«أنا حقًا لا أفهم لماذا قلتِ إنكِ ستتولين هذا العمل.»
بدت دانتشو شاردة قليلًا وهي تنتشل نفسها من أفكارها.
«…ماذا؟»
«لماذا تقولين إنكِ ستخدمين ذلك الوغد السافل؟ النائب بان (الطبيب لي البطلة تعمل عنده)وُلد أصلًا وهو مولع بالمال حدّ الجنون، فهذا مفهوم، لكن لماذا أنتِ أيضًا؟ من الواضح أنّ الجدّ سيصف له بضع جرعات من الدواء ثم يذهب ليتنزّه، والذي سيتحمل المشقة بجانبه ستكونين أنتِ وحدك. كم ستكسبين حتى تختاري أن تعتني بمثل ذلك الأرعن الفاسد دون غيره وتحمّلي نفسك العناء، هـه!»
صحيح. في تلك اللحظة، وسّعت دانتشو عينيها فجأة ودسّت سلة الغسيل في حضن بُني دفعةً واحدة. وحين رفعت بُني رأسها، كانت دانتشو قد أمسكت بالفعل بمِضرَب الغسيل واندفعت راكضة على عجل.
«لماذا فجأة؟ ماذا… ما الأمر؟!»
اندفعت دانتشو خارجة مسرعة ولم تلتفت حتى وهي تجيب:
«يجب أن أذهب لاستقباله!»
«استقبال؟ من؟»
«ذلك السيد الوغد السافل الذي ذكرتِه!»
لوّحت دانتشو بمِضرَب الغسيل في الهواء بدل يدها.
أهذا أمرٌ يُجاب عنه بتلك البهجة الصافية؟
فتحت بُني فمها مذهولة ثم مدّت عنقها وصاحت:
«ولِمَ المِضرَب؟!»
كانت خطواتها سريعة إلى حد أن ظهرها صار بحجم نملة عاملة. ومع ذلك صاحت بُني مرة أخرى:
«شكرًا لأنكِ ساعدتِني في الغسيل!»
كان خرير ماء الجدول هو الجواب. شهقت بُني بشيء من التأثر وعصرت الغسيل المبتل.
«على أي حال، دانتشو هذه طيبة القلب بلا داعٍ…»
لا شك أن جدّ النائب بان قد تأوّه من المرض، وإلا فما الذي سيدفعها لتتولى الأمر؟
«حمقاء ذكية (أي تبدو ذكية لكنها ساذجة)، لا تدري أنها تُستغل من ذلك العجوز.»
تمتمت بكلماتها بمحبة وهي تُسرّع حركة يديها. أرادت أن تُنهي العمل سريعًا لتذهب وترى وجه ذلك الوغد بعينيها.
ثم فجأة.
«أيها السيد الوغد، لعلّك تضلّ الطريق عند تلة بيونغبيونغي (تلة الدوران) وأنت قادم!»
ارتسمت ابتسامة رضا على شفتي بُني بعد لعنتها تلك. تراكمت قطع الغسيل في السلة واحدةً تلو الأخرى.
★⋆
يا لهذا…
رفعت دانتشو نظرها إلى السماء وأمسكت بطرف تنورتها مسرعةً في خطاها. كان واضحًا أن الثلج سيهطل مجددًا بعد قليل.
«أن تأتي في يوم كهذا بالذات.»
كان الثلج المتراكم منذ الليل قد بلغ حدًّا يجعلها تغوص حتى ركبتيها مع كل خطوة. إن لم تُسرع وتصعد بالضيف سريعًا، فسيغلق الثلج الطريق ويحتجزه في الجبل. وإن حدث ذلك، فالتجمد حتى الموت في طقس كهذا ليس إلا مسألة وقت.
«هاه… لقد اخترت يوم قدومك اختيارًا مذهلًا فعلًا.»
خرج النفس لاهثًا من بين شفتيها. كان الطريق الجبلي وعرًا أصلًا، ومع تراكم الثلج صار المشي أبطأ والجهد مضاعفًا. طرف أنفها كان يلسعه البرد، بينما كان العرق يتصبب من جبينها.
لحسن الحظ أنها سلكت الطريق المختصر، فلا يزال أمامها متسع من الوقت حتى الموعد المحدد. ومع ذلك لم تستطع إبطاء خطواتها، فتابعت السير دون توقف.
