أغمضت أداماس عينيها بإحكام. بينما تسلّل الرمل الخشن عبر شفتيها ولا مس أنفها.
‘خانق….هل سافيروس بخير؟ هل كان هذا حقًا الخيار الصائب؟’
وفي اللحظة ذاتها التي تكدّست فيها الهواجس، انخسفت الأرض تحت قدميها فجأة. فارتعبت أداماس وأخذت تتخبّط.
“آآآآه!”
“أم….هناك….”
“أوهه….هِغ…”
“مـ، ماس، لا تتخبّطي. يمكنكِ فتح عينيكِ الآن.”
“هـ….هـم؟”
فتحت أداماس عينيها على مضضٍ استجابةً لكلام سافيروس. و رأته يسند خصرها بإحكامٍ ويرفعها بثبات.
كانا أداماس وسافيروس يهبطان ببطءٍ في الهواء. و داعب نسيمٌ منعش رأسها. كانت تلك قوة بانثيون.
“نزولٌ صاخبٌ حقًا.”
ما إن لامست قدما سافيروس وأداماس الأرض حتى قال بانثيون ذلك بنبرةٍ لا تخلو من السخرية.
“كح….شكرًا لكَ، بانثيون.”
شعرت أداماس بالحرج لأنها نزلت وهي بين ذراعي سافيروس، فتمتمت بشكرها بهدوء.
“لم أكن أعلم بوجود مكانٍ كهذا.”
“ولا أنا.”
شعرت أداماس براحةٍ خفيفة، لكن مرارةً تسللت إلى حلقها في الوقت نفسه. فإن لم يجدوا شيئًا في استكشاف الصحراء فلن تملك الجرأة لمقابلة الماركيز.
‘لا….لكن ظهور شيءٍ كهذا أيضًا يبعث على القلق….’
“هاهاها. هذا غير متوقّعٍ فعلًا.”
فانطلقت ضحكةٌ جافة من دون قصد.
لم تكن هناك شمسٌ حارقة، ولا رياح تتمايل يمينًا ويسارًا. أعمدةٌ حجرية طويلة وغريبة تقف على أرضٍ صلبة، وخلفها كهفٌ يمتد إلى الداخل.
كان جدار الكهف الداخلي باهتًا، لكنه كان يشع ضوءًا منتظمًا على مسافاتٍ متساوية. كانت أحجارًا مضيئة.
يأتون لاستكشاف الصحراء، فتظهر لهم زنزانة؟ بل مكانٌ لا يمكن تفسيره إلا بأن يد البشر قد امتدت إليه.
مدخل زنزانةٍ تحت الصحراء، دون أدنى فكرةٍ عن وجود مخرجٍ من عدمه.
هل هناك فعلًا ساحرٌ مجنونٌ حقيقي؟ لم تكن مجرد خرافةٍ جوفاء منتشرةٍ في أي إقليم؟
تفقّدت أداماس المكان ببطء. و باستثناء ما حمله الرفاق معهم عالقًا بأجسادهم، لم يكن هناك حتى حفنة رملٍ واحدة.
ى أشار ستيفان إلى السقف المعتم.
“سقطتما فجأةً من هناك تقريبًا.”
وعند كلمات يتيفان، أخرج بانثيون خنجرًا من بين ثيابه.
كاااخ!
انطلق الخنجر، معزّزًا بقوة سيلف، فأصاب هدفه بدقة وانغرس في السقف مُحدثًا دويًا عاليًا.
و حدّق بانثيون في السقف مليًّا، ثم لوّح بيده بضجرٍ وانتزع الخنجر المغروس.
وبينما كان ينظر بالتناوب إلى السلاح في يده والسقف، أمال رأسه باستغراب.
“غريب.”
وهو ينظر إلى سقفٍ سليم لا يحمل حتى أثر خدش، سأل بانثيون ستيفان.
“أنت متأكدٌ أن المكان هناك صحيح؟”
“ألم ترَ بنفسكَ نزول ذلك الثنائي؟ أتقول الآن أنني مخطئ؟”
“كفى، أنتما الاثنان. يبدو أن الفتحة لا تُفتح من الداخل على أي حال.”
تدخلت فيرفيتينا لتهدئة الأخوين حين شرعا في الجدال حول المدخل المريب.
“إذًا ليس أمامنا سوى طريقٍ واحد.”
أخرج سافيروس من حقيبته أداة إشعال الشعلة. و وقفت أداماس إلى جانبه وأشعلت الفتيل بهدوءٍ باستخدام السحر.
