وصلا أداماس وسافيروس إلى البيت حين كانت الشمس قد مالت بالفعل نحو الغرب.
كان الجو قبيل الغروب في عمق الغابة شاحبًا أكثر من كونه أخضر، وكان البيت باردًا موحشًا، كأنه لم يخلُ ليومٍ واحدٍ فقط.
بانغ! بانغ! صرير صرير-
دخلت أداماس البيت وشرعت في فك أمتعتها، وحين همّت بالجلوس إلى المائدة انتفضت فزعًا من صوتٍ عنيف يهز الباب، فسألت،
“هناك، سافيروس. يبدو أن لدينا ضيفًا؟”
“إنها الرياح.”
“الرياح تُحدث كل هذا الضجيج؟”
صحيحٌ أن الرياح كانت أقوى من المعتاد اليوم، لكن هل يعقل أن تُحدث كل هذا الصخب؟ أليس في ذلك الباب خللٌ ما؟
بانغ! بانغ!-
‘إنه صاخبٌ بشكلٍ مزعج. هل يوجد في هذا البيت شيءٌ سليمٌ أصلًا؟’
هزّت أداماس رأسها يائسةً ثم ارتمت على الكرسي عند المائدة.
كان سافيروس قد دفع رماد الموقد المتراكم إلى أحد الجوانب، ثم ألقى نظرةً عابرة على أداماس الممددة بلا اكتراث.
تحت تلك النظرة، استدعت أداماس شعلةً صغيرة وألقتها بهدوءٍ داخل الموقد.
“هل أنتِ متعبةٌ إلى هذا الحد؟”
“همم. لقد وقفتُ طويلًا أمس.”
“كما توقعت. أنتِ بحاجةٍ إلى تدريب. ما رأيكِ أن تمسكي بالسيف الآن.…”
قال سافيروس ذلك وهو يرفع سيفه الجديد وقد لمع بريقٌ في عينيه.
‘يا رجل، تمهّل. هذا قتلٌ للمدنيين.’
“كفى. ألا يمكنني أن أرتاح اليوم فقط؟ إنه يوم ميلادي.”
“يوم الميلاد لي أنا.”
“لكنني سعيدةٌ بقدر سعادتكَ، فلنعتبره ميلادي أيضًا.”
“ما….ما هذا الكلام المحرج؟ منذ قليلٍ وأنتِ.…”
“هيه، كفى. دعنا نترك هذا. تحدث عمّا قاله المركيز قبل قليل. قال أن الأمر كلما كان أسرع كان أفضل.”
فاحمرّ وجه سافيروس، وتجنّب النظر وهو يجيب.
“يقصد استكشاف الصحراء.”
“آه، صحيح. بالمناسبة، إن لم يكن الغولم قد جاء من الصحراء، فهل يعني هذا أن الأسوار التي بنيناها حتى الآن بلا جدوى؟”
“ليس تمامًا. في الأصل، الجهة الشرقية من إقطاعية الماركيز من للصحراء، ومع تغيّر الفصول تهبّ رياحٌ صحراوية عاتية مرةً كل فترة. حتى لو لم يكن الغولم من الصحراء، فإن السور الشرقي كان يحتاج إلى ترميمٍ بسبب تآكله بالرمال. المشكلة في الارتفاع فقط.”
“الارتفاع؟
“إن لم يكن غولمًا، فلا حاجة لبنائه بهذا الارتفاع.”
“أفهم. وإذا انخفض السور فستنخفض التكاليف أيضًا، وهذا جيد.”
“صحيح. ماذا عنكِ أنتِ؟”
“أنا؟ أستطيع الذهاب حتى غدًا!”
“كنت أعلم أنكِ ستقولين ذلك. هذا يبعث على الطمأنينة أنكِ سترافقينني.”
“أوه، هل بدأ الفارس سافيروس يعترف بقيمتي أخيرًا؟ أبدو كأنني ساحرةٌ بارع، أليس كذلك؟”
قالت أداماس ذلك وهي تهز كتفيها بزهو.
“ليست مسألة مظهر. أنت تمتلكين مهارةً حقيقية. حتى الماركيز يقدّركِ عاليًا.”
و قال سافيروس ذلك بجدية.
“يا….أنتَ….آه.”
كيف تمدح بهذا الإتقان وبوجهٍ وسيمٍ هكذا؟
“اكتشافكِ للمنجم أمرٌ يستحق المديح مئة مرةٍ ولا يكفي.”
“توقف، أرجوكَ.”
