تفاجأوا، وحين دققوا النظر رأوا امرأةً تتسلق الجبل وهي تئن، تحمل على ظهرها حقيبةً يزيد حجمها على جسدها بمرتين.
“أونيكس فريفيتينا!”
“أه؟ يبدو أن هذا ليس الطريق. عذرًا، واصلوا ما كنتم تفعلونه.”
قالت فريفيتينا ذلك وهي تتراجع إلى الخلف، وفي تلك اللحظة خيّم صمتٌ ثقيل على المكان.
“عفوًا، أسأل فقط للاحتياط….هل غادرتِ القصر؟ يا آنسة أونيكس؟”
سألتها أداماس بحذر.
“لا….لا. آه، لا. لم أغادر.”
قالت “لا” بوضوح. إذًا هو هروبٌ فعلًا! يا أختاه!
“ألن تغادري من بوابة قلعة مانو، بل عبر الجبل؟”
“لا، ولماذا أتسلق جبلًا أصلًا؟ هذا….هذه نزهةٌ فقط. نزهة! آه، ما أطيب الهواء.”
“وأنتِ تحملين كل هذا الحمل الثقيل؟”
تاهت عينا فريفيتينا وبدأتا تهتزان بسرعة. فاقتربت أداماس منها ببطء، وهي في حيرةٍ لا تدري ما تفعل.
“آنسة أونيكس، تفضلي واشربي كوب شايٍ قبل أن تذهبي.”
“لا، أنا في طريقي إلى.…”
“قلتِ أنها نزهة. اجلسي قليلًا ثم اذهبي. هيا، لندخل.”
‘تعالي، تعالي. سأستثنيكِ أنتِ فقط ولن أقدم لك ماء حبوب الصحراء الذي مرّ عليه يومان.’
أمسكت أداماس بيد فريفيتينا على عجل، واقتادتها نحو الكوخ.
“حسنًا، إلى هنا يكفي. بما أن الأخت الجميلة جاءت ضيفة، فعلى سافيروس أن يكرم ضيفته. أما الإخوة الوسيمون، فتفضلوا بالعودة.”
وعند التفكير بالأمر، أي نزالٍ هذا أصلًا؟ لا يمكنني ترك سافيروس يتقاتل مع رجالٍ مريبين كهؤلاء. الأفضل طردهم.
عند كلام أداماس، عقد الرجال الثلاثة حواجبهم وأعادوا سيوفهم بهدوءٍ إلى أغمادها.
أما بانثيون، فارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة، كأنه لم يُحرج قط.
“يا لسوء الحظ.”
“ماذا؟”
“هل سمعتِ يا آنسة أونيكس؟ لا بأس، لم أكن أقصدكِ بالكلام.”
ابتسمت أداماس وهي تُدخل ملكة المرتزقة المستقبلية إلى الكوخ.
القاعدة الأساسية لإنقاذ الإقطاعية. إذا كنتَ من المستقبل، فاستقطاب المواهب هو الأساس.
***
“سافيروس، قدّم شايًا أسود للآنسة أونيكس.”
“هيه، نحن شربنا ماء فولٍ فاسد، فلماذا تحصل هي على شاي أسود؟”
“اصمتوا. أنا أفكر، فالتزموا الهدوء.”
أونيكس فريفيتينا. حتى وقتٍ قريب، كانت أداماس تظن أن هذه المرأة ليست سوى حبيبة سافيروس.
لكن الحقيقة كانت مختلفةً تمامًا.
سنة 620 من التقويم الإمبراطوري. بعد موت سافيروس، بدأ الصراع الحقيقي على السلطة بين والدها، الذي كان تابعًا، و المتركيز مانو.
وكانت الضحية فتاةٌ في الخامسة عشرة من عمرها، أونيكس فريفيتينا.
كان للفتاة حلمٌ أيضًا. أن تسلك طريق المبارزين. وفي سبتمبر من العام نفسه، شاركت في مسابقة المبارزة ضمن مهرجان حصاد الإقطاعية.
