3
بدَاية الاستشارة: بناء الألفة – الفصل الثالث
فكّرت أمانـــغ.
‘واو…لقد تورّطت بحق.’
كانت الحقيقة صارخة.
ما أتعس أن تزلّ اللسان آليًا في مكانٍ كهذا.
كانت أمانـــغ في عالمها السابق مستشارةً نفسية تُعيد العبارات نفسها طوال اليوم تقريبًا، حتى غدت كلماتٌ مثل: “لا بدّ أنّ الأمر كان مرهقًا.” أو “نلتقي في الجلسة القادمة.” تخرج منها كما لو كانت مبرمجة.
والآن…انفلت لسانها كما يفعل حين تُوقَظ فجأة من نومها.
‘ما الذي اقترفته للتوّ؟..’
والخصم أمامها طاغية.
في الاستشارات العادية، بناء الألفة بين المستشار والعميل أمرٌ مهم للغاية…لَكن ذلك في جلساتٍ “منظَّمة” فحسب.
أما الآن، فلا هذا استشارة ولا ذاك عميل.
باختصار: لقد ارتكبت حماقة كبيرة.
‘توقّف!.’
كان من الطبيعي جدًّا أن تُقطع رقبتها في مثل هذا الوضع.
لكن لعلّ القدَر قد راق له أن يقف في صفّ أمانـــغ، فالشفرة لم تتوغّل أكثر في عنقها.
مو-جِــي سحب سيفه أخيرًا.
شعرت أمانـــغ بحرقةٍ خفيفة على موضع الجرح الذي مرّ عليه النصل.
“عودي إلى مقعدك.”
“نعم، يا والدِي.”
لم يظهر ضحكٌ مُنهار ولا شفةٌ ترتجف.
قالها ببرودٍ تام.
أزعجها هدوؤه ذاك بلا شك، غير أنّ هذا لم يكن وقتًا لتحليل طباعه.
أمسكت يد كوم جين الجالس قربها، كان يحاول ألا يُظهر ارتجافه.
“هيا بنا.”
“أيتها الأميرة…”
ثم عاد كل شيء إلى طبيعته.
فـ ‘المحاضرة’ هنا كانت مجلسًا يتبادل فيه الإمبراطور وأبناؤه الآراء.
كان الأبناء متوتّرين في البداية، لكنهم ما لبثوا أن انسجموا مع الوقت.
أما أمانـــغ فكانت تدحرج عينيها في مللٍ واضح.
“يا له من ضجر قاتل.”
يشبه الأمر إعادة سماع محاضرات الجامعة المملة.
مع فارقٍ واحد…أنّ مو-جِــي كان يضرب الأرض بنصل سيفه دون انقطاع.
“ومن يجرؤ على الكلام وهو يفعل هذا؟”
طــــــق طــــــق──
كانت الضربة تتكرر بإيقاعٍ ثابت، ويتهيّأ لأمانـــغ في كل مرة أنّ الشفرة ترتدّ نحو عنقها.
كان الجرح الذي سببه السيف قبل قليل ينبض بالألم حتى صدّع رأسها.
“هل أنتِ بخير؟”
“هاه؟”
“تبدين متوعّكة..”
ما إن جلسا، حتى بدأ كوم جين يُمعن النظر في حال أمانـــغ.
كان هذا المكان مزعجًا للغاية له.
فهو ليس أميرًا، بل ابنُ وزيرٍ يحظى بعطف الإمبراطور فحسب.
لم تسجّل أيّ شريعةٍ من قبل حضور ابنٍ لأسرةٍ عادية هذه الجلسات.
على الرغم من أن الأمر جاء بأمرٍ إمبراطوري، إلا أنّ النظرات الموجّهة إليه كانت لاذعة.
كان لا يزال طفلًا في العاشرة.
وإن تربّى بعزّ، فقد بقيت نظرات الاحتقار غريبةً عليه، يصعب أن يعتادها.
‘.يَا لهذا الصغير المهذّب.’
لم تكن أمانـــغ تدري شيئًا من هذا الخافي، فكلّ ما فعلته هو كتم ابتسامةٍ أوشكت أن تفلت.
