سألت إميليا ببرودٍ مصطنع، ثم وقفت بجانبه دون أن تنظر إليه مباشرة أو ترفع عينيها نحو وجهه.
حدّق هارديوس فيها بصمتٍ للحظة، ثم أجاب بلا اكتراث:
«هكذا فقط.»
لم يتوقف حتى لثانية، بل أعاد نظره اللامبالي إلى السماء.
وقف الاثنان كتفًا إلى كتف، يراقبان المطر المنهمر. لم يبادر أيٌّ منهما بالكلام. كل ما كان بينهما هو ضوء مصباح الشارع الخافت، وصوت المطر الصاخب الذي يبتلع كل شيء.
مرّ الوقت ببطء، منساقًا مع المطر. شعرت إميليا، المستندة إلى الشرفة، بإرهاقٍ شديد يزحف من أخمص قدميها.
هل أرهقتُ نفسي أكثر من اللازم خلال الأيام الماضية وأنا أبحث عن عمل؟
كانت متعبة إلى حد شعورها بأنها ستفقد الوعي لو لامس ظهرها الجدار.
وعلى النقيض منها تمامًا، بدا الرجل بجانبها هادئًا، مفعمًا بالحيوية.
كيف يمكن ذلك؟
ماذا اضطررتُ أن أفعل من أجل ذلك القليل من المال؟ كيف عوملت؟
رغبةٌ عنيفة في خدش جلدها حتى ينزف الدم حفرت تحت أظافرها.
أكرهك… أكرهك حقًا، من أعماق قلبي.
كان الإحساس وكأن شيئًا ما على وشك الانفجار.
بعد يومٍ بدا كأنه حرب، كانت المشاعر المكبوتة على وشك أن تفيض.
قبضت إميليا بكل قوتها على المسدس المخفي تحت شالها. عندما أدركت أن هارديوس يقف أمام المنزل، كان أول ما فعلته هو أن تطلب المسدس من العم بيبي.
رغم أن المخزن كان فارغًا، كانت مستعدة لتوجيهه نحوه إن استفزّها مرة أخرى.
كانت تريد تحطيمه.
أرادت كسره.
لكن لامبالاته كانت خانقة. ذلك الوجه البارد كان دائمًا يجعلها تشعر بعدم الارتياح.
ماذا لو أخرجتُ المسدس الآن ووجهته إلى قلبه؟
هل سيرتبك؟
لا، لن يرف له جفن. بل سيضحك منها مجددًا قائلًا:
«ماذا تفعلين بلا رصاص؟»
«هل يؤلمكِ شيء؟»
التفت رأس إميليا المتصلب عند السؤال المفاجئ.
لأول مرة منذ التقيا، تلاقت أعينهما مباشرة.
«…لا.»
أدارت إميليا رأسها فورًا. كانت لحظة قصيرة إلى حد يصعب وصفها بالرؤية.
ومع ذلك، انطبعت صورتاهما في ذاكرة كلٍّ منهما بوضوح تام.
بالنسبة لهارديوس: نظرة باردة.
وبالنسبة لإميليا: زيّ بحري أنيق متقن.
الشيء الجيد الوحيد هو أن هارديوس بزيه العسكري لم يعد يجعل قلبها يخفق كما في السابق. فتحت فمها عمدًا لتُشعره بذلك.
«هل كنتَ في مأدبة رسمية؟ أم ذهبتَ إلى الأكاديمية؟»
«عدتُ للتو من لقاء جلالة الملكة.»
توتر جسدها للحظة.
ارتدى ملابسه الرسمية وذهب للقاء الملكة… ثم جاء إلى هنا مباشرة؟
تسللت فكرة غير مرغوبة إلى ذهنها.
«لا تقل إن… فسخ الخطوبة…»
«ليس بعد.»
مع إجابته الحاسمة، خرج بخار أبيض من فمه في الهواء البارد.
حدقت إميليا في ذلك البخار وهو يتلاشى مع المطر، وشعرت فجأة بإرهاق وفراغ.
«حسنًا… سواء فسخت الخطوبة أم لا، لم يعد الأمر يهمك، يا سيدي.»
«نعم، لا يهم.»
عاد صدرها يضيق من جديد. أنزلت عينيها نحو قدميها المبتلتين.
بدأ صوت المطر يطغى على كل شيء. بدا المسدس في يدها سخيفًا وطفوليًا بلا نهاية.
لا فائدة من المقاومة. هذا الرجل لن يتوقف.
هارديوس ماير لا يختلف عن درام. كلاهما يحاول تحويلها إلى دمية بلا قيمة.
