5
الفصل الخامس
«…….»
صحيحٌ أن طبعه سيئ وأخلاقه في الحضيض، لكن الرجل كان يملك هيئة نادرة المثال في هذه الأيام.
كانت عيناه طويلتين ممتدتين جانبًا بنظرةٍ صافية، وحاجباه الكثيفان ورموشه المتراصّة يضفيان على ملامحه وضوحًا جليًا. أنفه مستقيمٌ أملس مرتفع، وشفته ناعمة لا تشقّ فيها ولا جفاف.
رغم خلوّ وجهه من الدم، إلا أن لذلك سحرًا غريبًا بحدّ ذاته.
«بهذه الوسامة، لا عجب أن تتعلّق به اثنتا عشرة غانية (كيسنغ) في اليوم.»
_رتبه او كلمة تشير إلى نساء في كوريا القديمة الاتي يعملن في الغناء والرقص ومجال الترفيه في البلاط أو بين النبلاء.
لم تستطع أن تمسّه بأطراف أصابعها. فقبضت في النهاية على أصابعها التي لم تبلغ وجهته. وجهٌ لم تتردد في لمسه حين كانت تقيس حرارته ونبضه، لكن ما إن امتزجت النية بشيءٍ شخصي، حتى عجزت عن لمس شعرةٍ منه.
«هيه.»
نفضت تنورتها ونهضت. واستحضرت عمدًا توبيخه الوقح: لماذا جئتِ الآن؟
بحسب ظلّ الشمس، لم يحن بعد الوقت المتفق عليه. ثم إن صعوده إلى هنا كان خطأه هو. تحرّك دون أن يحتمل طبعه، ثم يسأل لماذا تأخرت؟
سارت حتى كادت رئتاها تنفجران، ومع ذلك يلومها؟ أي قلبٍ مقلوب هذا.
لكنها لم تردّ عليه، لأن أنفاسه كانت تخرج طويلةً مضطربة.
كان تنفّسًا مُرهقًا جدًا. شعرت وكأنه يتظاهر بالقوة بكل ما أوتي من عزم.
«لو كنت أعلم، لجلبتُ معي شايًا دافئًا.»
أم لعل عربةً كانت أنسب؟
أيًا كان السبب، لم يكن من الممكن إبقاؤه أكثر في هذا الهواء البارد. وضعت دانتشو يدها على خصرها وأخذت تتفحّص المكان.
لم يكن في حسبانها أن تنقل رجلًا فاقد الوعي إلى مقرّ الإقامة، سيكون ذلك تحديًا عظيمًا.
وفوق ذلك، هذا الثلج المتراكم… بالطرق المعتادة لا سبيل.
«إذًا، سأضطر إلى استخدام تلك الطريقة.»
لا مفرّ. صفّقت بكفيها لتنفض عنهما الثلج، ثم استنشقت نفسًا عميقًا، ورفعت كُمّيها بعزمٍ يشبه عزيمة المحاربين.
⋆★⋆
كانت جفونه ثقيلة. وبعد ثلاث أو أربع محاولات، رفعها بصعوبة، فانقشع الضباب عن بصره.
أول ما وقع عليه نظره سقفٌ أصفر باهت.
‘أين أنا؟’
حدّق قليلًا ثم أغلق عينيه وفتحهما مجددًا.
فإذا بالسقف الأصفر الباهت ذاته، لكنه أوضح قليلًا.
«…….»
لم يسبق له أن فتح عينيه في مكانٍ واهٍ كهذا، ولا كان له سبب ليفعل.
نعم، إنه حلم. لا بد أنه يحلم.
أغمض عينيه ثانية. هذه المرة التصقت جفونه بثقلٍ أشد، وكأن جسده يهوي إلى مكانٍ ما.
من مكانٍ قريبٍ جدًا، اقترب صوت نفسٍ خافت. بلغ أنفاسٌ وجهه، فداعبت جلده وتبدّدت. لم تبقَ في موضعٍ واحد، بل انتقلت بين زوايا وجهه.
«…….»
أهو كابوس الجاثوم (الشلل أثناء النوم)؟
حين لامس النفس أذنه، انتبهت حواسه. كان النفس دافئًا هناك.
