لكن في مثل هذا العمر، وبهذا المستوى من المهارة، أليس من المفترض أن يكون قد تجاوز مجرد الظهور في المناهج القياسية ليصبح اسمه على كل لسانٍ في أرجاء الإمبراطورية؟
حين حدّقت أداماس في بانثيون بنظرةٍ مرتابة، شعر بنظراتها الواضحة فالتفت هو أيضًا إليها.
“ما الأمر، يا آنسة أداماس؟ هل ولد لديكِ فجأةً اهتمامٌ بي؟”
“بانثيون، يبدو أنكَ تعاني من متلازمة الأمير.”
“أمير؟! كيف تقولين كلامًا فظيعًا كهذا!”
تغير وجه بانثيون فجأة، بعد أن كان هادئًا في كل لحظة.
آه، يبدو أن وصفي كان قاسيًا بعض الشيء؟ على ما يبدو هو واثقٌ من وسامته أيضًا….
“ربما كنتُ قاسيةً في كلامي.…”
“آنسة أداماس! إمبراطورية فرانسيس، منذ تأسيسها على يد الإمبراطور الأول شوون، هي إمبراطوريةٌ واجهت كل القوى بقوةٍ لا تلين. أمير؟ هذا إهانةٌ للعائلة الإمبراطورية!”
كانت أداماس على وشك الاعتذار، لولا أسلوب بانثيون المستفز، كأستاذ تاريخٍ بغيض.
“آه، مزعجٌ حقًا. ما أنتَ؟ معلم تاريخ؟ روس، مهما كنتَ وسيمًا، لا تصبح مثله. هذا النوع الذي لا أود أن يكون حتى شريك رقصٍ في حفلةٍ أبدًا.”
“ماذا….ماذا قلتِ، آنسة أداماس؟ الجميع يتوسل إليّ لأرقص معهم.”
“همف! توقف عن مناداتي آنسة. لستَ تسخر فحسب!”
أدارت أداماس رأسها بسرعةٍ نحو سافيروس. وحين التقت عيناها بعينيه، ابتسم لها بهدوء.
آه….لا شيء يهدئ النفس والعقل مثل العيون الزرقاء.
‘نعم، عبقري سيوفنا هو الأفضل.’
“هـ-هيه! آنسة أداماس! لستُ شخصًا يمكن معاملته بهذه الطريقة!”
“يقول هذا شخصٌ قدّم استمارة بطولةٍ مليئةً بالأكاذيب ولا تُعرف هويته!”
رفعت أداماس صوتها باستهزاء، بينما تجاهلت تذمر بانثيون، وابتسمت نحو سافيروس.
“عن أي حديثٍ صاخب تتكلمون؟ أوه، تف تف. ربما كان يجب أن أغوص مرةً أخرى.”
قال ستيفان ذلك وهو ينفض الرمل العالق بجسده، بعد أن نجا بصعوبةٍ من الرمال المتحركة بمساعدة سيلف.
“ماذا تقصد؟”
فسأل سافيروس عابسًا.
“لم يكن شعور الغرق في الرمل، بل شعرتَ أن قدمي ارتفعتا في الهواء للحظة. لولا سيلف لكنتُ غرقت فعلًا.”
“هل تقصد أن هذه الرمال المتحركة ليست عادية؟”
سألت أداماس ستيفان فوراً.
“هذا ما شعرتُ به. ألم تشعري؟”
سأل ستيفان فيرفيتينا. التي كانت تنفض الرمل من بين شعرها بعصبية، فردّت بانزعاج،
“كيف لي أن أعرف؟ هل تظن أنني أسقط في الرمل كل يوم؟”
“اهدئي. الشعور غريبٌ فعلًا. فلنجرب الغوص مرة أخرى.”
“لا. ستيفان. لا يمكننا المجازفة اعتمادًا على مجرد إحساس.”
فاعترضت أداماس.
“آه، حقًا! إن كان هناك شك، فعلينا أن نختبره بأقدامنا. بهذه الجبن، كيف سنكتشف أي شيء؟”
“السلامة أولًا.”
“ومن دون مغامرة، لا مكسب.”
“وإن كانت رمالًا متحركةً حقيقية؟ حين ندرك ذلك سيكون الأوان قد فات!”
تبادل ستيفان وأداماس نظراتٍ حادة.
“نحن سنفعلها. مع سيلف، لن يكون الأمر خطرًا إلى هذا الحد. حتى لو كانت رمالًا متحركة، يمكننا سحب أنفسنا في أي وقت.”
قال بانثيون ذلك بهدوء، رافعًا يده مؤيدًا رأي ستيفان.
