كانت أداماس تكره الأيام التي تعصف فيها الرياح بشدة.
“آه! دخل الرمل في عيني.”
“هل أنتِ بخير؟ تعالي، سأُخرجها بالنفخ.”
انحنى سافيروس ونفخ برفقٍ في عين أداماس.
“نعم، أظنها أصبحت بخير. لا يمكنني أبدًا أن أتصالح مع الرياح!”
قالت أداماس ذلك بصوتٍ عالٍ متعمد، وهي تنظر إلى بانثيون. كان ذلك تحذيرًا بطريقتها، مفاده أنهم قد تنبهوا لهويته، فلا داعي لأي حركاتٍ طائشة.
فنظر بانثيون إلى أداماس واكتفى بابتسامة هادئة.
كان الطقس صافياً على نحوٍ لافت. الرياح قوية، وأشعة الشمس حارقة. كان ذلك اليوم الأول الذي وطئت فيه أقدامهم الصحراء بلا تردد، يحملون خريطةً قديمة عُلمت وجهتهم باللون الأحمر.
رغم طلب الماركيز أن تتم الحملة الصحراوية بأسرع ما يمكن، كانت هناك مشكلتان.
وبالتحديد، مشكلتان نتجتا عن غياب سافيروس. إدارة تطوير المنجم، وتراجع القوة القتالية في الإقطاعية.
تولى الماركيز بنفسه قيادة أعمال المنجم، فبدون أداماس كان من الصعب التمييز بين الأحجار السحرية والمعادن العادية، لذا تقرر التركيز على الاستخراج فقط.
أما ضعف القوة القتالية، فتمت معالجته بتوظيف مرتزقةٍ مميزين مؤقتًا.
فعلى الرغم من خسارته أمام ستيفان في مسابقة المبارزة، كان المرتزق من الفئة B السيد كوتشيرو، المشهور نسبيًا داخل الإمبراطورية، إلى جانب تيزور روبين الابن الثاني لأسرة الكونت روبين، لا يزالان يقيمان داخل الإقليم.
وقد اعترف الماركيز بمهارتهما، بل كان يفكر حتى في منحهما لقب الفروسية.
تم التكتم قدر الإمكان على انطلاق بعثة الصحراء.
و السبب الأول، احتمال تسلل جاسوسٍ من مملكة روفيانا إلى الإقليم خلال فترة مهرجان الحصاد.
والسبب الثاني، هو عائلة السحرة، كورندم.
حتى الآن، كانت بعثات الصحراء حكرًا على كورندم. و إرسال أشخاصٍ آخرين يعني عمليًا أن الماركيز لا يثق بأتباعه من كورندم.
وفوق ذلك، لم يكن الماركيز يملك بعد القوة الكافية لمواجهة أونيكس وكورندم.
وبفضل ذلك، جرى تغليف إجازة سافيروس على أنها “إجازةٌ مرضية”. مع أن المريضة فعليًا كانت أداماس.
الخطة كانت أن يعتني سافيروس بخطيبته أداماس، التي أصابتها ضربة شمسٍ بعد إرهاقها كحَكَم في مسابقة المبارزة، بكل إخلاص. هذا بالضبط ما أراده الماركيز.
‘آه….الآن لن تقتصر الشائعات على الإقطاعية فحسب، بل ستنتشر خارجها أيضًا.’
هزّت أداماس رأسها بيأس، وهي تنظر إلى أفراد المجموعة.
كانت الرحلة إلى الصحراء منذ بدايتها مختلفةً تمامًا عمّا خُطط له. لم تلحق بهم فيرفيتينا الهاربة من المنزل فحسب، بل أيضًا شخصان غامضان لا تُعرف هويتهما.
‘حسنًا! بما أن الأمر وصل إلى هذا الحد، سأكشف سر الغولِم مهما كلفني الأمر!’
في هذا المكان الذي لا يُرى فيه ما يبعد خطوةً واحدة، لو استطاعت العثور حتى على أثرٍ واحد لذلك الساحر المجنون….فلا بد أن مستقبلًا أخضر زاهيًا سينفتح أمام الإقطاعية!
قبضت أداماس يدها بإحكام.
مستقبلٌ أخضر؟ هراء.
حين رأت سافيروس يتنهد وهو يقارن الخريطة بالتضاريس، أطلقت أداماس شتيمةً مكتومة.
وصلت المجموعة إلى النقطة المحددة على الخريطة، لكنهم لم يعثروا خلال الطريق على أي شيءٍ لافتٍ في الصحراء.
من أين بدأ الخطأ؟ هل كان من الحماقة أن يأتوا إلى هنا اعتمادًا على مجرد أسطورة؟ أم أنهم فوتوا شيئًا في الطريق؟
“ما رأيكَ أن نتابع التقدم قليلًا، روس؟”
عند سؤال أداماس، هزّ سافيروس رأسه نفيًا.
“لن يكون لذلك نهاية.”
