6
6
«لا تقلقوا. أغمضتُ عينيَّ بإحكام وأنا أضعه.»
«حتى لو أغمضتِ عينيكِ، فهذا يعني أن يدكِ قد لمسته، أليس كذلك؟»
«دهنتُه بملعقة.»
كان ذلك أغرب.
«الدواء لزج، ولا بد من فرده بالملعقة ليكون مناسبًا تمامًا. إنه دواء باهظ الثمن. سيستغرق وقتًا حتى يتشرّب، لذا تحمّلوا اليوم ولو كان الأمر شاقًا، وابقوا على هذا الحال.»
كلما استمع إلى تلك الإجابات المتتابعة، المستقيمة كالعصا، لا يدري لماذا كان الغضب يتصاعد في صدره. ذلك الصوت الذي لا منفذ فيه، ضيّقٌ حتى لا تنفذ فيه إبرة، كان يخرج تباعًا من ذلك الفم الصغير بإتقان عجيب.
«كيف لكِ أن تكوني على هذا القدر من اللامبالاة؟ كيف تخلعين سروال رجلٍ غريب ثم تكونين بهذه الوقاحة؟»
«ليس رجلًا غريبًا، بل ضيفًا جاء للاستشفاء، وقد قدمتُ له علاجًا لائقًا. لا يثير فيَّ مقعدُكم (المراد: أردافكم) أيَّ إحساس، فلا داعي للقلق.»
«لا يثير إحساسًا… ها! كيف يمكن أن… لا، قبل ذلك، أصلًا لماذا يُوضَع الدواء على…!»
في تلك اللحظة، تسلّل شعورٌ مشؤوم فجأة فقطع يون وون كلامه. وبقلبٍ يرتاب، أدار رأسه ببطء نحو ما وراء كتف دانتشو.
وفي اللحظة التي وقعت عيناه فيها على وجهٍ آخر كان ملتصقًا بالزاوية كفأرٍ ميت، صرّت أضراسه بقسوة.
صحيح… كان هناك صوتٌ آخر.
«أنا، أنا أقسم أنني لم أرَ مقعد سيدي. دانتشو تمنعني من الدخول حين تعالجه.»
كان من عامة الناس، خافتَ الحضور حتى الآن، لكنه سريع الفطنة. ما إن أدرك تمامًا ما تحمله نظراته الشرسة التي تكاد تفترسه، حتى أخذ يسوق الأعذار.
«أنا فقط جئتُ لأتفرّج، فلا تشغلوا بالكم إطلاقًا، آه، لا، لم آتِ لأتفرّج على مقعد سيدي، بل على وجهه، آه، أعني… على وجهه.»
كان يحتاج إلى زمنٍ من الصبر. نوعٌ مختلف من الغيظ أخذ يندفع في صدره. لم يكن كالغيظ الذي يشعر به تجاه أولئك الوزراء المنافقين الذين يتحدثون عن الولاء أمامه ويتآمرون خلفه؛ بل كان نوعًا مختلفًا تمامًا.
وبلا مبالغة، كانت هذه أقذر محنةٍ يمكن أن يمرّ بها. لا يمكن أن يحدث وضعٌ أكثر بؤسًا ودناءة من هذا…
«وما هذا أيضًا؟ ماذا تنوين أن تطعميني هذه المرة؟»
عند سؤاله المستعجل، أمسكت دانتشو بالوعاء بإحكام واقتربت وجلست.
«بما أنكم لم تتقيأوا بعد، أظنّ أن عليكم تناول المزيد قليلًا. يبدو أنكم أكلتم قليلًا جدًا قبل قليل.»
كان في الوعاء كتلٌ لزجة متخثرة ذات طعمٍ مقزّز تملؤه.
«لا. أشعر أنني سأتقيأ. معدتي تموج… انتظري قليلًا، أوه! ألم أقل إنني سأتقيأ حالًا، أُم—!»
«إنه دواء باهظ الثمن. سيكون من المؤسف أن يُهدر، لذا يجب أن تبتلعوه كله.»