طفلٌ صغيرٌ يتظاهر بالاتزان…مزيج قد لا يليق، لكنه كان لطيفًا بما يكفي لتغضّ النظر.
“أنا بخير. فلا تقلق.”
ابتسمت أمانـــغ له ابتسامةً خفيفة.
ارتبك كوم جين لحظة، ثم أشاح بوجهه بسرعة.
ولم يلتفت نحوها بعدها.
“كوم جين، ماذا ترى أنت؟”
“أنا أرى…”
كانت الجلسة قد بلغت ذروتها، ودار النقاش حول سبل تخفيف معاناة الشعب.
وبينما كان مو-جِــي يعبث بحدّ سيفه في ضجر، استدعى كوم جين.
تردّد الصبي لبرهة، ثم فتح فمه أخيرًا وبدأ الحديث.
* * *
“ظهري يؤلمني حتى الموت..”
ما إن انتهى الدرس حتى قفزت أمَانـــغ واقفةً على الفور.
كانت تتوق إلى أن تخلع هذا الثوب المرهِق الثقيل وأن ترتمي على السرير في الحال.
وتلك كانت أمنيةً ملتهبة لأي موظف منهك أيضًا.
“أليس هذا المكان بلا وقتِ انصراف أصلًا؟”
فالقصور الإمبراطورية بالنسبة للأميرة هي البيت. وبالمعنى الدقيق، الدراسة في البيت ليست أمرًا سيئًا. لكن أمَانـــغ الآن كانت تتلهّف للعودة إلى المنزل…منزلها الحقيقي.
مكان نشأتها منذ ولادتها.
ورغم أن الذهاب والإياب يستغرق ثلاث ساعاتٍ مرهِقة، إلا أنه المكان الذي تريده.
غرفتها الخاصة.
“كُل مَا أريده هو أن أستلقِي فحسب…”
كانت أمَانـــغ تعتقد أن كل هذا ليس سوى حُلُم.
تعرف ذلك الشعور؟ فِي الأحلام يمكن للمرء أن يكون أيّ شيء، لكن فور الاستيقاظ لا يبقى شيء.
هذا المكان كان هو العالم ذاته من آخر روايةٍ وِبّية قرأتها قبل نومها.
ومن الطبيعي أن تحلم بشيءٍ كهذا عند الغفو.
إلا أنّ الوخز الخفيف عند رقبتها كان شديد الواقعية.
لكن ما إن تستيقظ، سيعود كل شيءٍ إلى طـــــبيعته.
“يَا صاحبة السموّ الأميرة.”
كانت ترغب في الاندفاع فورًا إلى غرفة النوم، غَير أنّ الأثواب الثقيلة التي تثقل جسدها جعلت خطواتها أشبه بخطوات بطريق صغير. وفوق ذلك، جاءها ذلك الصوت من خلفها.
فاستدارت أمَانـــغ.
“شكراً لإنقاذك حياتي..”
“إنقَاذ حياتك؟.”
“كِدتُ أفقد رأسي لولاكِ!.”
جثا كوم جين على ركبةٍ واحدة أمامها، وجمع يديه بخشوع. كانت تلك هيئةً خاضعة لا يؤديها إلا التابع أمام سيده. فزعت أمَانـــغ، وهرعت ترفعه واقفًا.
“ماذا لو رآك أحد بهذه الوضعية؟!”
“آه…صحِيح.”
الأطفال يظلّون أطفالًا؛ مهما بدوا ناضجين ورصينين، تبقى فيهم تلك اللمحة الطفولية التي لا تخفى.
سنٌّ كان ينبغي لصاحبه أن يركض ويلهو فيه.
استرجعت أمَانـــغ جواب كوم جين في الدرس قبل قليل. حين سأل الإمبراطور مو-جِــي عن سبل إغاثة الشعب، قدّم كلٌّ من أحفاده إجابة مختلفة، وحتى أمَانـــغ غصبت ذهنها محاولةً الرد.
“أم… الصبية لا تعرف شيئًا من هذا، يا مولاي!”
