كان هذا السيف الفضي في الأصل جائزة بطولة المبارزات. ولو أُعلنت فيرفيتينا فائزةً رسمية، لكان السيف بين يديها بلا شك.
ولو أن بانثيون تأخر قليلًا في إخلاء أمتعته من النزل، لكان السيف من نصيبه.
وقبل الانطلاق في استكشاف الصحراء، منحها الماركيز هذا السيف.
وأثناء تمريرها يدها عليه بهدوء، لاحظ سافيروس نظرة أداماس التي انتقلت مرةً إلى فيرفيتينا ومرةً إلى بانثيون، فتقدم إليها،
“لا بأس. هذا أيضًا نوعٌ من القدر. بل لعل هذا السيف لا يليق بأحدٍ بقدر ما يليق بكِ.”
“أتظن ذلك حقًا؟”
“إنه سيفٌ صُنع من أول حجرٍ سحري لماو.”
سيفٌ مرصعٌ بأول حجرٍ سحري لماو، ذاك الذي صنعه سافيروس وأداماس بنيّةٍ كبيرة نوعًا ما، وهي “إعادة بناء إقطاعية المركيز”.
استعادت أداماس لحظة تسلمها السيف، والكلمات التي قالها لها وهو يربت على يدها بلطف.
“إن آمالي المعلقة على الآنسة أداماس كبيرةٌ جدًا.”
كانت ترغب في العودة من الصحراء بشيءٍ ما. لم يكن ردًّا عظيمًا على الثقة، بل مجرد أمنيةٍ بأن يبتسم الماركيز ولو بقليلٍ من الارتياح.
“ومع ذلك، كان يجب أن يظهر فائز. إنها بطولةٌ تُقام مرةً واحدة في السنة.”
“هذا صحيح.”
“هل يُعد طمعًا أن نرغب في العودة ومعنا إنجازٌ ما؟”
قالت أداماس ذلك. ففي حقيبتها الآن حجران فقط.
أحدهما وردة الصحراء، والآخر حجر إضاءةٍ استخرجته احتياطًا من جدار الزنزانة.
“وجود حجر الإضاءة يكفي. يمكننا إثبات وجود زنزانة الصحراء. نستطيع العودة لاحقًا بعد التجهيز.”
قال سافيروس ذلك، لكنه في قرارة نفسه كان يعلم أن العودة لن تكون سهلة.
إقطاعية الماركيز كانت تعاني دائمًا من مشكلاتٍ متلاحقة، وتحتاج إلى جهودهما معًا، ولم يكن من السهل تحديد موعدٍ آخر.
“فلنُكثّف البحث قليلًا أكثر.…”
قالت أداماس ذلك محاولةً الابتسام، وهمّت بمخاطبة الرفاق، لكن في تلك اللحظة ارتفع صوت فيرفيتينا الحاد.
“أوه، هنا عقربٌ غريبٌ بعض الشيء. هل هو عقربٌ سام؟”
كوا! كواانغ!
قبل أن تُكمل فيرفيتينا كلامها، دوّى انفجارٌ هائل هزّ الكهف بأكمله، حتى غطّى على صوتها.
“ما، ما هذا؟ هذا خطر! هل جننتَ؟!”
على بُعد سنتيمتراتٍ قليلة من فيرفيتينا، كان سيف بانثيون مغروسًا في الجدار. فتجمّد الجميع ونظروا إليه بذهول.
“ما الذي حدث، أخي؟!”
كان ستيفان الأكثر ذعرًا، فاندفع نحو بانثيون بسرعة، يتفحص ملامحه بقلقٍ واضح.
“ستيفان! أبعد ذلك فورًا!”
صرخ بانثيون، وهو يتراجع مطلقًا صرخةً غريبة، ثم حاول الاندفاع نحو المدخل الذي دخلوا منه.
“سأغادر هذا المكان حالًا.”
كانت كلماته أشبه بأمرٍ عسكري لا مجرد إصرار، فعبس الجميع، ومنهم أداماس، وهم ينظرون إليه.