في الحقيقة، لم يكن هذا المكان نهاية الصحراء بالضبط. فبحر الرمال الممتد أمامهم ظل شاسعًا.
لكن الوقت المتاح لهم كان محدودًا. كانوا قد اتفقوا مع الماركيز على الاكتفاء بالوصول إلى هذا الحد فقط.
“لنعد من هنا. حتى كورندم لم يسبق له أن توغل أبعد من هذا.”
قال سافيروس ذلك بنبرةٍ هادئة متعمدة، وهو يعيد الخريطة إلى صدره.
‘أيعقل أنه لم يكن هناك شيءٌ فعلًا، كما قال كورندم؟’
لم تستطع أداماس كبح غضبها، فركلت الرمال بقوة.
“تباً! آه.…!”
“ما بكِ؟ ماس، هل تأذيتِ؟”
“مم….كان هناك شيءٌ صلب.”
“كان عليكِ أن تنتبهي. دعيني أرى.”
فجثا سافيروس محاولًا نزع حذاء أداماس.
“لا داعي. إن نزعته هنا سيدخل الرمل أكثر.”
“قد يكون هناك نزيف.”
“لا بأس.”
“مع ذلك، لننزعه مرةً واحدة.”
ى حين التقت أداماس بعيني سافيروس الزرقاوين وهو ينظر إليها من وضعٍ منخفض، شعرت بحرجٍ غامض.
“يمكنكِ أن تضغطي بقوة.”
قال سافيروس ذلك وهو يضع حذاء أداماس فوق فخذه القوي.
وسط عاصفة الرمال، وصل صوته المنخفض والناعم بوضوح. و تذكرت أداماس صوته الخشن غير المنضبط حين كان يصرخ عند نهر بارانغ،
“ألا تشعر أنكَ لطيفٌ أكثر من اللازم مؤخرًا، بلا سبب؟ هذا جريمة، أتعلم؟”
“أنا أحيانًا….لا، بصراحة غالبًا، لا أفهم ما الذي تتحدثين عنه.”
فسحبت أداماس قدمها بسرعة.
“يا لكَ من مستفز!”
و ركلت بقدمها منزعجةً من تصرّف سافيروس، لتصطدم مرةً أخرى بذلك الحجر الصلب نفسه.
“آآخ! أغضبني هذا! ما هذا بحق!”
“لا أدري إن كنتِ ذكيةً أم العكس.”
انحنى سافيروس وحفر بيده عند موضع قدم أداماس. و ما ظهر من تحت الرمل كان حجرًا بحجم قبضة اليد.
“هاه؟ أوه!”
“حجرٌ غريبٌ الشكل. يشبه ثمرة الصنوبر.”
“ثمرة صنوبر؟ سافيروس، عليكَ أن تطوّر ذائقتكَ الجمالية. هذه وردة.”
“ماذا؟ هذا؟”
ابتسمت أداماس بهدوء، ثم أخذت الحجر من سافيروس ووضعته في حقيبتها.
“إنه ثقيل، اتركيه. سنمشي طويلًا في طريق العودة.”
“لا أريد.”
هزّت أداماس رأسها بخفة. فقطّب سافيروس حاجبيه، ثم مدّ حقيبته في صمت.
“إذًا أعطيني إياه. إنه ثقيل.”
“قلت لكَ، هذه وردة. ولن يكون لها معنى إلا إذا احتفظتُ بها أنا.”
ثم همست أداماس بهدوء.
“شكرًا….لأنكَ أهديتني زهرة.”
و احتضنت حقيبتها كما لو كانت طفلًا رضيعًا، وابتسمت.
“….أم، هل انتهيتما من الحديث؟”
“آه، تينا. ما الأمر؟”
“لا، ليس هناك أمرٌ بعينه….لكنكما متقاربين ولطيفين جدًا لدرجة يصعب معها مقاطعتكما.”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي تدير نظرها بعيدًا، وكأنها لا تحتمل المشهد.
“صحيح. من الركوع إلى تقديم حجرٍ كهدية مع الشكر. هل أنتما بكامل وعيكما؟ أيمكنكما اختيار زمانٍ ومكانٍ آخرين لبروفة الزفاف؟”
ثم سخر ستيفان بتهكّمٍ لاذع.
“ما هذا؟ ألا يعني ذلك أنكما متزوجان بالفعل؟”
و تدخّل بانثيون في الحديث هذه المرة.
“هيه، يا أخي. كم عمرهما أصلًا حتى يتزوجا؟”
“لكن، ذلك الخاتم ليس شيئًا يرتديه الأزواج العاديون. ظننته خاتم زواجٍ حتمًا.”
وأشار بانثيون إلى الخاتمين في يدي سافيروس وأداماس.
“آه، هذا أعرفه أنا أيضًا! إنه خاتم الزمرد، رمز بيت الماركيز!”
صفّقت فيرفيتينا بحماس، وعيناها تتلألآن.