هكذا تمتمت مراوغة.
“لا داعي لأن أُظهر نفسي أصلًا. الظهور لا يجلب سوى المتاعب.”
كانت فخورةً جدًّا بقدرتها على الاختباء كما ينبغي. فأحفاد الإمبراطور قدّموا إجاباتٍ تكاد تكون من الكتب المدرسية: زيادة الحبوب الإغاثية، دعم الشعب ماديًا ومعنويًا، تقليل رواتب الوزراء لصرفها على الإغاثة، وأشباه ذلك.
‘ألا يعلمون أنّ تلك السياسات تستفز الوزراء وتزرع بذور التمرّد؟ يا لهم من سُذّج.’
غضب الإمبراطور مو-جِــي غضبًا عارمًا من تلك الإجابات. ويُحسب لهم أنّ السيف الذي في يده لم يخترق رقابهم.
وسط ذلك الجو البارد المكهرب، حان دور كوم جين.
وكان يعرف…
كان يعرف أن الجميع يحدّق به الآن!
تنفّس كوم جين بعمق، ثم قال ببطء
“أرى أنّ الإغاثة ينبغي أن تُقدَّم مرة كل نصف شهر، وبقدرٍ محدد.”
“همم..ولمَ ذلك؟”
“سيكون الاعتراض شديدًا في البداية يا مولاي. قد يتنافس الناس عليها ويتقاتلون، وينشأ من ذلك ضررٌ كبير.”
“أتريد أن نترك الشعب يموت؟.”
“أقصد اتباع قانون البقاء للأقوى يا مولاي. وبعد مرور نصف شهرٍ آخر، حين تُوزَّع الإغاثة من جديد، سيضع الناس نظامًا ليدبّروا به ما بقي من الأيام، وبذلك يمكن استغلال ذلك لإنتاج نتائج نافعة.”
قانون البقاء للأقوى، كأنه يصف القصر الإمبراطوري نفسه.
أبهتت إجابة كوم جين المحكمة الإمبراطور لحظة، ثم انفجر ضاحكًا ضحكةً عالية. تَنمية الاعتماد على الذات، عدم الاتكال على الإغاثة، والتعاون لتجاوز فترة القحط…إجابة لا تُنتظر من طفلٍ يبلغ العاشرة.
بينما اندهش الجميع من حكمته وتعجّبوا منها، كان وجه أمَانـــغ يزداد عتمة.
نضجٌ وُلد من الحرمان…وطفلٌ أُجبر على أن يكون أكبر من عمره.
هل يمكن أن نسمّي هذا طفلًا بحق؟.
إن تجاوز المراحل الطبيعية للنمو النفسي، والقفز فوقها بهذا القدر، حالة نادرة ومؤلمة. وإن كان هذا الصغير يتحدّث بمهارة عن الإغاثة والاعتماد على الذات…فما كانت أمَانـــغ تشعر إلا بالقلق.
امتدّت يدها تربّت على رأس كوم جين بقلقٍ خفيف.
كانت يدًا صغيرة لطيفة.
رفع كوم جين رأسه وهو لا يزال جاثيًا على ركبةٍ واحدة.
“عليك أن تكون قويًا…مفهُــــوم؟”
هذا كل ما قالته.
انصرفت أمَانـــغ بعدها وهي تشعر بقدرٍ من الخفة في قلبها، أما كوم جين، فقد بقي متجمّدًا في موضعه، محاطًا بأثر دفئها…
لسيـرٍ طويل.
* * *
“مولاتي… لقد كنتِ رائعة حقًّا!!. أتُدركِين كَم كنتُ أرتجف رعبًا؟ كان النصل الأزرق يقترب من عنقك! لقد كان قلبي يخفق بجنون…!”
“أنتِ..”
“أجــل؟.”
“أنتِ…ما اسمُكِ؟”
“مولاتي! كيف يمكن أن تقولي ذلك؟ كيف تنسين هذهِ النازلة؟!”
لم تُطبق نان فمها طوال الطريق إلى يونيونغ غونغ، وما زالت ثرثرتها لا تهدأ.