قال بانثيون و ستيفان أنهما قدما من العاصمة فقط لرؤية سافيروس، لذا لو مات سافيروس، فمن المرجح أنهما لم يشاركا في المسابقة في التاريخ الحقيقي.
وحتى لو شاركا، فبما أنهما لم يكونا يسعيان للفوز كما الآن، فمن المحتمل أنهما انسحبا في منتصف الطريق، ما يعني أن أونيكس فريفيتينا كانت، دون شك، الفائزة بالمسابقة حتى في الماضي.
ثم كان والدها، أونيكس روميل، قد ألغى فوزها. وفي النهاية، لا بد أنها اختارت الهرب، تمامًا كما الآن.
نعم. هذا هو الجواب.
هكذا فقط يمكن أن تتقاطع حياة ملكة المرتزقة نيكستينا التي تعرفها أداماس، مع حياة الفتاة ذات الخمسة عشر عامًا، أونيكس فريفيتينا.
كان ذلك في السنة الأولى من الأكاديمية، حين تعرّفت أداماس على ملكة المرتزقة نيكستينا.
حتى ذلك الحين، كانت تعيش وهي تعتقد أن “أفضل مبارز في العالم هو سافيروس بلا نقاش”.
لكن المؤسف أن سافيروس لم يكن مبارزًا معترفًا به في الإمبراطورية. فكلما ذكرت أداماس اسم سافيروس، قوبلت بنظراتٍ تُعاملها كساحرةٍ جاهلة لا تفهم شيئًا.
وكان هناك من يقول: “سافيروس؟ من هذا؟”
كانت الأكاديمية، في النهاية، حياةً اجتماعية أيضًا. وكان على أداماس أن تجد جوابًا مناسبًا حين تُسأل: “هل لديك مبارزٌ مفضل؟”
وهكذا اكتشفت سيرة نيكستينا الذاتية. وفي الوقت نفسه، اعترفت لنفسها: نعم، هي لا تعرف المبارزين حقًا.
أصغر عضو وأول امرأةٍ تتولى منصب زعيمة نقابة “الذئب ذو الشعر الأسود”، إحدى أشهر النقابات في الإمبراطورية، والوحيدة في التاريخ، والتي نالت في سن الخامسة والثلاثين لقب أول ملكة مرتزقةٍ في تاريخ الإمبراطورية.
كيف لي ألا أعرف نيكستينا حتى بلغتُ الثالثة عشرة؟ وهي امرأةٌ عاشت حتى قبل أربعين عامًا فقط!
قرأت أداماس سيرتها الذاتية أكثر من ثلاث مرات.
قصة ذهابها إلى مستنقعات لويزينو لجلب دموع التماسيح، لتفقد هناك حذاءها الجديد الثمين، وقصتها حين شاركت كمرتزقةٍ في حملة إبادة وحوشٍ بدوقية شفايرن، ولم تستحم لثلاثة أشهر….
كانت سيرة نيكستينا مضحكةً أحيانًا، ومؤلمةً أحيانًا أخرى.
وكان مؤكدًا أن نيكستينا تركت في آخر صفحات سيرتها الذاتية هذه الكلمات.
[أكثر مكانٍ أشتاق إليه هو الوطن. أردتُ العودة، لكنني لم أستطع.]
الآن فقط فهم أداماس معنى هذه الكلمات.
في الخامسة عشرة من عمرها، اختارت هي طريق السيف، وغادرت مانو بإرادتها.
وبعد أقل من ثلاث سنوات على مغادرتها مانو. لا بد أنها سمعت في أرضٍ غريبة خبر احتلال إقطاعية مانو على يد مملكة لوبيانا.
كان ذلك في العام الذي بلغت فيه الثامنة عشرة. اختفى كل من يحمل اسم أونيكس مع الإقطاعية، ولم يبقَ سوى هي وحدها، لأنها تركت أونيكس خلفها وحملت السيف.
نظرت أداماس بهدوءٍ إلى سافيروس مرةً واحدة.