“هذا خطيرٌ جدًا. ولسنا متأكدين أصلًا!”
بينما هزّت أداماس رأسها بحزم.
“لا. هذا مؤكد.”
ردّ بانثيون بصوتٍ منخفض.
“إحساس ستيفان لم يخطئ ولو مرةً واحدة.”
“وماذا؟ أيملك عين البصيرة؟ أم يجري في عروقه دم أسد؟”
“نعم. كيف عرفتِ؟ ستيفان من سلالة الأسد.”
“هاه؟ الآن صرتم تستهزئون بي. لو كنتما صامتين لكان أفضل.”
“أنا جاد.”
عقدت أداماس ذراعيها وحدّقت في بانثيون و ستيفان بصمت.
“هيه. لماذا تنظرين إلى الناس بهذه الريبة؟”
قال ستيفان ذلك وهو يهز رأسه بانزعاج.
“سليل أسد؟ في أي عصرٍ نعيش حتى تمرروا مثل هذا الاحتيال العتيق.”
“يا لهذه المرأة! من تتهمين بالاحتيال؟!”
قطّب ستيفان حاجبيه واقترب من أداماس. و في اللحظة نفسها، تقدّم سافيروس ووضع يده على سيفه الطويل، واقفًا أمامها.
“أبعد رمحكَ. قبل أن تفقد رأسكَ.”
“ماذا، أيها الوغد. أتتصرف كفارس؟ لا حاجة للذهاب حتى إقطاعية الماركيز. لنشتبك هنا. لتستعرض قوتكَ لأن أمامكَ امرأة.”
“لنجرب، من الذي يستعرض حقًا؟ على كل حال، الفارس الذي لا يستطيع حماية امرأته، الموت له أشرف.”
حين تبادل الاثنان النظرات القاتلة، تحدّث بانثيون بصوتٍ بارد.
“توقف، ستيفان. يا آنسة أداماس. قد يصعب عليكِ تصديق ذلك، لكن ستيفان حقًا من سلالة الأسد.”
“….حقًا؟”
كان كلامًا يستحيل تصديقه.
“هل تقول إنه يملك عين البصيرة فعلًا؟”
“همف!”
عبّر ستيفان عن شعوره بشخيرٍ ساخر، ومع ذلك، وباعتباره الأخ، امتثل لكلام بانثيون وأدار رمحه إلى خلف ظهره.
الأخ الأكبر ساحر أرواحٍ عليا، والأخ الأصغر أسد؟
ما هذا بحق….من هما هذان الأخوان المريبان؟
***
تبدأ أسطورة تأسيس إمبراطورية فرانسيس بمغامرة الإخوة الثلاثة من الأسود، ولذلك كان شعار العائلة الإمبراطورية هو الأسد الذهبي.
ومن بين الإخوة الثلاثة، كان الأصغر، الأسد شوون، هو من أصبح إمبراطورًا، وهو أول أباطرة إمبراطورية فرانسيس.
كانت قدرة شوون هي البصيرة. وبفضل ذلك، ادّعت كل الفِرق التي نصّبت نفسها عرّافين للإمبراطورية أنها الوريثة الحقيقية للأسد الذهبي.
لكن….هل يعقل أن يكون المبارز ذو الذراع الواحدة في الحقيقة يملك البصيرة؟
‘آه، الأمر يزداد ريبةً أكثر فأكثر….ومع ذلك، لا يمكنني التراجع الآن.’
نظرت أداماس مرةً إلى سافيروس، ومرةً إلى فيرفيتينا. فلم يكن معلومًا متى ستتاح فرصةٌ أخرى لعبور الصحراء بهذا التشكيل.
‘آه، حسنًا. أفضل من العودة إلى إقطاعية الماركيز خاليي الوفاض، أن نجرب فعل أي شيء.’
“….إذًا، أرجوكَ. ستيفان.”
من الأفضل التخلص من الشكوك سريعًا.
و طالما أن الأخوين سيستخدمان قدراتهما بنشاطٍ للمساعدة في الاستكشاف، فما الداعي للرفض؟
“حسنًا، اربطوا الحبل حول خصري.”
لفّ ستيفان الحبل حول خصره، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
“إذًا، أنطلق.”
رافعًا رمحه عاليًا فوق رأسه، بدأ ستيفان يتقدم ببطءٍ نحو الرمال المتحركة المشؤومة.
ومن مسافة، راقب بانثيون ستيفان وهو يستدعي سيلف تحسبًا لأي طارئ.
ولمنع أي خطرٍ محتمل، أمسك الثلاثة الآخرون بالحبل بإحكام.
سسس….
ومع صدور الصوت، بدأ الرمل تحت قدمي ستيفان يهبط بسرعة.
