لم تبكِ حين جاء شقيقُ الرجلِ الذي أفنى نصفَ أسرتها، ولا حين حُمِّلت عبءَ العائلة وهي في الثالثةِ عشرة، ولا حين انتُزِعَت منها الأسرةُ التي عضّت على أسنانها وحافظت عليها، لأنّها فرعٌ لا صُلب، ولا حين أقسمت بالولاء لعدوّها، ولا حين عصاها أتباعُها، ولا حين أُلقي على عاتقها عبءُ إخضاع نصفِ القارّة المتبقّي.
حتى عندما عُزلت بعد أربعين عامًا من الولاء، وأُمِرت بالاعتكاف والتأمّل، لم تبكِ.
لكنّها الآن تبكي.
كانت قطراتٌ شفّافةٌ تتساقط واحدةً تلو الأخرى على وجنتيها الملساوين كدميةٍ خزفيّة، وتترك آثارًا واضحة على سطح الطاولة.
في مثل هذا الموقف، ماذا يمكنه أن يقول؟ وكيف له أن يقول شيئًا أصلًا؟
أراد ميلتشزيدك أن يمدّ يده ويمسح تلك الدموع، أراد أن يواسيها ويطلب منها ألّا تبكي، بل وأراد، هو نفسه، أن ينفجر بالبكاء.
ما الذي يُعَدّ غيرَ منصف؟
كان مستعدًّا لأن يمنحها كلّ شيء.
العالَم، أو الدولة، أو الحبّ، أو الحياة ذاتها.
لو أنّ بايك ريون مدّت يدها مرّةً واحدة فقط، لكان قد أعطاها كلَّ شيء.
هي التي ظهرت أمامه متزوّجة، وهي التي تجاهلت ذلك الطلب الذي تجرّأ عليه مرّةً واحدة مستعينًا بالخمر.
لكن أمام بلانشِ وهي تبكي، لم يستطع أن يفعل شيئًا، فاكتفى بأن يقول
“إن لم تطلبي…”
وفي اللحظة التي فتح فيها فمه، أدرك أنّه هو أيضًا يبكي.
“فهل يكون ذلك مقبولًا؟”
بطبيعة الحال، ليست لهذه الدموع القيمةُ ذاتها.
فهذه ليست أوّل دموعه، ولا أوّل مرّة يُظهر فيها دموعه أمام الآخرين.
لقد استخدم الدموع سياسيًا، سواء أكانت دموعًا زائفة أم صادقة.
فالسياسيّ الحقيقي لا يملأ الغابةَ بالكذب وحده.
وأصعبُ ما يكون تمييزُ الصدق من الكذب حين يمتزجان، ولهذا لم يتردّد في استغلال صدقه هو الآخر.
قد تكون بايك ريون قد رأت ذلك مرارًا.
دموعًا صادقة، وأخرى مخلوطة بالكذب.
ومع ذلك، كانت هذه الدموع مُهينةً له.
“لو طلبتُ منكِ فقط أن تتقبّلي قلبي… هل كنتِ ستفعلين؟”
من الطبيعيّ أن يختنق الصوتُ حين تنهمر الدموع، ومن الطبيعيّ أن يرتجف.
ومع ذلك… لماذا يشعر وكأنّه طفلٌ يلحّ بعناد؟
كان الأمر مُخجلًا إلى حدٍّ جعله يرغب في إدارة وجهه والفرار.
ومع ذلك، لم يستطع أن يتوقّف عن الكلام.
كما لم يستطع أن يمدّ يده أو يواسيها، كانت شفتاه تتحرّكان، وصوته يخرج، لكنّ الأمر بدا وكأنّ إرادته لا دخل لها بما يحدث.
“أنتِ تعلمين أنّني كنتُ صادقًا.”
لم يكن يتحدّث عن الحاضر، بل عن الماضي.
مع أنّه نال فرصةً جديدة للحياة، وفرصةً أخرى للمحاولة، فإنّ التعلّق بالماضي كان فعلًا مخزيًا.