‘لا تقل المزيد. أشعر بالخجل!’
“أنتِ عبقرية.”
“أوه، كفى! توقف! أشعر بأن أطرافي تتقلص!”
عبقرية….كلمة لم تسمعها منذ وفاة والدها ولو مرةً واحدة.
مجمع العباقرة. في أكاديمية فرانسيسكو التي درست فيها أداماس، كان هناك عددٌ لا يحصى من العباقرة.
كان لدى أداماس موهبة، نعم، لكنها لم تكن ضمن القدرات السحرية التقليدية، لذلك لم تُوصف بالعبقرية قط خلال دراستها.
شعرت بحرجٍ غامض، فسارعت إلى تغيير الموضوع.
“آه، بخصوص مبارزة الأمس. أولئك الإخوة ما زالوا مريبين.”
ستيفان، مقاتل الرمح والسيف بذراعٍ واحدة، وبانثيون، المبارز الأعرج الذي يعرج بقدمه اليمنى.
“تصرفهم يوحي وكأن لديهم ما يخفونه، لذلك هربوا على عجل.”
“بانثيون تحديدًا. هل رأيتِه من قبل يا أداماس؟ أنا أراه لأول مرة.”
بانغ! بانغ!-
“همم….ليس أول مرة تمامًا، لكن شخصًا بذلك المستوى العالي؟ هذا أول مرةٍ حتى بالنسبة لي. مهلاً، أحقًا هذا صوت الرياح؟ إنه عنيفٌ جدًا!”
“إنها الرياح فعلًا. أو ربما شبح!”
“شـ….شبح؟ لا تقل هذا!”
لا يعقل أن تكون هذه الإقطاعية مسكونةً بالأشباح، أليس كذلك؟
“أتحمّل أي شيءٍ إلا الأشباح!”
قالت أداماس ذلك بصوتٍ جاد، فهزّ سافيروس رأسه نافيًا.
بانغ! بانغ! طق طق-
هذه المرة كان صوت الباب أعلى. فحرّك سافيروس يده اليسرى بهدوءٍ وسحب خنجره.
“انتظر يا سافيروس، لم أكن أتجاهل الحديث عمدًا. لماذا تشهر سلاحكَ؟”
“شش—.”
رفع سافيروس سبابته محذرًا أداماس. عندها فقط فهمت أداماس الوضع، فأمسك بهدوء الخاتم البنفسجي المرصّع بالجمشت في إبهام يدها اليسرى.
تقدّم سافيروس ببطءٍ نحو الباب، والخنجر في يده، ثم أرسل إلى أداماس نظرةً يخبرها أنه سيفتح الباب. فأومأت أداماس برأسها.
وفي اللحظة التي فُتح فيها الباب.
“هاه؟”
“ماذا؟؟”
“ما هذا؟ لماذا الاستقبال في هذا البيت بهذه الفظاظة؟”
كان ستيفان، مقاتل الرمح والسيف ذو الذراع الواحدة، يحمل على كتفه رمحًا أطول من طول أداماس بمرةً ونصف.
“هاها، كيف حالكم؟”
وبابتسامةٍ عريضة، وقف بانثيون، المبارز الأعرج، متكئًا على غمد سيفه كأنه عصا، وكأن ساقه لا تسعفه.
الشخصان اللذان كان من المفترض أنهما غادرا إقطاعية الماركيز، كانا الآن، في هذه اللحظة تحديدًا، يقفان أمام بيت سافيروس.
لماذا هما هنا؟ حتى الشيطان إن ذُكر حضر، فهل سمعا نميمتنا؟ هل جاءَ لأننا كنا نتحدث عنهما؟
“ظننتكما غادرتما إقطاعية مانو.”
قال سافيروس ذلك.
“كما ترى، ساقي غير مريحة، وأخي….آه، ألن تقدم لنا فنجان شاي؟”
حوّل بانثيون الحديث بوقاحةٍ واضحة، ووجهه خالٍ من أي خجل.
ثم تراجع سافيروس خطوةً إلى الخلف بصمت، فانحنى الأخوان انحناءةً خفيفة ودخلا البيت.
آه، هذان الرجلان….ما غايتهما؟ ماذا لو اندلع قتالٌ هنا؟
ستيفان وبانثيون كلاهما ماهران، لكنهما لا يضاهيان سافيروس. غير أن الأمر يختلف إن هاجماه معًا.