عيناه الزرقاوان الصافيتان، الثابتتان دون اهتزاز، كانتا تمنحانها في كل لحظةٍ يقينًا قويًا.
حين رآها سافيروس لأول مرة، قال: “حتى لو كنتِ أونيكس، فأنتِ من أهل مانو، ولهذا يجب حمايتكِ.”
والآن، صارت أداماس تحمل الشعور ذاته. ولعل السبب الذي جاء بها إلى هذا المكان لم يكن مختلفًا.
كانت تريد إنقاذ أهل مانو. أكبر عدد ممكن منهم.
ولهذا يا نيكستينا….ربما كنتِ أنتِ أيضًا واحدةً مما يجب عليّ حمايته….
“آنسة أونيكس! سأقوم بتوظيفكِ!”
“كحّ— ماذا؟ هاه؟”
نفثت فريفيتينا الشاي الأسود الذي كانت تشربه بقوةٍ، ليصيب وجه ستيفان الجالس قبالتها باسترخاء.
“آه، أعتذر! أنا آسفة!”
فقالت فريفيتينا ذلك مرتبكة.
“أوووه، آنسة أونيكس. تصويبٌ رائع!”
“ماذا؟ رائع؟ ما بها هذه المرأة الغريبة حقًا! هيه، ألن توقفها؟”
لم يستطع ستيفان أن يشتم فريفيتينا الصغيرة، فصبّ غضبه على أداماس وسافيروس.
“أداماس غريبة الأطوار قليلًا فقط. ليست شخصًا سيئًا.”
قال سافيروس ذلك مدافعًا دفاعًا لا ينفع.
وفي تلك الأثناء، ضحك بانثيون بوجهٍ مليءٍ بالدهشة.
بينما بذلت أداماس قصارى جهده لإقناع ملكة المرتزقة المستقبلية.
“حتى لو غادرتِ الإقطاعية الآن، فأنتِ ما زلتِ صغيرة السن يا آنسة أونيكس. ما رأيكِ أن تُوظفي كمرتزقةٍ لدينا أولًا؟”
قالت ذلك وهي تجذب سافيروس الواقف إلى جوارها حتى صار ملاصقًا لها.
“أنا….مرتزقة؟”
“نعم. نحن على وشك التوجه إلى الصحراء قريبًا. ما رأيكِ؟”
“همم.…”
“العالم ليس سهلًا على فتاةٍ في الخامسة عشرة، أليس كذلك؟ بوهوو.”
“ألا يبدو هذا بكاءً مصطنعًا جدًا؟”
“اصمت قليلًا يا سيد ستيفان! آنسة أونيكس، هل أخذتِ معكِ الكثير من المال؟”
“المال.…”
ألقت فريفيتينا نظرةً على الحقيبة الضخمة التي أحضرتها معها.
آه، صحيح. الحقيبة كبيرة. هذا مزعج.
“حـ….حتى لو أخذتِ الكثير، سينفذ سريعًا. وستحتاجين إلى العمل، وكما تعلمين، إيجاد عملٍ هذه الأيام ليس سهلًا.”
“في العاصمة، الوظائف كثيرة.”
تدخل ستيفان فرمقته أداماس وأكملت.
“آنسة، لن تستمعي إلى حديث أشخاصٍ مريبين لا يُعرف أصلهم، أليس كذلك؟ لا تصغي إليهم. هل تعلمين كم أهل العاصمة قساة؟ العاصمة ليست مكانًا يصلح للعيش.”
“أ….أحقًا؟”
“ما هذا الهراء؟ هذه المرأة غريبةٌ فعلًا. هل العاصمة وكر وحوش؟ ثلث إمبراطورية فرانسيس يعيش هناك. يا آنسة، لا تبقي في هذه القرية النائية، اذهبي إلى العاصمة.”
و لم يتوقف ستيفان.
هذا الأحمق فعلًا! أيجرؤ على سكب ماء الفول الفاسد على مشروع إعادة بناء الإقطاعية، مشروع العمر هذا!