ما بال هذا الوقح؟ كيف يعامل أخاه وكأنه تابعٌ له؟
“أم….الأمر أن الأخ لا يحتمل الحشرات أصلًا.…”
قال ستيفان ذلك وهو ينظر بتوترٍ بين السيف المغروس والجميع، متمتمًا بعذرٍ واهن.
“أعتذر منكِ، آنسة فيرفيتينا.”
وكان هو نفسه من أسرع إليها ليتأكد من أنها لم تُصب بأذى.
يا إلهي، أخوه يدافع عنه هكذا، وذلك الرجل المزعج لا يكلّف نفسه حتى بالاعتذار مباشرة!
ظل سافيروس يحدق في سيف بانثيون والجدار الذي غُرس فيه، بينما نظرت أداماس إلى بانثيون بوجهٍ لا يخلو من الذهول.
“سيد بانثيون، أحقًا رميت سيفكَ بسبب عقربٍ فقط؟ بل واستخدمتَ قوة السيلف؟ ولن تعتذر لتينا بنفسكَ؟”
آه، أين ذهب إذاً ذلك المظهر الغامض لساحر الأرواح؟
“لا بأس يا أداماس. بل إن الأمر مضحكٌ قليلًا….فو، فوهو.”
يبدو أن صدمتها لم تدم طويلًا، إذ ارتسمت على وجه فيرفيتينا ابتسامةٌ خفيفة.
“قد أستوعب كرهكَ للعقارب، لكن حجمه لم يكن يتجاوز ظفر الخنصر.”
آه، تينا، هذا يزيد الأمر سوءًا. ذاك الرجل يقطب جبينه بشدةٍ الآن.
“وماذا لو كان العقرب سامًا؟”
قال بانثيون ذلك وهو ينظر إلى الجميع.
“لكن مع ذلك، رمي السيف يبدو مبالغًا فيه….أليس كذلك يا ماس؟”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي تهز كتفيها وتنظر إلى أداماس. فنفخ بانثيون بازدراء وردّ ببرود،
“أنتم جميعًا مستهترون بالسلامة. حين تتأرجحون بين الحياة والموت بعد التسمم فقط، ستدركون: آه، لقد أهملتُ السلامة طوال هذا الوقت.”
فتنهدت أداماس وسألته،
“سيد بانثيون، ألا تخاف من زنزانةٍ مجهولة لا تعلم ما فيها، وتخاف من عقرب؟”
“بالطبع يجب الخوف. ماذا لو تسممتم بعقربٍ ونحن بتشكيلة كهذه: مبارزان خالصان، محارب رمحٍ وسيف، وساحرةٌ واحدة؟”
“هاه؟ اسمع أنا هنا!”
“و هل تستطيعين استخدام سحر الشفاء؟ وماذا عن سحر إزالة السموم؟ بالطبع لا تستطيع، أليس كذلك.”
هل يظن هذا الرجل أن الكلام هنا مجرد كلامٍ عابر؟
“كفى يا أخي. أعتذر منكما، آنسة فيرفيتينا، آنسة أداماس.”
الذي أوقف أداماس وهي تتقدم لترد عليه بحدةٍ كان ستيفان.
فمرّت أداماس بيدها على ظهر فيرفيتينا التي فزعت من الصراخ، وعضّت على شفتيها.
‘لو لم يمنع ستيفان ذلك، لاستمرت الانتقادات دون توقف. لكن.…’
بعيدًا عن سوء مزاجها، شعرت بأن بانثيون قد أصاب موضع ألمها بدقة. لم يكن الأمر إلا دقة حكمه المزعجة. وفي الوقت نفسه، بدا أن طبيعته الحقيقية بدأت تظهر أخيرًا.
كان بانثيون قد حسب قدرات فريقهم كله ببرودٍ مخيف، كما أن ستيفان كان بلا شك يتظاهر حتى الآن.
رجلٌ فظٌ قليلًا، طائشٌ قليلًا، وخبيثٌ قليلًا….
“سأغادر فورًا.”