وكان جلّ حديثها عن مدى نُبل ما فعلته أمَانـــغ لإنقاذ كوم جين، وكم كان شرفًا لها أن تشاهد ذلك بعينيها.
‘مُزعجة…’
بعد خطبةٍ صارمةٍ طويلة، فقدت أمَانـــغ كل طاقتها، وتهدّل جسدها كليًا. كانت ترغب في أن تغتسل وتنام فورًا.
وتدور في رأسها أفكار من قبيل: لا أريد أن أذهب إلى العمل غدًا…
“نانا…هل تساعدينني في نزع ثيابي؟ واعتني قليلًا بالجرح في رقبتي.”
بمعنى آخر، كانت تقصد: كُفّي عن الثرثرة واعملي.
ساعدت نان أمَانـــغ ببراعة في تبديل ثيابها، ثم وضعت المرهم على مواضع تقشّر جلدها.
وبعد أن غطّت الجرح بقطعة قماش، بدا كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
الآن يمكنني أن أنام بسلام!.
كانت أمَانـــغ واثقة بذلك.
ستنام، وحين تستيقظ سيكون الصباح مجددًا، وتجد نفسها في غرفتها!.
المشكلة أنّ عليها أن تستيقظ في السابعة، ثم تقضي ساعةً ونصفًا في ‘جحيم المترو’ لتصل إلى العمل. هذا غير ترتيب جداول المستشيرين أيضًا.
هل أعيش هنا فحسب؟.
حين فكّرت بالأمر، بدا لها أن حياة الأميرة ليست سيئة إطلاقًا.
مررت يدها على موضع الجرح.
ومهما كان، فحتى لو تدحرج المرء في كومة قذارة، فالحياة الدنيا خير من الآخرة…على الأقل.
[مِ: هي الي بتقول مش أنا.]
ربما هذا أهون من أن أعيش قَلِقةً لا أعرف متى سيُقطع رأسي هنا. على الأقل، الشركة تمنح راتبًا في نهاية الشهر. وبما أنها التحقت بالوظيفة، فمن الطبيعي أن تحصل على أول راتب لها!.
سحبت الغطاء حتى رقبتها.
كان ملمس البطانية الناعمة يدغدغ بشرتها.
“مولاتي، هل أُغنّي لكم تهويدة؟”
“لا.”
رفضت فورًا.
كانت أمَانـــغ ذات نومٍ خفيف.
كيف يتقبل أحدٌ ضوضاءً أثناء محاولته النوم؟.
لم تستوعب ذلك يومًا.
“إذًا استريحي جيدًا يا مولاتي.”
“نان…”
“نعم!”
“أطفئي الضوء.”
أليس هذا أحد امتيازات كونها أميرة؟. لنسلّم أنها ‘نشوة السلطان الصغيرة’. نفخت نان فانطفأ الشمع، وعمّ السكون أرجاء الغرفة.
أخيرًا، حلّ الليل بســـــلام.
لنعد…
غطّت أمَانـــغ جسدها بالبطانية الوبرية وراحت في النوم سريعًا. أمَانـــغ… لا، يونغ أون، كانت تغفو متمايلة في المترو. جلست في مكتبها تضرب لوحة المفاتيح بجدٍّ وانشغال.
سحبت عدة أوراقٍ من آلة الطباعة، موادّ للفحص.
قدّمت جلسات الاستشارة بحسب الجدول، وكتبت تقاريرها حتى ساعة متأخرة من الليل.
ثم غادرت العمل.
“هاه…”
وخزتها الشمس في عينيها.
فتحت أمَانـــغ عينيها ببطء.
Chapters
Comments
- 4 - لماذا جئت إلى منزلي؟ جئت لأجل الاستشارة منذ ساعة واحدة
- 3 - بدَاية الاستشارة: بناء الألفة منذ ساعة واحدة
- 2 - لهذا تُعدّ عِلل المهنة أمرًا مُخيفًا منذ يومين
- 1 - تِلك التِي إعتدات العمل الإضافي بإجترَاف، أصبحت أمِــيرة؟. منذ يومين
التعليقات لهذا الفصل " 3"