“يبدو كهفًا تحت الصحراء، ومع ذلك تشتعل النار بسهولةٍ ونتنفس براحة. هذا يعني أن هناك فتحات تهويةٍ بالتأكيد. وبما أننا لا نستطيع الخروج عبر السقف، فلندخل إلى الداخل أولًا.”
عند طرح سافيروس لرأيه، ردّت فيرفيتينا بملامح متوجسة.
“لا يعجبني الأمر….كأن المكان يستدرجنا للدخول.”
“فلنصمد قليلًا فقط، تينا.”
قالت أداماس ذلك وهي تنظر إليها، فهزّت فيرفيتينا رأسها موافقة.
“حسنًا، لنتحرك جميعًا إلى الداخل.”
نادَت أداماس على الرفاق. وبينما كانت تصلح حقيبتها وتسير ببطء، رفعت في داخلها أمنيةً صغيرة.
‘أتمنى أن يكون هناك مخرجٌ واضحٌ إلى الخارج. و أتمنى أن يتحمّل سافيروس الأمر.’
تنهدت، ثم اقتربت أكثر من جانب سافيروس وسألته بصوتٍ خافت.
“هل أنتَ بخير؟”
“هم؟ ماذا تقصدين؟”
أجابها سافيروس وهو ينظر في عينيها.
“لا شيء….نحن في كهف. وأنتَ لا تحب الأماكن الضيقة، أليس كذلك؟”
همست أداماس قرب أذنه.
“….حتى الآن، لا بأس.”
و يبدو أن الريح دخلت أذنه فداعبته بحكّةٍ خفيفة، فقبض سافيروس على أذنه وهمس لأداماس.
‘هل هو بخيرٍ حقًا؟’
حتى الآن، وبمجرد أن ترى احمرار وجهه الخفيف، يبدو أن حالته الجسدية ليست جيدة.
“أنتَ متأكدٌ فعلًا أنكَ بخير؟”
“نعم. سأكون بخير. المكان هنا مضيء.”
قال سافيروس ذلك وهو ينظر إلى أحجار الإضاءة المثبتة في الجدران على مسافاتٍ منتظمة.
سبق له أن فقد وعيه في أحد المناجم عندما ذهب للبحث عن حجرٍ سحري. ولم يكن إغماءً عاديًا. بل صاحبه فرط تنفّسٍ ونوبة رهاب الأماكن المغلقة، حتى أنه أظهر سلوكًا مؤذيًا للنفس.
وعند سماعها تأكيد سافيروس أنه بخير، رفعت أداماس زاوية شفتيها بابتسامةٍ قسرية.
‘ليتكَ تقول ما يمكن الوثوق به.’
لم يكن من السهل على أداماس تصديق كلماته كما هي. فهي تعرف جيدًا، من تجاربها السابقة، مدى قدرته على التحمّل والصبر.
ثم أخذت أداماس تمسح المكان بنظرةٍ سريعة.
أكبر اختلافٍ بين هذا المكان والمنجم كان واضحًا. هنا، لا يوجد طريق تراجع. حتى لو أصيب سافيروس بنوبةٍ وسقط أرضًا، فلن يعرفوا طريق الخروج فورًا.
لا أحد يعلم ما الذي ينتظرهم في الأمام، لكن لا خيار سوى التقدّم. وإن أغمي على سافيروس في هذا الوضع….
ألن يبقى سوى خيارٍ واحد؟ تحطيم الأوبال الأسود، مع الاستعداد للموت؟
مرّرت أداماس أصابعها على القرط المعلّق في أذنها اليسرى، وتمنّت في سرّها ألا يأتي يومٌ تضطر فيه لمثل هذا القرار.
وفي تلك اللحظة بالذات.
“إلى أين يجب أن نذهب؟”
ظهر مفترق طرقٍ أمام المجموعة. و توقّف الجميع في أماكنهم، وكلٌّ غارقٌ في أفكاره.
وبعد دقائق قليلة.
“اليسار.”
“إذًا أنا أقول اليمين.”
ما إن أنهى ستيفان كلمته حتى أصرّت أداماس على الاتجاه إلى اليمين.
وبينما كانت تنظر إلى ستيفان الذي رمقها بنظرةٍ حادّة صامتة، وخزت أداماس خصر سافيروس بمرفقها.
“….كح! أ، أنا….أنا أيضًا مع اليمين.”
