4
الفصل الرابع
«هيييك.»
صدر صوت تكسّرٍ تحت قدميها. إذ لم تنتبه إلى غصنٍ كان مدفونًا تحت الثلج فداسَته، فاختلّت للحظة.
لكن ما أفزع دانتشو لم يكن ذلك.
بل ذلك الشيء المدفون بهدوء في ساحة الثلج. ذلك الرجل الذي كانت عيناه أشد توهّجًا وحدّةً من عيني نمر.
⋆★⋆
هووووش.
هبّت ريح في منتصف الجبل المغطّى بالثلج. وعلى صهيل الفرس الأسود الخافت استفاق يون وون.
لمّا أدرك الفرس الأسود أن سيّده قد أفاق، اقترب وأدنى وجهه منه. بدا أنه كان يقف قريبًا، لا يغادر المكان، حاملاً على ظهره سرجًا فارغًا.
«هاا…….»
أراد أن يرفع يده ويمسح وجه الفرس، لكن جسده لم يطاوعه. لم يخرج منه سوى زفيرٍ بارد بصعوبة.
كان جسده غارقًا في الثلج المتراكم، مستندًا بظهره إليه، حتى بدا له وجه الفرس عاليًا جدًا.
لم يبقَ في جسده قوة. كتفه الذي كان ينبض بالألم كأنه يتعفّن لم يعد يشعر فيه بشيء، كأن البرد جمّده. والدم الذي لم يتوقف عن النزف لعلّه تجمّد الآن.
انفلتت من فمه ضحكة قصيرة ساخرة.
«تبا.»
من أين بدأ الخطأ؟ استعاد في ذهنه الأيام القليلة الماضية.
كانت البداية في ليلةٍ أشرق فيها نصف قمر. تعرّض لهجوم في طريقه من مقر إقامته إلى القصر.
هل كان ذلك قبل ثلاثة أيام؟ أم أربعة…؟
كان وعيه مشوشًا فلم يستطع تقدير التاريخ. ما بقي واضحًا هو السيف الذي ظلّ يلوّح به دون توقف، وذكريات الركض المستمر.
الجبل.
نعم، توجّه إلى جبل بيكسان حيث الجرف الصخري.
هناك افترق عن أؤولمو بعد أن تعاهدا. قالا إنهما سيلتقيان مجددًا في هيونجُو.
ثم…
عاد من يلاحقه مرة أخرى. ظنّ أنه سيتمكن من التخلّص منهم بسهولة، لكن ذراعه المصابة لم تكن تتحرك كما ينبغي. استغرق قطع أثر المطاردين وقتًا أطول بكثير مما توقّع.
الغريب كان جسده. لم يكن يتحرك كما يشاء، ونزف كتفه لم يتوقف.
أمس فقط اتجه نحو جبل موولسان ليصل إلى هيونجُو. ثم في لحظة ما، ضلّ الطريق.
لا يدري كم مرة دار في المكان ذاته. كان يقود فرسه متتبعًا علامات الطريق، لكن الثلج الذي تراكم حتى منتصف ساقه خلال الليل طمس كل أثر.
«هاا… هه….»
كلما تنفّس لسعت رئتاه بالألم. كان واضحًا أنه سلك طريقًا خاطئًا، لكن لم يظهر له سبيل للخروج.
وبعد نصف يوم من الدوران، وحين ظنّ أنه أخيرًا وجد الطريق، فقد وعيه وسقط عن صهوته سقوطًا عبثيًا.
ومنذ ذلك الحين لا يعلم كم مضى من الوقت. إن لم يأتِ أحد قبل غروب الشمس، فسيموت هو وفرسه من التجمد في الجبل.
«اذهب.»
رفع رأسه بصعوبة ونظر إلى فرسه الأسود. وأمره بصوت هادئ:
«اذهب إلى هيونجُو.»
«…….»
«اذهب بأي طريقة. لا تمت. عش… واذهب.»
خرج من منخري الفرس بخار أبيض. لا يدري لماذا، لكنه ابتسم لذلك المشهد.
أغلق يون وون عينيه المتثاقلتين ببطء ثم فتحهما. حتى في تلك الحال، انحنت زاوية عينيه بمكرٍ خفيف.
«كما ترى، لستُ في حالٍ أستطيع فيه الاعتناء بك. وأنت أيضًا لا تبدو قادرًا على مداواتي. فما الفائدة من بقائنا ملتصقين سوى التذمر المتبادل؟ فلنفترق ونحن على وفاق.»
مرّ المزاح. والتقت عينا الفرس بعينيه. كان في نظرة الحيوان إخلاصٌ عميق مزّق صدره كالسيف.