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى انزلقت الكتل اللزجة مجددًا عبر حلقه المفتوح. لم يكن لأنه أراد ابتلاعها، بل لأنه لم يستطع بصقها، فاضطر أن تنحدر إلى الداخل.
مرةً أخرى، مسحت دانتشو فمه بقطعة قماش جافة مسحًا خفيفًا، ثم أثنت عليه بوجهٍ خالٍ من التعبير.
«أحسنتم، يا سيدي.»
⋆★⋆
الفصل الثاني.
تكدّست على الحصير بطاقاتٌ كُتبت عليها الأسماء. كانت بُني مشغولة بجمعها وتقسيمها إلى جهتين.
«يا عمّ، على من ستراهن؟»
«أنا؟ طبعًا على دانتشو.»
وضِعت بطاقة بوك تشون في الصندوق المكتوب عليه «دانتشو». كان الصندوق قد امتلأ حتى فاض، على النقيض من الصندوق المجاور الفارغ تمامًا.
«حسنًا، التالي.»
التقت دانتشو الحازمة، التي لا تعرف المساومة، بذلك المشاغب الشهير (개망종: لفظة تعني الوغد/الشقي الفاسد). وبمجرد انتشار الخبر، ضجّت القرية بأكملها.
ومن أشعل ذلك كانت بُني. فقد كانت تقيم الرهانات كلما تولّت دانتشو أمر ضيفٍ مزعج، وأكّدت أن هذه الجولة تحديدًا هي أكبر رهانٍ حقيقي لم يسبق له مثيل.
«على ما أظن، ذلك السيد المشاغب قد صادف ندّه الحقيقي هذه المرة.»
قالت العجوز كوي نام وهي تضع بطاقتها في صندوق دانتشو، وتغمز بعينها.
«صحيح. على أي حال، الفوز لدانتشو.»
غادرت العجوز وهي تضحك. وأمام بُني التي كانت تدندن، وضع دولسام عشر بطاقات دفعةً واحدة. اتسعت عينا بُني.
«العشر كلها؟»
«نعم. العشر كلها.»
«رائع! عشر بطاقات!»
«على المشاغب.»
«… ماذا؟»
كانت بُني على وشك أن تضع بطاقات دولسام في صندوق دانتشو دون تفكير، لكنها رفعت عينيها بحدة. عندها ابتسم دولسام كأنه المنتصر.
«ألا تفهمين متعة الرهان؟ إذا راهن الجميع على دانتشو، فأين المتعة؟ في مثل هذه الرهانات، أمتعُ ما يكون أن ينقلب من نظنه خاسرًا ويقلب الطاولة.»
«دَعْكَ من هذا. أنت فقط تريد أن تصيب ضربة حظ وتكسب مالًا وفيرًا.»
«طبعًا. أيوجد من يكره المال؟ من أراد أن يربح المال فلا بد أن يكون جريئًا. ضعي البطاقات العشر كلها على المشاغب.»
أطلقت بُني شخيرًا ساخرًا.
«أتظن حقًا أنك ستربح؟»
كانت قد أخذت بطاقاته إلى الصندوق المكتوب عليه «المشاغب»، لكنها لم تضعها بعد، وسألته كأنها تمنحه الفرصة الأخيرة.
«أتعرف من هي هونغ دانتشو؟»
«ولِمَ لا أعرف؟»
«في الربيع الماضي، من الذي جعل ابن عائلة نائب الوزير الفاسد يتلقى الوخز بالإبر كل ساعة دون أن ينبس ببنت شفة؟»
«دانتشو.»
«ومن الذي كسر عناد زوجة الحاكم المشهورة بالصرامة؟»
«ذلك أيضًا دانتشو…»
«ومن الذي جاء للاستشفاء من هُم يانغ (اسم مكان) الصيف الماضي، ثم بكى شاكرًا وقدّم حريرًا هدية؟ بالمناسبة، كان ذلك السيد مشهورًا بسوء طبعه وضيق أفقه، وقيل إنه الأسوأ في هُم يانغ.»