قال سافيروس ذلك رافعًا يده بهدوء، وهو يمسك خصره، متأثرًا بضربة أداماس القوية.
عندها تدخّل بانثيون بصوتٍ بارد.
“أنا بالطبع مع اليسار. قدرة ستيفان حقيقية. وحدهم الجهلة هم من يشكّكون.”
جهلة؟
‘كما توقّعتُ، هذا الإنسان التعيس لا بد أنه نبيل.’
كم عاش في رفاهيةٍ حتى يتدفّق ازدراؤه للآخرين بهذه الوقاحة؟
“كلامكَ قاسٍ، يا سيد بانثيون. ستيفان، إن كنتَ حقًا من نسل الأسد الذهبي، فهذا يعني أنكَ تملك القدرة نفسها التي امتلكها الإمبراطور الأول شوون، أليس كذلك؟”
“وماذا في ذلك؟”
“أي أنكَ تمتلك تلك القدرة المذكورة في أسطورة تأسيس الإمبراطورية؟”
“كم مرة ستسألين؟ نعم!”
“وهنا تكمن المشكلة! الآن تحديدًا!”
قطّب ستيفان حاجبيه وكأنه لا يفهم عمّا تتحدث.
لكن الحقيقة كانت واضحة. الأخَوان، بانثيون و ستيفان، كانا واثقَين من وجود زنزانةٍ تحت صحراء الرمال، تلك التي لم يكن أحد ليعلم بوجودها.
والسبب؟ ذلك الادعاء غير القابل للتصديق بأن ستيفان من نسل الأسد الذهبي.
شوون، الإمبراطور الأول لإمبراطورية فرانسيس، الذي لُقّب بالأسد الذهبي.
قصة الإخوة الثلاثة، أسود الذهب، كانت حكايةً يعرفها كل مواطنٍ في الإمبراطورية. إذ لم تكن سوى واحدةٍ من تلك القصص القديمة التي يقرؤها الآباء لأطفالهم قبل النوم.
***
كان الإخوة الثلاثة، أسود الذهب ذوو اللِّبدة الجميلة، يحلمون بأن يصبحوا أباطرة.
كانوا يتمنون كل ليلة، وفي يومٍ ما، ظهرت روح،
“سأعقد عقداً مع الأسد الذي يأتي بأثمن ما في هذا العالم.”
وهكذا، انطلق الإخوة الثلاثة في مغامرةٍ بحثًا عن أثمن شيءٍ في الوجود. وفي طريقهم، ظهر أمام الإخوة مفترق طرق.
اختار الأسد الأكبر، وهو أشجعهم، الطريق الأيسر، بينما اختار الأسد الأوسط، وهو أحكمهم، الطريق الأيمن، أما الأسد الأصغر، ولسببٍ غير مفهوم، فلم ينطلق في أي مغامرة، بل بقي واقفًا عند مفترق الطرق، لا يتحرك، ومرت عليه السنين وهو على حاله.
قُصّت مغامرات الأسد الأكبر والأسد الأوسط بأشكال متعددة ونُشرت في كتبٍ كثيرة، لكن نهايتها كانت واحدةً في كل الروايات. فقد ماتا ولم يعودا من مغامرتهما أبدًا.
وبعد زمنٍ طويل جدًا، تعجّبت الروح من تصرّف الأسد الأصغر، فذهبت إليه وسألته،
“لماذا لم تنطلق في مغامرة؟”
فأجاب الأسد الأصغر،
“إنني أحمي أثمن شيء في هذا العالم….وهي الحياة.”
كان الأسد الأصغر قد رأى ببصيرته. رأى أن الروح، لتختبرهم، وضع في طرقهم شجيرات شوك، وحفر نار، ونصَبت صيادين.
انبهرت الروح ببصيرة الأسد الأصغر المذهلة، ويُقال أنها عقدت معه عقداً على مفترق الطرق الذي كان يقف عنده.
وتلك الأرض كانت عاصمة الإمبراطورية، فرانسيسكو.
وهكذا أصبح الأسد الأصغر ملكًا، وكان هو الإمبراطور الأول لإمبراطورية فرانسيس، الملك الأسد شوون.
“إذا كانت قدرة ستيفان حقيقية، فهذا سببٌ إضافي لاختيار الطريق الأيمن. نحن لم نأتِ إلى الصحراء في نزهة. قدرة شوون هي قوةٌ لحماية النفس. وبالتحديد، هي القدرة على تفادي الخطر.”