استنشق يون وون نفسًا عميقًا. وعلى نحوٍ غريب، نهضت عزيمته.
«سأعيش بطريقةٍ ما. فاهتمّ بنفسك أنت.»
توجّهت إلى الفرس نظرةٌ مفعمة بالحنين والحزم في آن.
«عِش. عِش واذهب إلى هيونجُو. ولْنلتقِ مجددًا. وسأستمع يومها إلى عتبك لأنني أرسلتك اليوم وحدك.»
رفع الفرس رأسه وهزّه. وكأنه فهم الكلام فعلًا، فارتفعت زاوية فم يون وون.
رنّ في أذنيه صوت حوافر الفرس وهو يبتعد فوق الثلج. تسارعت الخطى قليلًا ثم انطلق عدوًا.
وحين ابتعد الصوت حتى لم يعد يُسمع، عادت زاوية فمه التي كانت مرفوعة بخفة إلى موضعها.
«هااا.»
انتشر بخار أبيض من فمه. كان الزفير مثقلًا بالألم. بدأ وعيه يتلاشى.
«حسنًا… كيف سأبقى حيًا الآن…؟»
ضحكة ممزوجة بالسخرية من النفس تسللت إليه. وفي تلك اللحظة شعر باقتراب أحدهم.
«……!»
كتم أنفاسه بسرعة ورفع رأسه يتفحّص. ثم ارتعش حاجباه بدهشة خفيفة وهو يتتبع الصوت.
كانت امرأة تتمتم وهي تمشي حاملةً مِضرَب غسيل، فتوقفت فجأة واتسعت عيناها.
«من هناك؟»
من بين لفائف القماش التي لفّت بها خديها بإحكام كأنها تتحدّى التجمد، انفتحت شفتان صغيرتان فجأة.
⋆★⋆
«سألتُ من هناك.»
سأل الرجل المدفون في الثلج مرة أخرى دون أن ينهض. كان صوته كأنه ريح الشمال وقد جُمّدت وقُبض عليها في قبضة يد. يكفي سماعه لتتسرّب القشعريرة إلى الجسد.
في مثل هذا الموقف كان من الطبيعي أن تردّ: «وأنت من تكون؟» لكن دانتشو فقدت الكلمات أمام وجهه الشاحب.
من شكل الثلج الغائر على هيئة جسد إنسان، بدا أنه سقط من مكان مرتفع هكذا. ومن شحوبه الخالي من الدم، كان واضحًا أنه ضلّ طريقه عند تلة بيونغبيونغي وانتهى به الأمر إلى هذا الحال.
في اليوم التالي لهطول الثلج، لا يدخل أعماق جبل موولسان إلا ثلاثة أنواع من الناس.
أحمق حقيقي، أو أحمق غريب عن المنطقة – لا يعرف خطورة المكان – ، أو…
«أأنتَ السيد الذي جاء للنقاهة؟»
حتى وهي تسأل، شعرت أن السؤال لا حاجة له.
من عساه يأتي إلى هنا وحده في هذا الوقت غيره؟
لون وجه سيئ، جسد يبدو عليلًا، ملابس باهظة تدلّ على بيتٍ ثري، و…
«أن تعرف الكلام ولا تجيب على السؤال، أهو لأنكِ لا تفهمين ما يُقال، أم لأن لديكِ ما تخفينه؟»
ونبرة وقحة جافة كذلك. لا حاجة للنظر أكثر. إنه حقًا السيد الأرعن (مانغجونغ).
انحنت دانتشو بأدب أمام الرجل الممدد في الثلج، الذي لم يرفع سوى رأسه قليلًا ناشرًا تكبّره.
«أنا هونغ دانتشو التي ستخدم السيد. الطريق وعر، فجئتُ لاستقبال…»
«وما ذاك؟»
وجهه شاحب حتى إنه لا يكاد يتنفس، لكنه يطرح الأسئلة بإتقان. تبعت دانتشو نظرته.
«…مِضرَب الغسيل.»
«أسأل لماذا ترفعينه هكذا.»
«آه.»
أنزلت المِضرَب الذي كانت تمسكه بإحكام بكلتا يديها على عجل. يبدو أنها اتخذت وضعية دفاع دون أن تدري. بل في الحقيقة كانت وضعية هجوم.
بالطبع، لن يعرف هذا السيد الفرق.
«لا تنوين ضربِي به صحيح ؟»
«…لا!»
«تأخرتِ في الرد واتسعت حدقتاك.»