ليس جاثومًا،
أربما كلبٌ…؟
حين خطر بباله أن كلبًا يشمّه، كاد يضحك. لكن التنفّس كان حذرًا… كأنه يتحقق أحيّ هو أم ميت.
أراد طرده، لكن إصبعًا واحدًا لم يتحرّك. شعورٌ من اليأس تسلل إليه.
آه… هل أموت؟ أأنا في طريقي إلى الموت؟
«مات؟»
ربما.
«لا، قلتُ لكِ. فتح عينيه للتو.»
لا؟
«أنا لم أرَ.»
«شش. اصمتي قليلًا. فتحهما فعلًا.»
عاد النفس المداعب يقترب. هذه المرة بقي في موضعه، وصار يسمع زفيرًا خفيفًا مستقرًا.
أدرك أنه يُراقَب عن كثب. ليس شبحًا، وبالطبع ليس كلبًا.
فمن إذًا…؟
«إن كنتُ قد قذفته أرضًا فصار أحمق، ماذا نفعل؟»
قذفته؟
«لعلّي شددتُ على عُقدة شعره (هي قالت الـسانغتو وحسب قوقل: خصلة الشعر المعقودة أعلى الرأس) بقوة.»
السانغتو؟
«وعند إنزاله ربما اصطدم رأسه بحافة الدرج الحجرية. هل انشقّ رأسه؟ انظري.»
لو كان كذلك لكان وجب قول ذلك فورًا! الاصطدام بالحجر… أتعرفين مدى خطورة…
«لا أحد يصير أحمق من ذلك.»
هاه! هذا الصوت… هذه النبرة اللامبالية.
عندها فقط تذكّر الوجه. الوشاح الملفوف والمِضرَب في يدها. نعم، التقى عاميةً في الجبل المغطى بالثلج.
«لكن ينبغي أن يكون الرأس ثقيلًا قليلًا. قيل إنه لم يدرس، فلماذا هو ثقيل؟ حين يستيقظ، اجعليه يكتب “ألف حرف” (كتاب الحروف الصينية التقليدي: 천자문). سماءٌ سماء، أرضٌ أرض، أسودُ أسود، أصفرُ أصفر…»
«أصفرُ أصفر.»
«نعم نعم، ذاك. إن كتبها كلها، فسيكون بخير.»
هاه.
«لكن لماذا أطرافه طويلة هكذا؟ عليّ أن أحضر ثيابًا أخرى.»
«نعم… أرجوكِ…»
حقًا، شعورٌ عبثي لم يختبره منذ زمن بعيد.
كان النفس لا يزال يلامس صيوان أذنه. كأنه يُعذّب بريشة.
لم يعد يحتمل، فدفع جفنيه بقوة.
وحين فتحهما، وجد العينين اللتين كانتا تحدّقان فيه على بُعد شبر.
⋆★⋆
«…….»
«…….»
ساد الصمت طويلًا. لم يتحرّك سوى ذاك البصر المتسع دهشة.
هاه. صحيح. بعد أن التقت أعيننا من هذه المسافة، طبيعي أن تعجز عن النظر من الخوف.
وبفضل نقلها له وحدها إلى هنا، قرر يون وون أن يمنّ عليها بشيءٍ من الكرم. فتح شفتيه الجافتين بصعوبة.
«لا داعي لكل هذا الخوف. أنا…»
«ابتلع.»
مدّت فجأة وعاءً أمامه. ماءٌ عكرٌ مائلٌ إلى البياض يهتزّ داخله. لم يكن في عينيها أثر خوف، بل صفاءٌ ثابت.
لم يكن لديه طاقة للكلام، لكنه حاول مرة أخرى.
«ما حقيقة هذا الما…»
«اشرب بسرعة.»
أمسكت بذقنه وأدخلت الوعاء قسرًا، فتدفقت جرعات إلى حلقه.
وقع الأمر عليه بغتة، فاستبدّ به الذهول.
ما أدركه أن قواه قد ضعفت إلى حد يُباغَت فيه هكذا، وأن قبضة هذه العامية أقوى بكثير مما توحي به.
«تسلّل السمّ عبر الجرح. وهذا الماء دواءٌ لطرد السم. ينبغي أن تشرب لتخرجه.»
«سمّ؟ في الجرح؟»
قطّب حاجبيه بدل أن يتأوّه. عندها فقط فهم سبب تدهور قوته الغريب. لم تكن سوى خدشٍ من سيف، لكن النزف لم يتوقف… لعل السبب ذاك.