‘لقد جئنا إلى الصحراء لمعرفة حقيقة الغوليم، ولم يكن لدينا سبب لتجنّب المخاطر.’
مدّت أداماس يدها بهدوء، وأشارت إلى جدار الكهف.
“سنذهب حتمًا لمقابلة الشخص الذي يعلّق هذه الأحجار المضيئة. لا نقاش في الأمر.”
ساد صمتٌ ثقيل.
“إذًا أنا أيضًا مع اليمين. على أي حال، أنا مجرد مرتزقةٍ مأجورة.”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي ترفع يدها ببطء.
ثلاثة مقابل اثنين. ومع اختيار أغلبية الفريق للطريق الأيمن، لم يجد بانثيون بدًا من الاستسلام.
“حسنًا. لنذهب إلى اليمين. لنعمل بذلك. ستيفان.”
ألقى بانثيون نظرةً قصيرة على ستيفان الذي بدا غير راضٍ. فتنهد ستيفان وهزّ رأسه على مضض.
“حسنًا. سنذهب يمينًا. تبا. لكنني سأتقدم الطريق.”
حتى ستيفان، وهو يركل الأرض بعصبية ويقطّب وجهه، لم يكن أمامه خيارٌ سوى الموافقة.
“جيد. إذًا لنتابع التقدّم.”
تحرك الفريق من جديد. و دخلوا الكهف بالترتيب: ستيفان، بانثيون، فيرفيتينا، أداماس، ثم سافيروس.
وبينما كانت أداماس تعقد رباط حذائها، سألت سافيروس بصوتٍ خافت،
“لماذا كنتَ تحدّق في ستيفان منذ قليل؟”
“أشعر أنني أفهم….ولا أفهم في الوقت نفسه.”
أجاب سافيروس وهو يميل رأسه.
“تفهم ماذا؟”
“علاقة هذين الأخوين.”
“هاه؟”
“يبدو أن هناك شيئًا أهم من الدم.”
ابتسم سافيروس بهدوءٍ وهو يهز كتفيه.
‘أهم من الدم؟ هل يوجد شيءٌ كهذا؟ أم لعلّه….’
“….جوهرة؟”
“أنتِ فعلًا.…”
“أمزح، أيها الأحمق.”
أخرجت أداماس لسانها وغمزت، فضحك سافيروس وهو يهز رأسه نافيًا.
“من الأفضل ألا نهتم بهذا الآن. الأهم هو الغولم. المكان مظلم، انتبهي لخطواتكِ.”
“همم.”
بعد نحو ثلاثين دقيقة من السير دون توقف، ظهر أمام أعينهم فراغٌ هائل.
“يشبه ساحةً عامة. لو وُضعت نافورةٌ في الوسط ورشّت روحٌ بعض الماء، لكان المنظر رائعًا، أليس كذلك؟”
قال ستيفان ذاك بسخرية وهو يتأمل المكان الخالي. كان يفرغ انزعاجه من اختيار الطريق الأيمن بناءً على رأي أداماس.
“يا له من تصرّفٍ طفولي. حتى تينا لا تتصرف هكذا، أليس كذلك يا تينا؟”
“آه، صحيح. على أي حال، لا يوجد شيءٌ هنا فعلًا.”
ارتسم على وجه فيرفيتينا الصغير مزيجٌ من خيبة أمل وارتياحٍ في آن واحد، وكأن التوتر الذي شدّها طوال الوقت ترقّبًا لظهور شيءٍ ما قد انفرج دفعةً واحدة.
و كان بانثيون يستند إلى الجدار، يربت على ساقه المصابة بضيق، ويراقب الجميع بصمت.
وحدهما فقط. أداماس وسافيروس وحدهما كانا يتفقدان المساحة الواسعة بعينين يقظتين، مدفوعين بإحساس الواجب بألا يعودا إلى إقطاعية الماركيز خاليي الوفاض.
“هناك….انظر إلى الأعلى، روس.”
في سقف التجويف. كان هناك حجرٌ مضيءٌ ضخم واحد مثبتًا فيه، ينير التجويف بأكمله.
________________________
وناسه اشوا لقوا شي مب على كيفهم يتشكتون على بنتي
والصدق حسبتها اختارت يمين عناد بس طلعت ذكيه ورعتي
المهم احسن شي صاير ان طول الوقت سافيروس جنبها حتى قبل شوي وهم يتشاورون جنب بعض 😔🤏🏻
التعليقات لهذا الفصل " 26"
شكرا على الدفعه