلًا جدًا، لكن أنتَ لا تفعل ذلك.”
من أجل مستقبل الماركيزية، لا تفعل.
“أنا لا أثق بستيفان لأجل قدرته، بل لأنه فارس.”
“….ماذا؟ فارس؟”
“نعم.”
“وكيف عرفتَ؟”
سألت أداماس وهي تقطب جبينها.
“كيف لا يُعرف؟”
و أجاب سافيروس وهو يميل برأسه باستغراب.
“ما هذا؟ هل أنا الغريبة؟ هل لدى الفرسان حدسٌ خاصٌ بينهم؟ انتظر لحظة! إذاً ستيفان جاء فعلًا إلى هنا من أجلكَ؟”
“هذا ما سنعرفه حين نسأل بانثيون لاحقًا. فبانثيون هو سيد ستيفان.”
“ماذا؟”
‘ما هذا الكلام أيضًا؟ أليس ذاك الأخ مجرد أخٍ لا أكثر؟’
“وكيف عرفتَ ذلك أيضاً؟”
“وكيف لم تعرفين أنتِ؟”
“سافيروس، أنتَ تعرف ما أقوله لكَ دائمًا. بضعة أيامٍ من الراحة، ولساني ينبت له شوكٌ من كثرة أسألتي لكَ لذا استعد، نظّف أذنيكَ واستمع جيدًا.”
قالت أداماس ذلك وهي نمد لسانها بسخرية.
“أنتِ مزعجةٌ حقًا.”
“أجل، كما هو متوقع.”
جلسا أداماس وسافيروس أمام الدرج القصير المؤدي إلى القبو وتبادلا شتى الأحاديث.
تحدثا عن بانثيون و ستيفان، وعن فيرفيتينا، وحتى عن شكل الساحر المجنون الذي قد يكون خلف ذلك الباب.
قضيا الوقت بانتظار بقية الرفاق، لكن لسببٍ ما لم يظهر بانثيون ولا ستيفان ولا فيرفيتينا.
فتحدّثت أداماس بوجهٍ عابسٍ موجّهةً كلامها إلى سافيروس،
“لماذا تأخروا هكذا؟ هل يختلف إحساس أهل العاصمة والماركيزية بالوقت؟”
“كلامٌ غير منطقي. فالآنسة فيرفيتينا معهم.”
“لكنهم لا يأتون أبدًا. أن أكون معكَ وحدنا في درج قبو ضيق كهذا….أشعر ببعض الخوف، تعرف.”
قالت أداماس ذلك وهي تلف خصلة شعر قرب أذنها بمزاح.
“كفِّ عن السخرية. المكان ليس مظلمًا حتى.”
“ممل. يا خطيبي العزيز روس، اختر. تقدم إلى الأمام أم انسحاب؟”
رفعت أداماس إصبعها وأشارت مرةً إلى الأمام ومرةً إلى الخلف.
الرفاق الذين لم يلتحقوا بعد، والباب الذي أمامهما. فلم يعد ممكنًا تمضية الوقت هكذا بلا نهاية. حان وقت الاختيار.
“لندخل. لا يمكننا الجلوس هنا ننتظر إلى الأبد. لكن قبل ذلك، ماس.”
“نعم؟”
“هل يجب أن يكون الإصبع الذي تشيرين به إلى الباب هو الأوسط تحديدًا؟ أشعر بانزعاجٍ شديد.”
“نعم. هذا شعوركَ أنتَ.”
تجاهلت أداماس استياء سافيروس بخفة، ثم نهضت ونزلت الدرج بسرعة.
“….انتظري! ماس، توقفي!”
“أه! أه؟”
دوّى صوت سافيروس المفاجئ في اللحظة التي كانت أداماس تهمّ فيها بوضع قدمها على آخر درجة.
“ماس، تراجعي فورًا.”
“لماذا؟ ما الأمر؟ أفزعتني.”
“انظري إلى الأسفل.”
الأسفل؟ ماذا هناك؟ مجرد غبارٍ لا أكثر، أليس كذلك؟
“هاه؟ ما هذا؟”
كانت هناك آثار أقدامٍ واضحة فوق الغبار المتراكم أمام الباب.
“هل تعرفين هذه الآثار؟”
آه، أليس كأنه سألها سؤالًا مشابهًا في المنجم من قبل؟
“أعرف….ولا أعرف.”
هاه؟ حتى الجواب يشبه ذاك الوقت.
“مقاس القدم 240 مليمترًا، والوزن يقارب 55 كيلوغرامًا. الآن فهمتِ، أليس كذلك؟”
لا، هذا نفس الجواب تمامًا!
“الشخص الذي قطع حبلنا في منجم الزمرد؟!”
“نعم. هو نفسه.”
ابتلعت أداماس ريقها بصعوبةٍ من شدة القلق.
هذا يعني هذا أن ذلك القاتل موجودٌ داخل هذه الغرفة؟ لا، إن كان الأمر كذلك، فـ….
“مؤسفٌ حقًا. كان الماركيز الراحل يكره أن يشك بأهل إقطاعيته إلى هذا الحد.”
تذوّقت أداماس مرارة الكلام. فلم يعد بوسعها إغماض عينيها أو تجاهل الحقيقة بعد الآن.