لوّح بانثيون بيده مرةً واحدة، فعاد السيف المغروس في الجدار إليه كما لو كان منجذبًا له.
مشهدٌ غريب، بدا فيه توتره العصبي أنيقًا على نحو غير مألوف.
فتبادلت أداماس وفيرفيتينا نظرةً صامتة.
“ماس، هذا الرجل يبدو سيئ الطبع على نحوٍ خفي.”
“لاحظتِ إذاً، تينا. ليس خفيًا، بل سيئ الطبع فعلًا.”
“ما رأيكما أن تتوقفا عن شتم الناس بنظراتكما؟ هيا، لنخرج بسرعة. تقدّم يا ستيفان.”
“….انتظر!”
في تلك اللحظة، صاح سافيروس وهو يقطّب جبينه.
“يبدو أن الحشرة لا تزال حية.”
وأشار بإصبعه إلى الجدار.
“مستحيل. حتى لو جاء جدّ العقرب بنفسه، لكان قد مات بالفعل.”
رغم مزاح أداماس، هزّ سافيروس رأسه.
“لكن انظري. إنه يتحرك.”
“هاه؟”
مع كلماته، تركزت أنظار الجميع على الجدار الذي ألقى بانثيون عليه سيفه. و تحت موضع غرس السيف ثم سحبه، بدأت شظايا الحجر تتحرك.
“هل كنتَ مذعورًا لدرجة أنكَ لم تُصب الهدف جيدًا؟”
“ما الذي تعنينه؟ هل توحين بأنني أخطأتُ من هذه المسافة يا آنسة؟”
“قلت لكَ توقّف عن مناداتي بـ”آنسة”!”
“هل يمكن لكما التوقف عن الشجار؟”
بينما استمر التوتر بين بانثيون وأداماس، تنهد ستيفان بصمت، وسحب سافيروس سيفه الطويل ببطء.
“ما بكَ أنتِ أيضًا؟ ما هذا الهراء! لماذا أنتم جميعًا تتوترون إلى هذا الحد بسبب عقربٍ واحد؟”
صرخ ستيفان بذهول، لكن سافيروس ظل يحدق في شظايا الحجر بنظرةٍ جادة، فتقدمت أداماس وسألته.
“روس؟ ما الأمر؟”
“غولِم.”
“ماذا؟”
“هناك. ذاك الشيء.”
بينما كانت شظايا الحجر لا تزال تصدر خشخشة، خرج من بينها عقربٌ حجري لا يتجاوز حجمه خنصر أداماس.
وبعد أن سمع بقية الرفاق حديث سافيروس وأداماس، أحاطوا بالعقرب الحجري في لحظة.
ومن بينهم، كانت أداماس أول من تحلّت بالشجاعة، إذ رفعت العقرب الحجري بجرأة فوق كفها بين رفاق مترددين.
“هك! ماس، هذا غولِم!”
صرخت فيرفيتينا بقلقٍ واضح.
فيرفيتينا أيضًا من إقطاعية الماركيز. العقارب العادية لم تكن تخيفها، لكن الأمر يختلف حين يكون غولِمًا.
“لا يمكن فحصه جيدًا إلا هكذا. همم، لا يبدو أن فيه ياقوتةً مثل غولِمات الإقطاعية.”
قالت أداماس ذلك وهي تمسك بذيل العقرب الحجري وتهزه. وفي تلك اللحظة، انتفض العقرب بعنفٍ وعضّ يدها بمخلبيه.
“آه!”
“هل أنتِ بخير، ماس؟”
أمسك سافيروس بيدها بسرعة.
وبينما كان يتفحص يدها بعناية، شعرت أداماس بقليل من الحرج فسحبت يدها برفق،
“آه، نعم. لم يعضّني، فقط فزعت.”
العقرب شيء، لكن ألا يبالغ قليلًا في دور الخطيب؟
طوت أداماس تلك الجملة الأخيرة في أعماقها، وخفضت رأسها بسرعةٍ تبحث عن العقرب الحجري.
كان قد سقط على الأرض، ولوّح بذيله بسرعةٍ ثم فرّ نحو زاوية من الجدار.
