«يجب أن ندمّرهم جميعًا. نُشعل ثورة ونرسلهم إلى المقصلة بهدوء. هذا ليس وقت الجلوس هنا. عليّ أن أقلب كل شيء رأسًا على عقب مع رفاقي…»
«يا إلهي، ميتش بيرن!»
لم يرتجف الطفل إلا عندما كادت كاليا تصرخ.
«لماذا أنت هكذا أيضًا؟ أرجوك… أتوسل إليك. رأس أمك على وشك الانفجار هذه الأيام. حتى أختك أصبحت على هذا الحال، فعليك أن تكون عاقلًا على الأقل…»
قبل أن تكمل كلامها، اندلع سعال حاد من صدرها. دوّى الصوت الخشن في غرفة المعيشة الصامتة.
حينها فقط فزع ميتش، وسارع بإحضار الماء. لكن كاليا لم تستطع حتى شربه.
بعد نوبة سعال طويلة شعرت خلالها وكأن أحشاءها ستخرج، انهارت على الكرسي. حدّق ميتش بوالدته بقلقٍ شديد.
«هل أنتِ بخير؟ أمي، يجب أن تذهبي إلى الطبيب. سأصطحبك قبل بدء المدرسة.»
«لا تفعل ذلك يا ميتش. استدعاء الطبيب مكلف. كنت أنوي الذهاب للمشفى عاجلًا أم آجلًا، لكنني كنت مشغولة بالعمل في المصنع.»
أجابت كاليا بصدق. عندما نظرت إلى حياتها، لم تجد سوى سوء حظٍ يلاحقها.
والآن، بعد أن سددت الديون أخيرًا، حان وقت الوقوف مجددًا وجني المال.
«أمك ستدبّر الأمر. لن أدعك تمرضين أبدًا.»
«نعم… نعم.»
نسيا الشجار السابق، وتصالحا من جديد بدفءٍ بسيط.
«سأذهب غدًا إلى العمل وأسأل السيد بودِن مرة أخرى. هل يوجد أي شيء تستطيع أختك فعله في المصنع؟»
كان «بودِن» هو صاحب مصنع الغزل الذي تعمل فيه كاليا.
«ألم يرفض عندما سألتِه قبل أيام؟»
«كان حينها في وضع سيئ جدًا. الآن بعد أن حُلّت مشكلة المال العاجلة، ربما غيّر رأيه. سأطلب منه على الأقل أن يدّعي أنه يريها الدفاتر، حتى لو لم يرد توظيفها. أعتقد أن أختك محبطة جدًا.»
«لكن… ماذا لو طردوا أمي أيضًا؟»
«السيد بودِن ليس ذلك النوع من الناس.»
«حقًا؟»
ابتسم ميتش، ثم هزّ رأسه.
«لا، لا أريد أن أتوقع شيئًا بعد الآن. سأخرج مع أختي غدًا للبحث عن عمل.»
«لكن مدرستك ستبدأ قريبًا.»
كادت عبارة «أفكر في ترك المدرسة» أن تخرج من فمه.
لم يكن أحد يعلم، لكن ميتش كان ينوي تقديم استقالته في نهاية الفصل القادم.
ابتلع عزيمته الثقيلة، وحاول التحدث بنبرة مرحة:
«عندما أعود إلى المدرسة، قد تُحل هذه المشكلة بسهولة.»
«ماذا تقصد؟»
«سأطلب من رفاقي أن يساعدوا أختي.»
بدت كلمة «رفاق» غريبة بدل «أصدقاء»، لكن كاليا، المنهكة أصلًا، تجاهلت الأمر.
«بعض الرفاق ميسورون. بعضهم من عائلات تجارية، وبعضهم يملكون متاجر كبيرة. صحيح أن طلب خدمات شخصية من الرفاق أمر محظور… لكن هل يوجد شيء محرّم تمامًا في هذا العالم؟»
أومأ ميتش لنفسه وتابع:
«حتى لو لم يكن عملًا مهمًا، سيعطونها بعض الأعمال البسيطة. هي بحاجة حتى لغسل الصحون. وإذا عملت في أحد بيوت رفاقي، سأحرص على إخفاء هويتها حتى لا تُكشف… آه!»
فرقع أصابعه فجأة.
«لماذا لم تخطر لي هذه الفكرة إلا الآن؟ لا داعي لانتظار بدء الدراسة. سأذهب لرؤية رفاقي غدًا.»
حتى كاليا شعرت بالأمل في صوته المتحمس. ربّتت على ظهره بلطف. ابتسم لها ميتش.