“وجهكَ متكلفٌ ومقرف. توقف عن إثارة الفوضى واغرب عن هنا فورًا.”
همست أداماس من بين أسنانها موجهةً كلامها لستيفان.
“مقرف؟ ماذا؟ هل قلتُ شيئًا خاطئًا؟ لا تحاولي خداعها لأنها صغيرة. إنها امرأةٌ قررت أخيرًا أن تسعى خلف حلمها.”
“هل تعرف كم هو خطيرٌ أن تعيش فتاةٌ صغيرة وحدها في العاصمة؟”
“وكيف لكِ أن تعرفي ذلك!”
‘لأنني عشت وحدي، لهذا أعرف!’
تذكّرت أداماس تلك الأيام التي فقدت فيها والدها دوس واضطرت إلى شقّ طريقها وحيدًا في هذا العالم.
بل إن فريفيتينا كانت أصغر سنًا بكثيرٍ مما كان عليه آنذاك.
‘هذان الشقيقان الأشقران البغيضان لا يعرفان شيئًا!’
“همف. يكفي أن تنظروا لتفهموا كل شيء. من الواضح أنهم أبناء بيوت ميسورة يهربون حتى إلى إقطاعية نائية كهذه. اهتموا بأنفسكم فقط. قبل أن ألفّكم في حصيرٍ وأرميكم في نهر باران!”
لا فائدة. قبل إقناع ملكة المرتزقة المستقبلية، يجب أن أطرد هذين الشقيقين من الإقطاعية بأسرع وقت.
“حسنًا، أيها الشقيقان، هلّا تتكرمان بمغادرة بيت سافيروس السعيد الآن؟ بأي وقاحةٍ تدخلان بيت غيركما بهذا الشكل؟ اخرجا فورًا.”
أمام أمر الطرد الصريح من أداماس، تبادل الشقيقان نظرة صامتة. ثم تحدّث بانثيون، بوجهٍ لا يخلو من الوقاحة.
“ألا يمكننا المشاركة في الرحلة إلى الصحراء التي ذكرتِها؟ أضمن لكِ مستوانا.”
“لا. لا يمكن.”
“أليست المجموعة كلما كبرت كان أفضل؟”
“لماذا تلاحقني هكذا؟ هل وقعتَ في حبي؟”
“كلامكِ جارحٌ يا آنسة أداماس.”
“سيد بانثيون، لا تتجهم فقط في مثل هذه اللحظات. هذا مزعج.”
بينما كانا أداماس وبانثيون يتبادلان النظرات الحادة، تجاهلهما ستيفان بلا اكتراث، وأشار إلى سافيروس،
“كفى عن هذا الهراء. عليّ أن أحسم النزال مع هذا الرجل.”
“تعالَ متى شئت.”
بينما كان ستيفان يشير إليه بإصبعه، راح سافيروس يمرر يده بهدوءٍ على غمد سيفه.
“آه، حقًا لا فائدة من الكلام معكم. اخرجوا. قلتُ اخرجوا. غادروا إقطاعية مانو!”
لم تستطع أداماس كبح نفسها، فصرخت بأعلى صوتها. و خيّم الصمت على الكوخ الخشبي المنعزل في عمق الجبل.
وهو يرى وجه أداماس المحمرّ من الغضب، تنهد سافيروس بهدوء.
“….أداماس. تعالي، أريد أن أتحدث معكِ قليلًا.”
_____________________
استدعاء ولي امر؟
اسفه لاداماس بس مابيهم يروحون عاجبتني مناقراتهم ذي 😂
وفيرفيتينا اسمها طويل ماعليها المهم يوم تفلت الشاهي بوجه ستيفان عادي ماضحكت بس كله من اداماس ردودها تعجبني😭
المهم يارب سروحون معهم الصحراء وسافيروس شكله مقتنع شوي عشان كذا شكلهم يبدو واتوقع بيروحون عععههههعععه 🤏🏻
نسيت سافيروس في صف اداماس بس المسكين مايعرف يدافع✨
التعليقات لهذا الفصل " 22"