وكما قالوا، كان سافيروس وأداماس يرتديان الخاتم نفسه. الخاتم الذي لبسه سافيروس منذ مسابقة المبارزة ولم يتمكن بعد من إعادته إلى الماركيز.
“….مانو.”
تمتم بانثيون بهدوءٍ وهو ينظر إلى الخاتم.
“آه، نعم. مانو الأخضر. هل تعرف الأحجار الكريمة جيدًا؟”
‘ما هذا؟ هذا المحتال الوقح….هل يعرف الأحجار فعلًا ربما لديه جانب لا بأس به!’
قالت أداماس ذلك لنفسها وعيناها تلمعان.
“إذًا، هذا الخاتم ليس خاتم زواج، صحيح؟”
“آه، نعم. بالطبع. لماذا تسأل فجأة؟”
“لا شيء. مجرد فضول. لنعد إلى الإقطاعية.”
بدلًا من الإجابة مباشرة، طرح بانثيون سؤالًا غريبًا، ثم استدار مبتسمًا ابتسامةً ماكرة. عندها رفعت أداماس إصبعها بهدوءٍ خلف ظهره.
كان الإصبع الأوسط من يدها اليمنى، حيث يتلألأ خاتم الزمرد.
و سواءً لاحظ ذلك أم لا، كان بانثيون قد أنهى استعداداته للعودة مع المجموعة.
“لنعد.”
“نعم.”
أمام إلحاح سافيروس الحنون، لم تجد أداماس بدًّا من أن تدير خطاها وتعود.
وأثناء سيرهم نحو إقطاعية الماركيز، ظلت أداماس تلتفت مرارًا إلى السهل الرملي الممتد بلا نهاية.
وكأن سافيروس يفهم ما يجول في خاطرها تمامًا، لفّ ذراعه بهدوءٍ حول كتفها.
***
كانت رمالًا متحركة. تحت قدمي ستيفان، كانت الرمال الغارقة تبتلعه بسرعةٍ مخيفة.
“أووه!”
أول من تحرّك كانت فيرفيتينا التي كانت تسير إلى جواره. اختطفت رمحه الطويل بسرعة، لكن في اللحظة نفسها انهارت الرمال تحت قدميها وغاصت هي الأخرى.
وهكذا، تمّ سقوط اثنين من أفراد المجموعة في الرمال المتحركة وهم يتخبطون بلا حول.
“لا تفزع وانتظر. ستيفان.”
قال بانثيون ذلك وهو يرى ستيفان وفيرفيتينا يغوصان بسرعة.
وبعد ثوانٍ قليلة، انطلقت من فمه أصواتٌ لا يمكن فهم معناها. و تحولت الأصوات إلى كلمات، والكلمات إلى أسماء، والأسماء إلى نشيد.
نشيدٌ لا يستطيع غير المتعاقدين حتى أن يستوعبوا معناه عند سماعه.
سِسِسِسِس―.
ومع ريح ٍباردة تختلف كليًا عن هواء الصحراء الخانق، هبطت امرأةٌ صغيرة جميلة برفقٍ على كتف بانثيون.
جمالٌ غير بشري لا يمكن لأي كلمةٍ أو لغة إنسانية أن تصفه.
وما إن أشارت بيدها حتى ارتفعت أجساد ستيفان وفيرفيتينا في الهواء.
“شكرًا لكِ. سيلف.”
قال بانثيون ذلك وهو يربّت على شعر سيلف الذهبي شبه الشفاف.
الفارس الأعرج بانثيون. حقيقته كانت أنه متعاقدٌ مع روح الرياح العليا، سيلف.
“إذًا كان فعلًا مستدعي أرواح.”
“نعم. لا يمكن لتلك السرعة في المبارزة، التي لا تكاد تُرى رغم قدمه المصابة، إلا أن تكون لمن تعاقد مع روح الرياح.”
ذلك الرجل….كان عمره اثنين وعشرين عامًا، أليس كذلك؟ لو كان يتحكم بقوة الرياح بهذه المهارة، فلا بد أنه عقد العقد منذ طفولته المبكرة….
حتى في المستقبل، لم تكن أداماس تعرف مستدعي أرواحٍ بهذه الدرجة من التفوق.
“حقًا….بهذا المستوى، لن تكون قدمه المصابة مشكلةً كبيرة.”
قال سافيروس ذلك بإعجابٍ صادق، وقد لمع بريقٌ في عينيه.
“ماذا؟ هل تريد أن تجرّب القتال مع بانثيون أيضًا؟”
“لم أقاتل مستدعي أرواح من قبل. لا أنكر أنني مهتم.”
“حسنًا. إذًا هذا أفضل.”
“في مثل هذه اللحظات، أراكِ ذكيةً فعلًا.”
قال سافيروس ذلك وهو ينظر إلى أداماس بدهشة صادقة.
“همف. يبدو أنكَ تكتشف قيمة هذه الآنسة الموهوبة شيئًا فشيئًا، يا سافيروس.”
التعليقات لهذا الفصل " 24"