شيءٌ ملتوي ومشوَّه كان يعبث بقلب إميليا.
بدل أن تصوّب المسدس نحوه، اختارت طريقًا آخر.
«أرجوك… أتوسل إليك.»
ما إن همست بتلك الكلمات الواهنة حتى سقطت على ركبتيها بصوتٍ مكتوم. توقفت حذاؤه الجلدي اللامع أمامها.
«أتوسل إليك هكذا.»
كان صوتها يحمل كل مرارة وإحباط الأيام الماضية.
كانت تلك أول مرة تركع فيها أمام شخص، لكن الإحساس باليأس كان يخنقها أكثر من الإذلال.
«أرجوك، توقف.»
توقعت أن يتفاجأ. أو أن يغضب.
لكن حتى بعد كل هذا، لم يستدر جسده بالكامل نحوها.
«كان السيد الشاب يضحك دائمًا، لكنني كنت أظن أن بيننا نوعًا من الوفاء.»
شعرت بألم حاد يخترق صدغيها.
أخذت إميليا نفسًا عميقًا وتابعت بصعوبة:
«…سأكذب إن قلت إنني لم أشعر بشيء تجاهك، يا سيدي. ولا زلت أحتفظ بذكرى ‘إلفر’ في قلبي.»
كلما تحدثت، ازداد الفراغ في صدرها.
«لكن هذا كل شيء. لمجرد أنني سامحتك على السنوات الخمس الماضية وشعرت بالارتياح معك، فهذا لا يعني أنني أريد الاستمرار في هذه العلاقة. سأكررها: لا تسلبني آخر ما تبقى لي من ولاء تجاهك. أرجوك.»
«…انهضي.»
لكن إميليا، بدلًا من النهوض، لصقت جبينها بالأرض.
«للحب درجات. مجرد إعجاب عابر بإلفر لا يمكن أن يكون شعورًا عميقًا. إنه سطحي وخفيف، مثل ماء المطر هذا الذي يختفي في لحظة. مشاعر كهذه متهورة ومتقلبة، وتزول سريعًا. وما يبقى بعدها هو الندم.»
«توقفي.»
كان صوته منخفضًا ومخنوقًا، بالكاد يُسمع. لكنها واصلت، وكأنها تغرق في دوامة.
«أريد أن أكون حرة الآن. هذا لا علاقة له بالمشاعر. طوال خمس سنوات، شعرت وكأنني محاصَرة في فخ. أكره ذلك… أكرهه حقًا.»
نطقت كل كلمة وكأنها تبصق دمًا.
«أشعر أنني أجنّ بسببك، يا سيدي. سئمت إلى حد قد أموت فيه.»
ارتخت يدها المخفية تحت الشال فجأة. وضعت المسدس أمامه.
«خذْه من فضلك. هذا الشيء مخيف مثلك الآن. إن لم تأخذه، لن يبقى لي سوى رميه… لكنك تعرف أنني لست قاسية. لذلك لا خيار أمامي.»
ارتطمت قطرات المطر بالمعدن البارد.
«أرجوك، دعني أتذكرك كشخصٍ طيب. أتوسل إليك.»
كم مرّ من الوقت؟
التقطت أصابعه الطويلة المسدس المبتل.
كان هواء الفجر الكئيب معلقًا بينهما.
«ماذا نفعل نحن أصلًا؟ لا أفهم أين أخطأنا… لم أتخيل يومًا أن تنتهي علاقتنا هكذا. ظننت أننا سنفسخ الخطوبة ونعيش كلٌّ في طريقه بسلام. أنت… قبل أن تفرض نفسك عليّ، كان هناك شخص وعدته بالزواج. فكّر به.»
جمعت إميليا شجاعتها ورفعت رأسها.
كانت تظن أنه سيتزعزع قليلًا بعد توسّلها وركوعها. أليس هو من دفع أرجوحة شارلوت؟
لكن هارديوس ماير بقي باردًا، ثابتًا على نحو مخيف.
«هل انتهيتِ من الكلام؟»
كان صوته بلا نبرة، بلا إيقاع… مخيفًا.
«قلتُ إنني سأمنحك أسبوعًا. ولم يتبقَّ سوى يومين.»
استدار هارديوس، واختفى داخل ضوء العربة الخافت المتحرك بين ظلال الغابة.
كان المطر الغزير يضرب جسده بقسوة، لكن هارديوس واصل السير بلا إحساس.
«ماذا نفعل نحن؟»
ترددت كلماتها في رأسه ببرودٍ قاسٍ.
كان سؤالًا مشروعًا. بل هو السؤال الذي طرحه على نفسه مرارًا.