هل يستطيع سافيروس الصمود؟ وماذا لو هاجماني أنا أولًا واتخذاني رهينة؟
آه….رأسي يؤلمني. لماذا جاءَ إلى هنا أصلًا؟
“تفضلوا.”
تنحّى سافيروس بهدوءٍ جانبًا عند الباب. بينما أخذت أداماس زفرةً خفية لا يلحظها أحد، ومسحت جبينها مرةً واحدة.
وهكذا بدأ يومٌ آخر في إقطاعية الماركيز، التي لا يمر فيها حتى يومٌ واحد بهدوء.
“اجلسا.”
وضع سافيروس أمامهما ماء حبوب الصحراء في فنجان شايْ متشقق الحافة.
آه، ذاك مغليٌّ منذ يومين.
“اشربا.”
“….ألا يوجد فنجانٌ أفضل من هذا؟”
تجهم وجه بانثيون، الذي كان يبتسم تحت شمس الظهيرة دون انقطاع، بشدة.
“لا يوجد.”
قال سافيروس ذلك وهو يرفع كتفيه بلا مبالاة.
“آه، يا أخي. لم نأتِ من أجل الشاي أصلًا. على أي حال، هذا خانق.”
قال ذلك ستيفان، مقاتل الرمح والسيف ذو الذراع الواحدة، بنبرةٍ منزعجة.
“يا سافيروس، تعال لنتصارع!”
كان استفزازًا صريحًا.
“مهلًا، ما هذا التصرف؟ تأتي فجأةً وتتصرف بلا أدب؟”
“لا بأس، أداماس. هل لديكَ سببٌ لتحديي؟”
سأل سافيروس.
“أي سبب؟ سمعنا أن اسمكَ يتردد في أرجاء الإمبراطورية كلها على أنكَ قوي، فأردتُ أن أختبر ذلك.”
أجاب ستيفان بلهجةٍ مستهترة وهو يحرك قدمه بكسل. عندها عقدت أداماس حاجبيها.
هل حقًا يريد القتال لمجرد أن سافيروس قوي؟
من وجهة نظر أداماس، لم يكن ستيفان يبدو شخصًا يعشق القتال. بل مجرد متصنعٍ لذلك.
لا يمكنها أن تترك سافيروس يقاتل شخصًا مجهول النوايا كهذا.
“إن كان هذا هو السبب، فالأحرى أن نرفض. سافيروس بحاجةٍ إلى الراحة. إنه يوم عطلةٍ نادر.”
وفوق ذلك، اليوم يوم ميلاده.
“لا بأس يا أداماس. سنخرج.”
“حسنًا! ممتاز!”
نهض ستيفان واتجه إلى الخارج، وتبعه بانثيون إلى خارج البيت.
أيُعقل هذا؟ قتالٌ في يوم ميلاده؟
“سافيروس، لا تقاتل. هذان مريبان.”
“أعلم. ولهذا عليّ أن أتحقق من مستواهما بنفسي.”
“لكن حالتكَ الآن.…”
“لا تقلقي. أنا الأقوى.”
دخل ستيفان وسافيروس إلى الساحة الواسعة أمام البيت.
ستيفان ثبّت رمحه الطويل مائلًا وأخذ وضعه ببطء، وسافيروس سحب خنجره.
كان سافيروس في الأصل يستخدم سيفين. كان يعتمد على السيف الأول، ويستخدم الخنجر كسلاحٍ مساعد.
ومهما كان سافيروس عبقريًا، لم يمضِ على حصوله على سيفه الجديد سوى أقل من يوم. من الصعب أن يُظهر كامل قوته بسيفٍ لم يعتد عليه بعد.
لذلك اختار الخنجر المألوف له. صحيحٌ أنه لا يظن أنه سيخسر، لكن….بدافع الحذر، فرمقته أداماس بنظرةٍ قلقة.
ثم تلألأت عينا سافيروس الزرقاوان، وعينا ستيفان الذهبيتان.
“هل السيف الطويل مجرد زينة؟ ويحمل حجراً أحمر فاقعٌ بهذا الشكل؟ مبتذلٌ وغير رائج. أم أنكَ تخجل من استعماله؟”
قال ستيفان ذلك مستفزًا، بينما….
“لأن السيف جيدٌ إلى درجة أخشى معها ألا تمسك بالرمح مجددًا.”
قال سافيروس ذلك متفاخرًا.
“إذاً، لِنَرَ مهارة فارس الإمبراطورية العبقري الذي تتناقل الألسن اسمه.”
“تعال متى شئت.”