«… تبًّا!»
مدّ دولسام يده لينقل بطاقاته إلى صندوق دانتشو، لكن الوقت كان قد فات. فقد أسقطت بُني بطاقاته في صندوق المشاغب بسرعة.
«يا! لماذا وضعتِها؟ قلتُ إنني سأراهن على دانتشو!»
«ألم تقل قبل قليل إنك تراهن على المشاغب؟ أيّ رجلٍ ينسى كلامه بعد لحظات؟»
«آه، أيتها الفتاة اللعينة.»
«إن كنتَ تريد الرهان على دانتشو فعلًا، فاشترِ بطاقات جديدة.»
استدار دولسام وهو يتمتم غاضبًا. وبدا من اندفاعه أنه سيهرع لبيع حذائه القشّي ليأتي بالمال ويعود.
«هكذا يكون حال من لم يُحسن الاختيار من البداية. لماذا تعاند في غير موضع العناد؟»
«أنا على دانتشو.»
قدّمت كوتبُن، وهي امرأة في منتصف العمر، بطاقتين بخجل. ابتسمت بُني ابتسامة عريضة وأخذتهما.
«لكن حقًا، هل كشفت دانتشو عن مقعد ذلك المشاغب؟»
اقترب الكتف سرًا، فنظرت بُني حولها، لكنها لم تخفّض صوتها.
«بالطبع. حتى إنها بدّلت له ثيابه.»
«هل مقعد المشاغب مختلف؟»
«أوه، مختلف طبعًا. إنه مقعد أحد “الاثني عشر” ( هنا تقصد الاثني عشر برجًا/حيوانًا في التقويم الشرقي وفي الثقافة الكورية القديمة، تُستخدم أحيانًا هذه العبارة للمبالغة في وصف شخص قوي أو مميز،شخص له شأن، أو طاقة وقوة غير عادية وهنا تقصدها بشكل ساخر .).»
«حقًا؟ كيف مختلف؟»
لمعت عينا كوتبُن. مدت بُني يديها إلى الأمام وأشارت كأنها تمسك شيئًا.
«كأنك تضع وعاءين مقلوبين جنبًا إلى جنب، ممتلئان متينان جدًا، حتى لو ضغطتِ بأصابعك لا ينغرز شيء، من شدة صلابتهما.»
«يا ويلي، يا ويلي.»
«آه. من لم يره لا يعرف. أظننتِ أنه يُدعى من الاثني عشر عبثًا؟ قوته في الحقيقة تأتي من مقعده.»
«يا للهول، ما أقبح الكلام. لم تتزوجي بعد، فكيف تعرفين مثل هذا؟»
قالت ذلك وهي تضحك قهقهة، حتى احمرّ وجهها من كثرة الضحك وأخذت تبلّل شفتيها اليابستين.
«وماذا بعد؟ أخبرينا المزيد. كيف كان شكله؟ أهو لامع كما يُشاع؟»
ترددت بُني. فقد كانت خائفة جدًا، فلم يبقَ في ذاكرتها وجه المشاغب بوضوح.
«أتذكر وجهه من الجانب. كأنه قطعة خزفٍ مصقولة.»
«حقًا؟»
«كأنه خزفٌ ثمين جدًا.»
«لهذا شاع أنه لامع؟»
«ربما. أنفه لامع، وعيناه لامعتان، وشفته تبرق. وجسده أيضًا ممتلئ بالعضلات.»
«يا ويلي، يا ويلي!»
صفقت كوتبُن بيديها وغطّت وجهها.
«ثم ماذا؟ تابعي الحكاية.»
كان الناس قد أحاطوا بهما طبقةً فوق طبقة. وازدادت حماسة بُني.
«بصراحة، لولا دانتشو، من كان سيستطيع التعامل مع ذلك السيد المشاغب؟»
«صحيح، صحيح. لا أحد غير دانتشو.»
أومأ الجميع موافقين.
كانت بُني فخورة إلى حدٍّ كبير بدانتشو، التي تعاملت مع السيد المشاغب بمهارة، حتى بدا قلقها السابق بلا معنى.