«وما نوع السم؟»
«لا أعلم.»
قالتها بثقةٍ جعلته يشكّ في سمعه.
«لا تعلمين، ومع ذلك تداوين؟»
«لهذا ستشرب هذا.»
«تشرب ماذا؟ ما هذا…»
مرة أخرى باغتته. لم تكن قبضتها وحدها قوية، بل مهارتها في إجبار الناس على الابتلاع تكاد تكون معجزة.
هذه المرة انزلقت كتلٌ لزجة إلى حلقه. طعمها فظيع.
«ما هذا بحق السماء؟ ماذا أطعمتِني؟»
حاول أن يصبر، لكن مرارةً تسربت إلى صوته. مسحت دانتشو فمه بمنشفة جافة بهدوء وقالت:
«دواء الطبيب بان دائمًا هكذا. ينفع لمعظم السموم. إن شربه السليم لا يتأثر، لكن من تراكمت فيه طاقةٌ فاسدة (سوءٌ أو مرض)، يتقيأ بعده. اعتبره سمًا طيبًا يطرد السم الخبيث.»
«سمٌّ طيب؟ إذًا أطعمتِني سمًا الآن؟»
«علينا أن نكرر العملية حتى يخرج قيءٌ صافٍ فاتح اللون. لذا تحمّل واشرب.»
كيف لها أن تكون بهذه اللامبالاة وهي تُطعمه سمًا؟ كانت تشرح وكأنها تحفظ درسًا، بطريقة مزعجة مستفزة.
مهما يكن علاجًا، أن تفتح فمه هكذا وتدسّ فيه السم… جرأةٌ تفوق الحد.
«أتدرين من أكون؟»
لم تكن تعلم. فهو من اختار أن يتقمّص دور الرجل الذي كانت تنوي خدمته.
ومع ذلك سألها لأنه استاء. ضغطٌ صامت ليُظهر لها أن تُحسن الأدب.
فلو فعلت، لما تعرّض لهذه الوقاحة.
أن يُفتح فمه بلا دفاع ويُجبر على ابتلاع دواء على يد عامية ليست بطبيبة… كان ذلك من أغرب وأشدّ ما مرّ به إهانةً في حياته.
ولعله لن يمرّ بتجربة أغرب من هذه مادام حيا .
*زعلني مسكين 😂😂
لكن…
«لماذا أنا منبطح؟»
أدرك ذلك متأخرًا، ففتح عينيه بدهشة. حين رمق دانتشو، لاحظ غرابة الأرض التي تجلس عليها.
إن لم تكن دانتشو ملتصقة بالسقف، فهو منبطح.
حين فهم ذلك، ضحك ساخرًا.
«ها…»
منذ أن أفاق، كانت تسقيه ما هو دواء أو سم، فلم يجد فرصة ليدرك أهو مستلقٍ أم منبطح.
وذاك الضيق في صدره، وإحساسه بأن جسده يندفع للأمام… اتضح سببه الآن. السقف الأصفر الذي رآه لم يكن إلا أرضية صفراء باهتة.
حقًا، بدا السقف قريبًا جدًا. وعند إطعامه الدواء، لم تسند رأسه للأعلى بل أمالته للخلف… كيف لم ينتبه؟
«وهذه الوضعية، لأي علاجٍ هي؟»
سأل بصبرٍ متكلّف. إذ رُصّت الوسائد والأغطية لتبقي كتفه المصاب مرفوعًا عن الأرض، فظنّها طريقة علاج غريبة.
ربما لوقف النزف…
«وضعتُ دواءً على وركيك (الأرداف).»
«…….»
«…….»
ساد الصمت. محنةٌ جديدة غير متوقعة. هزّ يون وون رأسه ليجمع شتات عقله.
«ماذا قلتِ؟ أين وضعتِ ماذا؟»
«على الورك. المؤخرة. وضعتُ دواءً كي لا يلتهب الجرح.»
«…….»
فتح فمه، لكن الكلمات لم تخرج. أهذا أمرٌ يُقال بهذه البراءة؟ ارتفع صوته قليلًا.
«أتقولين إنكِ أنزلتِ سروالي السفلي؟»
التعليقات لهذا الفصل " 5"