شعرت أداماس بجفافٍ في فمها. ربما كانت على وشك أن تشهد شيئًا أعظم حتى من مسابقة المبارزة.
‘لكن هذا الرجل….لا يزال يبدو مألوفًا. حقًا، أين رأيتُه من قبل؟’
استندت أداماس إلى جدار البيت، وألقت نظرةً جانبية على بانثيون الذي كان يراقب النزال بهدوء.
“بالمناسبة، لماذا جئتم فعلًا إلى إقطاعية مانو؟”
“آه، الآنسة أداماس؟ صحيح؟ كنتِ إحدى حكّام مسابقة المبارزة.”
“آه، نعم. أنا الآنسة أداماس. لكن حقًا، لماذا جئتم إلى هنا؟”
“قلت لكِ. جئنا لرؤية سافيروس. سمعتُه ذائعة الصيت.”
كذبة. حتى بعد مئة عام، لن يكون سافيروس مشهورًا إلا داخل مانو، مجرد شخصيةٍ محلية لا أكثر.
كان عليه أن يمسح فمه من الكذب أولًا.
“إذًا هدفكم الحقيقي لم يكن المسابقة، بل سافيروس؟”
“صحيح.”
“ولهذا تسببتما في الفوضى بالانسحاب المتكرر معًا؟”
“كلامكِ لاذعٌ بعض الشيء.”
“لابد أن يكون كذلك. كما قلتَ بنفسكَ، هذه الآنسة أداماس كانت حكمًا في المسابقة.”
أتجرأتم على تخريب مهرجان الحصاد؟ هل تعلمون كم كان مشروعًا مهمًا؟
“هاها.”
“يبدو أن الضحك صار موضةً في العاصمة كلما لم يرغب المرء في الإجابة.”
“وكيف عرفتِ أنني من العاصمة؟ آه، سجل المشاركة في المسابقة؟ ذاك مختلقٌ على عجل.”
هل يعترف الآن علنًا بتزوير الوثائق؟
“طبعًا. من الواضح أنكَ لستَ بانثيون الحقيقي. يصعب عليّ تصديق أنكَ نبيلٌ أصلاً.”
“هاها. يبدو أن ملامحي تنضح بالأرستقراطية.”
“بالتأكيد. أسلوبكَ يشبه تمامًا أبناء نبلاء العاصمة الذين تخرجوا لتوّهم من أكاديمية فرانسيسكو.”
“وأنتِ أيضًا، يا آنسة أداماس، جئتِ من العاصمة، أليس كذلك؟ لهجتكِ واضحة.”
“أبدًا. أنا من أبناء مانو الأصليين!”
“هاه، الآنسة أداماس وقحةٌ حقًا.”
“وكأنكما أقل وقاحة.”
“امرأةٌ وقحة.”
“نصابٌ يتكلم كثيرًا.”
“نـ….نصاب؟ كيف تجرؤين، يا آنسة أداماس!”
“وما فائدة الوجه الوسيم؟ تمثيلكَ رديء.”
“ماذا؟ ماذا قلتِ؟ رديء؟”
“قلتُ أنكَ وسيم. وبصراحة، من يريد أن يكون نصابًا بتمثيلٍ كهذا، لا بد أن تعتمد على وجهكَ على الأقل!”
“ماذا! أيتها الـ.…!”
“أوه؟ لم تعد تناديني بالآنسة؟ يا للأسف. لقد جُرحت مشاعر الآنسة هذه.”
تحولت المعركة الجانبية بين بانثيون و أداماس إلى تبادل شتائم فجةٍ بلا مواربة.
وفي ساحة شدّ الأعصاب الصاخبة بين الأربعة، اندسّ صوتٌ جديد.
“آه، لماذا هذا الجبل وعرٌ إلى هذا الحد.”
كانت كتلةً هائلة من الأمتعة تتذمر وهي تقترب من جهة أداماس.
ما هذا؟ صرّةٌ تمشي؟ هاه؟
_____________________
سحر؟ وش طاه صدق وش جابهم بس ليه احسهم وناسه بعد😂
ليت سافيروس يسمع شتايم اداماس عشان يعرف انها تشتم ابو وجه وسيم عادي ولا كأنه شي😂
المهم مره يضحكون جو درعموا قالوا اتحداك وسافيروس شاش راسه وطلع عربجيه الوضع😭
بس صدق لايكون نبلاء؟ بس ماظني نبلاء واحد مقطوعه يده والثاني يعرج
التعليقات لهذا الفصل " 21"