بهذا أصبح الأمر مؤكدًا. الساحر المجنون كان على صلة، بشكل أو بآخر، بإقطاعية مانو الماركيزية، وكذلك الغولم.
فسحب سافيروس سيفه بهدوء.
“هيا لندخل. ابقَي ملتصقةً بظهري.”
“حسنًا.”
التصقت أداماس بظهر سافيروس، وفي صمتٍ أخذت تدير حجر الجمشت على إبهام يدها اليسرى وهي تفكر.
‘آه….أشعر أنني رأيتُ مشهدًا كهذا من قبل.’
ثم مدّ سافيروس يده اليسرى ببطءٍ وأدار مقبض الباب.
وأمام ذلك المشهد، فكّرت أداماس،
‘هذا الباب لن يُفتح أبدًا.’
عادةً، في مثل هذا التوقيت، لا يُفتح الباب من المحاولة الأولى، ثم يحاولون تحطيمه بالسيف، ليقعوا بعدها في كارثةٍ أكبر.
“سافيروس، على أي حال لن يُفتح من المرة الأو—…أه؟ لقد فُتح؟”
نعم، كانت هذه الماركيزية تخون توقعات أداماس في كل مرةٍ بلا استثناء.
‘حقًا، لا أدري إن كان هذا المكان جيدًا لأنه غير متوقّع….أم سيئًا.’
تبعت أداماس إشارة سافيروس الصامتة ودخلت الغرفة.
كانت هناك مصابيح سحرية برتقالية خافتة تضيء المكان بأكمله، و مكتبٌ خشبي قديمٌ وكرسي، و طاولة شايٍ مستديرة، وخزانة كتب خشبية تحتل جدارًا كاملًا….
كان الغبار الأبيض الخفيف يغطي كل شيء، ما جعل المكان يبدو كغرفة دراسةٍ صغيرة أو مكتب عمل.
“يبدو أن صاحب هذه المكتبة ليس مجنونًا.”
قال سافيروس ذلك.
“نعم. سيستغرق الأمر بعض الوقت لنجد شيءً.”
و أجابت أداماس وهي تعبس.
في هذا المكان العادي، كان على أداماس وسافيروس العثور على شيءِ يمكن رفعه تقريرًا إلى الماركيز.
“هووف، هيا بنا! يا خطيبي!”
هتفت أداماس بصوتِ عالٍ لشد العزيمة. فابتسم سافيروس بهدوء وأعاد سيفه إلى غمده.
“أوه؟ هل اعتدتَ الآن على كلمة خطيب؟ أيها الفتى. يبدو أنكَ تحب هذه الكلمة في قرارة نفسكَ.”
“هل أنتِ حمقاء؟ يا ماس. لستُ أحب كلمة خطيب، بل لأنكِ أنتِ.”
“أه؟ أه! هيق! همم. هيق!”
“ما هذا الفواق المفاجئ؟ اشربي بعض الماء.”
اقترب سافيروس سريعًا ووضع قربة الماء عند فم أداماس.
“اشربي ببطء.”
“هاه….أنا، همم، بـ….بخير. سيتوقف حالًا.”
“حقًا؟ يبدو أن الغبار الكثيف هو السبب.”
لا. ليس بسبب الغبار. بل بسببكَ أنتَ! أنتَ من اندفع فجأةً هكذا! لا تغوِني.”
“ماذا؟ ماذا قلتَ يا ماس؟ أغويكِ؟”
“….ز، زهرة! نعم زهرة! أليست تلك زهرةً هناك؟”
أشارت أداماس إلى سطح المكتب الخشبي الظاهر أمامها. لأدار سافيروس رأسه نحو المكان، بينما تنفّست أداماس الصعداء سرًا.
‘هووف، كدتُ أقع في ورطة. هذه المرة كدتُ أقع في حبه فعلًا.’
“ماس.”
“أه؟ ماذا؟”
“دعيني أقول هذا بوضوح.…”
تحدّث سافيروس وهو يقطّب حاجبيه، واقفًا بوضعيةٍ ثابتة.
‘ما هذه الأجواء؟ لماذا يبدو جادًا هكذا فجأة؟’
“مـ….ماذا؟”
ابتلعت أداماس ريقها بتوتر.
“هذا يشبه ثمرة الصنوبر. ليس زهرة.”
قال سافيروس ذلك بوجهٍ جاد وهو يمسك بوردة الصحراء.
“….هاه.”
فتمتمت أداماس وهي تقترب من المكتب حيث يقف سافيروس.
“يا لكَ من فارس بلا ذرة حسٍ جمالي، حتى بحجم حبة فاصولياء صحراوية.”
“ماذا؟”
“آه، لا يهم. افتح أذنيكَ جيدًا أيها الفارس. سأشرح لك الآن لماذا هذا يُعد زهرة.”
___________________
خير وش حكي الرخص ذاه حسبته بيعترف ولاش عاد طلع رجعوا لسالفة الورده😭
واداماس ليه تصول بغيت اوقع؟ اوقعي طيب محد قايل لوء
مره يجننون كل ما اجمتعموا اي شي هم فيه المشهد يجنن غصب🤏🏻
المهم ليه الباقي ماجو🤨
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 28"