فمال سافيروس برأسه متعجبًا من الاهتزاز الخفيف، لكنه المنتظم، الذي انتقل عبر الحبل.
“إنه غريبٌ فعلًا.”
“ما الغريب، روس؟”
“لا أدري تحديدًا، لكنه يُسحب بسرعةٍ منتظمة أكثر من اللازم.”
“حقاً؟”
وبعد سماع كلام سافيروس، راحت أداماس تراقب قدمي ستيفان بصمت. و في لحظة، تجاوز الرمل خصر ستيفان ووصل إلى عنقه.
“لا يمكن الاستمرار. سنسحبه.”
“لا. انتظروا حتى يغمر هذا الرمح بالكامل.”
كان ستيفان من أوقف سافيروس وهو يحاول سحب الحبل. ومد ذراعه اليسرى إلى أعلى أكثر.
كان في صوته الحازم يقينٌ مطلقٌ بأنه لم يخطئ.
“ماس، هل هذا آمنٌ فعلًا؟”
سألت فيرفيتينا وهي ترتجف قلقًا، ممسكةً بطرف الحبل.
“سيكون بخير. تينا.”
هدّأت أداماس فيرفيتينا، وشدت الحبل بلفّه مرتين إضافيتين.
“هووف.”
أخذ ستيفان نفسًا عميقًا، وفي اللحظة نفسها غاص وجهه في الرمل.
وعندما رأت أداماس شعره الأشقر المتسخ يُسحب بسرعةٍ إلى داخل الرمل، عضّت شفتها دون أن تشعر.
لم يبقَ خارج الرمل سوى رمح ستيفان الطويل. وكان ذلك وحده الدليل على أنه لم يفقد وعيه بعد.
سسسخ―.
لم تستطع أداماس حتى مسح العرق عن جبينها، واكتفت بالتحديق في الرمل المبتلع، قابضةً على الحبل بكل قوتها.
رمالٌ تدور بسرعة، ورمحٌ واحد مغروسٌ بثبات. ثم….
“تبًا!!”
“أووه!”
“أوغ.…”
انغرس الرمح المنتصب بثباتٍ فجأة إلى الأسفل دفعةً واحدة، وفي اللحظة نفسها سقط من كانوا يمسكون بالحبل على الأرض سقوطًا مدويًا.
“ما هذا؟ لماذا فجأة!”
نهضت أداماس بسرعة وأخذت تتفحص المكان من حولها.
“تس. يبدو أنه لا مفر من النزول فعليًا.”
قال سافيروس ذلك وهو يمد طرف الحبل المقطوع قطعًا نظيفًا.
“آه، صحيح. هذا بالتأكيد من فعل ستيفان.”
وافق بانثيون كلام سافيروس.
في حالة غمر الجسد بالكامل في الرمال المتحركة، يستحيل التلويح برمحٍ طويل لقطع الحبل.
إذًا فالجواب واحد. تحت الرمال، توجد مساحةٌ كافية تمكّن ستيفان من تحريك رمحه. وقد أثبت ذلك بقطع طرف الحبل بنفسه.
“يبدو أن هناك شيئًا ما في الأسفل.”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي تُخرج من حقيبتها عدة مناشف رفيعةٍ وطويلة، فتسلّم الجميع منها ولفّوها بإحكامٍ حول أفواههم وأنوفهم.
“هيا، لننطلق.”
مع أمر سافيروس، تقدم بانثيون وفيرفيتينا نحو الرمال المتحركة.
“ستلحقان بنا قريبًا، أليس كذلك؟”
“بالطبع. لا تقلقي يا تينا.”
قالت أداماس ذلك مطمئنةً فيرفييتينا التي كانت تنظر حولها بقلق. وسرعان ما ابتلعت الرمال المتحركة بانثيون وفيرفيتينا.
“حان دورنا.”
“أوف….أنا أكره الرمال فعلًا. مجرد تخيّل دخولها في الجسد وصوت احتكاكها يجعلني أرتعب أكثر.”
قالت أداماس ذلى وهي ترتجف، فضحك سافيروس،
“عندما نعود، سأغلي ماءً ساخنًا. اغتسلي أولًا.”
“هاه….أنا أفعل هذا فعلًا بسببكَ.”
أمسكت أداماس بيد سافيروس وسارا ببطءٍ نحو الرمال المتحركة. وحين غاص الرمل حتى خصر أدمااس، لفّ سافيروس ذراعيه حول خصرها دون تردد.
و لم يبقَ سوى العنق خارج الرمال. فاستنشقا نفسًا عميقًا، وتبادلا نظرةً أخيرة.
التعليقات لهذا الفصل " 25"