لكن على عكس دفئهما، كانت شارلوت، الجالسة على الدرج منذ البداية، مضطربة إلى حد لا يُحتمل.
كانت كلمة «رفاق» هي ما جعلها تشعر بالقلق.
لم تنم شارلوت جيدًا منذ أيام بسبب ما كشفه ميتش عن الهوية الحقيقية لـ«مزرعة هيلدن».
في البداية، لم تفهم شيئًا. لم تستوعب معنى «ثوري» أو «متمرّد».
«إنهم متمردون فرّوا من ترونيا. هناك ثوريون يعملون في الخفاء. عبروا حدودنا بأعداد كبيرة عندما اندلعت الحرب الأهلية العام الماضي. يختبئون في الجبال والغابات، ويواصلون تنظيمهم السري. مزرعة هيلدن واحدة من تلك الأماكن.»
تلت ذلك كلمات مخيفة: «مخبأ»، «تنظيم سري»، «عملية اغتيال».
شارلوت اكتفت بالإيماء. ما كان يهمها فقط هو: هل مزرعة هيلدن خطر عليهم أم لا؟
قال ميتش إنهم ليسوا خطرًا، فقررت ألا تقلق.
لكن ما أضافه في النهاية كان المشكلة.
«عندما تبدأ الدراسة، سأذهب إلى مزرعة هيلدن مع أعضاء فرقة التطهير. علينا التأكد إن كانت مخبأهم فعلًا، وإن لزم الأمر، نتعاون.»
اسم «فرقة التطهير» كان أكثر رعبًا من المسدس.
حتى دون فهم التفاصيل، شيء واحد كان واضحًا:
أصدقاء ميتش مجرد أطفال… وهم ينوون مواجهة «ثوريين» مسلحين.
وفي كل مرة تهوّر فيها ميتش بيرن، كانت الأمور تنتهي بكارثة.
لا يهم السر بعد الآن. يجب أن أوقف هذا فورًا!
جلست شارلوت بهدوء.
كانت تعلم أن أختها تعاني منذ مرضها الأخير، ولهذا لم تجرؤ على الكلام.
لكنها لا تستطيع إخفاء هذا الخطر.
أليس هذا أمرًا قد يودي بحياة ميتش؟
زحفت إلى الغرفة وهمست:
«…أختي.»
ثم أيقظتها.
«أنت مجنون… مجنون يا بيرن… أنت… كيف…»
داخل الإسطبل المظلم، تمتمت إميليا بذهول. كان ميتش مستندًا إلى الجدار الرطب، ورأسه منخفض.
كانت كاليا قد صفعته مرتين.
الأسرة كلها صُدمت؛ فالأم لم ترفع صوتها يومًا، فضلًا عن الضرب.
لولا أن إميليا هدّأت أمها المرتجفة وسحبت ميتش إلى الإسطبل، لما عُرف ما الذي كان سيحدث.
«فرقة التطهير… يا إلهي… ما هذا الاسم…»
شعرت إميليا بدوار، وضغطت يدها على جبينها.
كان الإحساس تمامًا كما عندما علمت بدَين زوجة أبيها.
شعرت أن كل شيء خطؤها.
ظنّت أنها تحمي عائلتها… لكن الواقع كان عكس ذلك.
كيف لم تنتبه؟
كيف لم تلاحظ تحوّل كراهية ميتش للسلطة إلى كلمات مثل «سفك الدماء» و*«القتال من أجل الحرية»*؟
«كان مجرد مزاح، صحيح؟ مجرد اسم للّعب؟ لم تفعلوا شيئًا خطيرًا… أو غريبًا، أليس كذلك؟»
«هذه خيانة… قد تُشنق بسهولة. نحن نعيش في مملكة جلالته! هذا ليس مضيق فيرن ولا اتحاد العالم الجديد. حتى هناك، فرقة التطهير تُعدم! هل تعلم كم قُطع من الحناجر في ترونيا؟ جثث مصفوفة على الخوازيق… أطفال وبالغون! ومزرعة هيلدن هي ملجأ لهم؟! كيف تتخيل هذا فقط لأنك رأيت مسدسًا؟ أنا خائفة من أفكارك…»
ثم رفعت رأسها فجأة:
«قل لا، ميتش… لم تنخرط… فقط خُدعت وذُكر اسمك… لا يمكن أن تفعل شيئًا بهذا الغباء… أنت تحب عائلتك… أنت ذكي… لا يمكن… لا يمكن…»
التعليقات لهذا الفصل " 64"