كانت تخشاه لأنه مولع بالنساء إلى هذا الحد، لكن بما أن حالته الجسدية هكذا، فلا داعي للقلق في الوقت الراهن.
ليثر وليغضب كما يشاء. هل يمكن أن تهتز دانتشو ولو قيد أنملة؟
كما قالت العجوز كوينام، لقد صادف السيد المشاغب ندّه حقًا.
وفي كل الأحوال، الفوز سيكون لدانتشو.
«ذلك الوغد في ورطةٍ الآن.»
ضحك الجميع بصوتٍ عالٍ.
⋆★⋆
استيقظ عندما أوشك النهار على الانتصاف.
حتى قبل يومٍ واحد فقط، لم يكن يتخيّل أنه سينام بعمقٍ كهذا في مسكن امرأة من عامة الناس لا يعرفها، تحت رعايتها.
كان نومًا عميقًا بلا أحلام. ولأنه نام جيدًا، بدا جسده أخف حركة. خفّ ألم كتفه، والأهم أن الغثيان في معدته هدأ.
غير أن أمرًا واحدًا كان مزعجًا، وهو وضعية الانبطاح هذه.
كلما حاول أن يستلقي على ظهره، دخلت كل فترة لتفتح عينيها وتتأكد، فلم يستطع ان يعدل من وضعه . فيبدو كما لو انه عوقب بالضرب بالعصا …
«هذا تافه…»
حرّك رقبته وكتفه بالتتابع. كان هناك تيبّس، لكن لا عائق للحركة.
أمس فقط كان يشعر أنه سيموت، لكن تلك العامية التي ليست بطبيبة، كانت ذات مهارة لا بأس بها.
كانت أرضية الغرفة دافئة. لا بد أنها أحرقت حطبًا كثيرًا، حتى اسودّت أرضية الموقد من شدة الاحتراق. لو جلس هناك لكان جلده قد احترق.
رغم هيئتها الرثة، يبدو أنها لا تقصّر في رعاية من تعتني به.
«لو لم تُحدّق بتلك النظرة لكان منظرها مقبولًا.»
ينبغي أن ينصحها لاحقًا بألا تفتح عينيها بذلك الشكل. فذلك يوقعها في سوء الفهم.
كانت تواظب على وضع الدواء على جراحه، وتسقيه الشراب العلاجي، وتفحص نبضه، حتى أصبح الأمر مزعجًا؛ لكنه في لحظةٍ ما اعتاد ذلك، فسلّم جسده وغرق في النوم.
وإذ به يلاحظ أن القماش الملفوف على كتفه قد استُبدل مرة أخرى. لا بد أنها غيّرته بقماشٍ جديد في أثناء نومه.
«هل نامت أصلًا؟»
من طبعها الصارم أنها لا بد أنها أخذت غفوات قصيرة فقط، وسهرت الليل كله تمريضًا له في مواعيدها الدقيقة.
كلما فكّر في الأمر، بدا له أنه حقًا ضربٌ من عظيم الحظ. أن يصادف في جبلٍ خالٍ من البشر، شخصًا من عامة الناس يعرف فنّ الطب، وطيب القلب في آنٍ معًا. ( حلات البطل رغم كل الاذلال مدح البطلة ههههه)
وفوق ذلك، كان هذا المسكن لا يمرّ به أحد، مناسبًا تمامًا للاختباء. صحيح أن تلك العامية العريضة المسماة بُني تتردد عليه، لكنها تظنه شخصًا آخر، فلا داعي للقلق.
أما الشخص الذي كان من المفترض أن يأتي للاستشفاء أصلًا، فماذا جرى له؟ بما أن تلك العامية قالت إنها خرجت لاستقباله أمس، فلا بد أنه لا يعرف الطريق. إذن، ليس هناك خطر أن يعثر على المكان وحده.
وإن جاء…
فليُحبسه في المخزن، ويُطلق سراحه عند الرحيل.
التعليقات لهذا الفصل " 6"