ماذا أفعل الآن؟
الإجابة كانت واضحة ومبهمة في آنٍ واحد.
كان عالم مشاعر، لا منطق فيه ولا حساب. وهارديوس لا يُسمي المشاعر.
هل سبق أن لاحقتَ مشاعرك واستخرجتها لمنفعتك؟
«هاه؟ سيدي!»
ركض السائق نحوه حاملاً مصباحًا ومظلة. وما إن أضاء الضوء المسدس المتدلي بخطر من يد سيده، حتى ارتبك.
نظر هارديوس هو الآخر إلى المسدس المبتل.
نعم… ربما كل هذا بسبب هذا السلاح اللعين.
منذ أن لم يستطع مقاومة اندفاعه وسلّمه لإميليا، عادت إليه كل مشاعر الضعف المكبوتة منذ الطفولة، وأمسكت بقلبه بقسوة مخيفة.
منذ أن علم بوجود الاجتماع السري، عاش هارديوس في خوفٍ دائم. كان يخشى أن تُقتل خطيبته.
تخيل أسوأ السيناريوهات: ويليام ريتشارد يقتلها بنفسه، أو قاتلًا يحرق منزلها، أو يدس السم في طعامها.
وفي نهاية كل تلك التخيلات، كان يفتح الدرج ويخرج المسدس.
كان يريد أن يجد الفتاة، يخبرها بالحقيقة، يعطيها السلاح، ويطلب منها الهرب.
كانت فكرة ساذجة… لكنها أفضل من لا شيء.
كان ينوي الخروج فجرًا على ظهر حصان.
لكن ماذا عن الحراس النائمين بجواره؟
أو إرسال رسالة سرًا؟
أو إيجاد شخص موثوق؟
لم يكن الأمر سهلًا. عالمه كان محاصرًا بأسوار عالية.
العيون كانت في كل مكان. في كل لحظة. مع كل نَفَس.
لم تكن هناك سوى فرصة واحدة. مأدبة واحدة.
خطط لكل شيء بدقة: مسارات الخدم، حركة الضيوف، وحتى تصميم المكان.
وفي يوم المأدبة، واجه أخيرًا خطيبته التي كانت تتجول في الحديقة هربًا من الناس.
كانت تراقب سنجابًا فوق شجرة.
تقدم نحوها بخطوات واثقة. أقل من دقيقة فقط. كان عليه أن يسلمها المال والمسدس، ويطلب منها الهرب.
كان واثقًا. تلك لحظة استعد لها شهورًا.
لكن بعد بضع خطوات، توقف فجأة.
الطفلة التي كانت تنتظر السنجاب بفتات بسكويت في يدها، بدت بعيدة عن هذا العالم.
حتى لو أعطيتها مالًا وسلاحًا… هل يمكنها حقًا أن تهرب؟
إميليا بيرن ليست وحدها. لديها زوجة أب، وأخ أصغر، وأخت عمياء.
وفوق كل ذلك، لو عرفت الحقيقة، ستعيش مطاردة بالخوف كل يوم. وكان يعرف أكثر من أي أحد كم يمكن لذلك أن يكون جحيمًا.
حياة هروب… هل يمكن احتمالها؟
الحقيقة لا تحل كل شيء. ربما الجهل كان أكثر أمانًا.
شدّ هارديوس قلبه وتراجع. ظن أنه قرار حكيم.
لكن قبل أن يستدير، التقت عيناه بالطفلة التي تخلت عن السنجاب.
كفى أعذارًا.
لم يكن لأنه لم يخبرها… بل لأنه لم يُرد إخبارها.
كره فكرة ألا يراها مجددًا.
أرادها أن تهرب… لكنه خاف أن تهرب فعلًا.
خاف أن تختفي إلى الأبد، رغم أنه كان يتمنى ذلك.
لا امرأة يمكنها تقبّل هذا العالم القذر.
وهي لن تسامحه أبدًا لأنه عرف الحقيقة وأخفاها.
لذلك صمت. بدافعٍ أناني بحت. وحتى بعد سنوات، لم يتغير شيء.
«أشعر أنني أجنّ بسببك… سئمت إلى حد قد أموت فيه.»
كلماتها كانت تعصر صدره.
أنتِ ترفضين كل ما أقدمه، وتنكرين كل ما أقوله.
يا لها من امرأة…
ماذا فعلتُ؟ كيف عشت؟ كم ضحّيت فقط لأحميك؟
لم يعد يريد بذل أي جهد بلا جدوى.
ما فائدة الانتظار؟ العلاقة كانت فاشلة منذ البداية.
التعليقات لهذا الفصل " 63"