تخلّت دانتشو عن محاولة التبرير. ما هذه الفراسة الشيطانية لدى هذا الرجل؟ ولماذا ينظر إلى المِضرَب بتلك النظرة الحادة؟
آه! أترى لأنه ضُرب بالعصا كثيرًا فصار يخشاها؟ (تحسبه ذاك الولد واهله من كثر بلاويه يمسي ويصبح على الضرب )
«لكن كيف سقطتَ هكذا؟ أيمكنك تحريك عنقك؟ ارفع يدك قليلًا. أو على الأقل حرّك أصابعك هكذا، هكذا.»
حرّكت أصابعها أمامه كمثال. لكنه لم يُبدِ نية في تقليدها.
«أأنتِ طبيبة؟»
لم يكن في صوته سوى التعب. بدا ذلك الإرهاق شديدًا لدرجة أن دانتشو جلست القرفصاء عند رأسه ولمست جبينه.
«أنا فقط أساعد المريض على التعافي وفق وصفة الطبيب.»
«…حقًا؟»
كانت يدها على جبينه دافئة. جسده الكبير البارد استجاب لتلك الدفء الصغير.
تفحّص يون وون هيئة دانتشو، تلك العامية.
ملابس بسيطة ومئزر قديم، أمر عادي. وحملها مِضرَب الغسيل كان غريبًا، نعم، لكنه لا يشكّل تهديدًا.
عيناها كبيرتان يسهل قراءة تعبيرهما. وفيهما سواد بدا لا مباليًا، وربما جريئًا، لكن بلا عداء.
طرف أنفها الصغير المستدير كان محمرًا من البرد، وهذا مضحك قليلًا.
بدت شفافة، لكنها عنيدة. عادية، لكن فيها طبعٌ حاد.
وأكثر ما لفت النظر سترتها المبطنة السميكة التي ارتدتها طبقات كأنها تعلن أنها لن تموت تجمدًا، والوشاح الذي لفّ خديها وذقنها بإحكام.
كانت هيئةً شديدة الجدية. لو رآها أحد لظنّها جنديًا خارجًا إلى حرب…
«……!»
توقفت نظرة يون وون عند عقدة الوشاح المربوطة أعلى رأسها. لم يتوقع ذلك، فطال النظر قليلًا.
تسللت ابتسامة خفيفة، ضعيفة إلى حد أنه لم يشعر بها.
على نحو غريب، انحلّ حذره. اندفع إليه شعورٌ مجهول بالطمأنينة، فاسترخى جسده.
فلأكن إذًا الرجل الذي تريده هذه العامية، ولأسترح قليلًا.
ترك عينيه تنغلقان من تلقاء نفسيهما، وقال بصرامة:
«ماذا كنتِ تفعلين حتى جئتِ الآن؟ الثلج غطّى الطريق كله.»
«…….»
«بهذه المهارة، كيف ستخدمينني…»
ابتعدت يدها عن جبينه. أراد فتح عينيه لافتقاده ذلك الدفء القليل، لكن جفنيه التصقا كأنهما معقودان.
«سيدي. سيدي…»
كان صوتها يناديه بعيدًا. الآن فقط لاحظ أنه صوت جميل. كصوت شخص يعرفه منذ زمن. ضحكة خفيفة من فكرة حمقاء كانت آخر ما وعاه -او تذكره وادركه -.
«…….»
«…….»
نظرت دانتشو إلى وجه الرجل الذي غفا وهي تعقد حاجبيها. مدفون في الثلج على وشك أن يتجمد حتى الموت، ومع ذلك ترتفع زاوية فمه في ابتسامة خفيفة.
«أفقد عقله؟»
مدّت يدها إلى خلف أذنه تتحسس نبضه. كان ضعيفًا، لكن ليس مقلقًا بشدة.
غير أن حرارته كانت منخفضة جدًا، وهناك جرح في كتفه لم تنتبه إليه من قبل.
تسارعت أنفاسها فجأة. فتشت في ملابسها وأخرجت قطعة قماش ولفّت الجرح بإحكام من جديد.
«من أين أُصيب بهذا الجرح؟»
أترى تشاجر في الطريق فتعرّض لضربة سيف؟
كان طبعه يسمح بذلك، لكن ملامحه كانت سامية جدًا على أن يوجّه أحد إليه سيفًا بسهولة.
نزعت إحدى ستراتها المبطنة وغطّت بها جسده بعناية، ثم توقفت يدها فجأة. عاد نظرها إلى وجهه.
كما يرغب المرء في لمس جوهرة نادرة، امتدت يد دانتشو دون وعي نحو جسر أنفه. لا تدري ما الذي في الأمر، لكنها ابتلعت ريقها بصمت.
التعليقات لهذا الفصل " 4"