و دار في مكانه ثلاث مرات، ثم اختفى.
“ما هذا؟ روس، هل رأيتَ؟”
“نعم. رأيتُ ذلك بوضوح.”
تبادلا أداماس وسافيروس النظرات وأومآ برأسيهما.
“بما أننا لا نعرف ما الذي بالداخل، فلندخل مقسمين، كما فعلنا.”
قالت أداماس ذلك وهي تنظر إلى الرفاق.
وقبل أن تنهي كلامها، كان بانثيون قد وجّه نظره إلى ستيفان. نعم، كان متوقعًا أن يتحرك هذان الأخوان معًا.
“إذًا، تينا ستذهب معنا؟”
“لا، آنسة أداماس. أرى أن من الأفضل أن ترافقنا هي أيضًا.”
قال ستيفان وهو يقف أمام فيرفيتينا.
أطال ستيفان، أطول أفراد المجموعة، النظر ليقابل عيني أقصرهم قامة، فيرفيتينا.
“تعالي معنا، آنسة فيرفيتينا.”
“أه، آه….أنا….أعني.…”
و احمرّ وجه فيرفيتينا أمام أسلوب ستيفان المهذب، ونظرت إلى أداماس طلبًا للعون.
أفهمكِ، تينا. رجلٌ طويل ينحني قليلًا، بعينين ذهبيتين لامعتين، يدعوكِ لمرافقته….أي امرأةٍ لن تتأثر؟
أفهم، لكن….
“مع ذلك، أظن أن من الأفضل أن تذهبي معنا، تينا.”
قالت أداماس ذلك.
“هل تستطيع أن تضمن حمايتها مهما حصل؟”
لكن سافيروس قاطعها موجّهًا سؤاله إلى ستيفان.
“بالطبع.”
وردّ ستيفان وهو يهز كتفيه بخفة.
“حسنًا. إذًا سننطلق نحن أولًا. هيا يا ماس.”
أومأ سافيروس بهدوءٍ نحو ستيفان، ثم مدّ يده إلى أداماس.
“آه….حسنًا، فهمت. انتظر لحظة.”
ثم أخرجت أداماس حجر الإضاءة من حقيبتها.
“تفضلي، تينا. إن حدث أي شيء، أرجوكِ سلّمي هذا إلى الماركيز.”
“ماذا؟ لكن.…”
كانت فيرفيتينا في حالة هروب حاليًا، ولم تكن مرتاحةً لفكرة الظهور في الإقطاعية.
“لا تقلقي. سأحرص على ألا أضعكِ في موقفٍ صعب. إنه مجرد احتمالٍ بعيد.”
“حسنًا. فهمت، ماس.”
“للاحتياط، اتبعونا بعد نحو عشر دقائق.”
قال بانثيون ذلك وهو يعقد ذراعيه، بصوته البارد المعتاد.
“حسنًا. إذًا سننطلق أولًا.”
ابتلعت أداماس ريقها وأمسكت بيد سافيروس. و تبادل الاثنان نظرةً أخيرة، كما لو كانا يعاهدان نفسيهما على أمر ما.
وعندما دارا في موضعهما ثلاث مرات، كما فعل العقرب، بدأ المشهد أمامهما يهتز.
ثم، غرق كل شيءٍ في الظلام في لحظة. و غمرهما شعورْ باهتزازٍ تحت القدمين.
وفي اللحظة التي شعرت فيها بأن القوة تسربت من ركبتيها، تبدل المشهد من قاعةٍ واسعة إلى درجٍ ضيق بالكاد يتسع لوقوف شخصين بالغين جنبًا إلى جنب.
_____________________
واو اجل العقرب حيوان سحري؟
ستيفان طلع مؤدب اكثر من بانثيون يحليله🤏🏻
ادعم تشبيكته مع تينا😘✨
المهم لايفترقون واجد كل ما اجتمعوا ضحكهم اكثر 😂
اما الحين حلو اداماس وسافيروس لحالهم عشان المونتات✨✨✨✨
التعليقات لهذا الفصل " 27"