كيف لها أن تفسد أمرًا وعدت به، فتترك الضيف يتجمد حتى الموت؟
«هاه… هوو…»
كانت بحاجة إلى المال لتستعيد أخاها الأصغر. كان ثمنه مئة نيانغ (عملة فضية قديمة).
طوال ذلك الوقت ادّخرت بشراسة لتجده، لكن المبلغ كان بعيد المنال. وبينما كانت تختنق من الضيق لعجزها عن جمع المئة نيانغ، جاءها عرض من الطبيب بان. قال إنه إن أحسنت رعاية السيد مانغجونغ (لقب يُطلق هنا بسخرية على الأرعن) لمدة شهر، فسيعطيها خمسين نيانغ.
كانت دانتشو تعلم. إن كان سيعطيها خمسين نيانغ، فلا بد أنه سيجني هو خمسة أضعاف ذلك على الأقل. فسمعة ذلك السيد مانغجونغ سيئة الذكر في كل مكان.
«أعطني مئة نيانغ.»
«ماذاا؟ أتعلمين كم هو مبلغ المئة نيانغ؟ بيت قرميدي من ثلاث عشرة غرفة في بوكشون (الحي الشمالي) يساوي مئة وخمسين نيانغ!»
كانت تعلم أنه لا أحد غيرها سيقبل بالعمل، لذلك قالتها بلا تردد.
السادة الذين يأتون إلى مقر العلاج في الجبل كانوا في الغالب مرضى. قد يكثر من يخدمهم، لكن العثور على عاملة كفؤة مثلها، تجيد التعامل مع الأعشاب الطبية وتعرف كيف تعالج على نحو مناسب، كان أمرًا شبه مستحيل.
«مئة وعشرون نيانغ.»
«ألسنا قد عملنا معًا غير مرة؟ هذا المبلغ مبالغ فيه…»
«مئة وثلاثون نيانغ.»
«يا دانتشو.»
«مئة وأربعون نيانغ. لن أزيد بعدها حرفًا، وسأغادر.»
«حسنًا. مئة نيانغ. لنجعلها مئة نيانغ.»
لم تكن دانتشو تهتم بكم سيجني الطبيب بان. كل ما كانت تريده هو المئة نيانغ.
كانت لا تساوم حين يتعلق الأمر بأجرها، لكنها كانت تعلم أيضًا أن ذلك العجوز لن يعطي أكثر مهما طمعت. كان كلٌّ منهما بحاجة إلى الآخر، فتوصلا إلى تسوية لا ترهق أحدًا.
«لكن مصاريف الطعام وكل ما يُنفق على السيد تُحسب منفصلة.»
«لماذا أصبحتِ شديدة التدقيق هكذا؟ كنتِ أصلًا دقيقة، لكن في الآونة الأخيرة صرتِ أكثر…»
«خمسون نيانغ سلفًا.»
لهذا، كان السيد مانغجونغ بالنسبة إلى دانتشو فرصةً أرسلها لها القدر. إن أحسنت مرافقته وأعادته بسلام، فستجمع مالًا يكفي لاستعادة أخيها.
«لا يكون قد صعد وحده متصرفًا على هواه، أليس كذلك؟»
راودها القلق فجأة. قيل إن طبعه جامح ونفد صبره سريعًا. لم يكن من النوع الذي يطيع بهدوء إن طُلب منه الانتظار.
«تجول حيث شئت، لكن لا تقترب من تلة بيونغبيونغي.»
في جبل موولسان (جبل القمر الخالي) الذي يكثر فيه الثلج، هناك موضع يُدعى تلة بيونغبيونغي، أي «تلة الدوران». سُمّيت هكذا لأن الغريب في الشتاء يدور فيها مرارًا دون أن يهتدي للطريق.
وليس الغرباء وحدهم من يعجزون عنها. حتى أهل القرى المجاورة قد يُحتجزون في الجبل. وكثيرًا ما يُعثر على جثثهم بعد ذوبان الثلج في الربيع.
هذا إن لم يصبحوا طعامًا للنمر الأبيض الذي يُقال إنه يسكن هناك.
لهذا كانت دانتشو، في الأيام التي يشتد فيها الثلج، تعمل كدليلة لقاء أجر. فالجبل بالنسبة إليها مكشوف كراحة يدها، وكان ذلك مصدر رزق لا بأس به.
فجأة،
تساقطت كتلة من الثلج من على غصن لم يحتمل ثقلها.
تفادتها بمهارة، وما إن همّت أن تخطو خطوة أخرى حتى—
“من هناك ؟”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"