إن لم يكن الهدف زعزعة الطرف الآخر عمدًا، فإنّ نبشَ أمرٍ اتّفق الاثنان ضمنًا على اعتباره كأن لم يكن
يُعدّ حماقةً سياسيّة.
طلبُ زواجٍ جرى تجاهله، ومشاعر لم تُجاب.
إثارة ذلك الأمر ليست حكيمة.
كان الأجدى أن يتمسّك بطلب الزواج في هذه الحياة، ذاك الذي نال إذنًا به.
ألم تُكرّر بايك ريون القول إنّه غيرُ منصف، من دون أن تشرح لماذا؟
أمرٌ كان مطموسًا في الحياة السابقة، يكفي أن يتعامل معه على أنّه زلّةُ لسانٍ تحت تأثير الشراب.
كان يعلم ذلك، ومع ذلك… الرجل الذي أحسن استغلال حياته ومحبّته، عجز هذه المرّة عن ذلك.
لأنّ دموعها الأولى هزّت شيئًا في أعماقه، وأيقظت أسوأَ أجزائه، ذلك الطفلَ الحقيرَ الأحمق الذي لم يكتفِ بالعالم، ولم يعرف السعادة.
“إن قلتُ لكِ إنّكِ لستِ بحاجةٍ إلى الحبّ… هل ستبقين إلى جانبي؟”
لم يكن يريد أن يفرض نفسه هكذا.
كان حقًّا لا يريد أن يؤذيها.
أراد فقط أن يمنحها كلَّ ما هو نفيس، وأن يراها تبتسم.
لم يُرد أن يراها تبكي.
أراد أن يمسح دموعها، وأن يقول لها إنّه سيفعل كلّ ما تشاء.
لو قالت له: لا تُحبّني، لأطفأ حبّه.
ولو قالت: لا أريد قلبك، لابتسم قائلًا إنّ قلبها لا يهمّه.
لو كان ذلك الإمبراطورَ القاسي الذي لا يمنح عطفًا خاصًّا، ويستطيع أن يتجاهل تضحيتها في صراعات السياسة، لربّما لم تكن لتبكي.
ولربّما لم تُقدِم على الانتحار.
لكنّه لم يكن ذلك الرجل.
سهر الليالي خائفًا من أن تعود من الحرب جثّة، وتظاهر بالسكر ليطلب الزواج من تابعٍ متزوّجه ، وأغدق عليها عطفًا كانت هي نفسها تنفر منه، وتلهّف على امرأة لا يبدو أنّها تعبأ بحياتها.
ثم انتهى به الأمر إلى قتلها.
ورؤية جثّتها.
والندم.
آه… هذا لا يليق بالإمبراطور الأوّل الذي وحّد قارّة أتان.
كم هو وضيعٌ ومثيرٌ للشفقة.
ومع ذلك، لا يستطيع إلّا أن يتشبّث.
يخاف أن تموت مجددًا، ومع ذلك يدور حولها كالشبح.
ما الذي بيده أن يفعل؟
“أنا… لن أستطيع نسيانكِ ما حييت…”
حقًّا.
لا يريد أن يكون هكذا.
لا يريد نبش الماضي.
يريد أن ينسى الأفكار التي راودته أمام جثّتها.
“ألا يمكنكِ… هذه المرّة فقط… أن تكوني إلى جانبي؟”
ومع ذلك، كانت مغروسةً في حياته بعمقٍ لا يُمحى، حتى بعد ولادةٍ جديدة وحياةٍ أخرى.
أيّ شيءٍ هو الحبّ؟
وأيّ شيءٍ هي السعادة؟
من أجل ذلك الشعور غير المرئي، ذلك الشعور الذي يقتل صاحبه، كان يتوسّل بهذه الصورة البائسة.
شعر ميلتشزيدك بمرارةٍ تصعد من أعماق حلقه، وتوسّل
“أرجوكِ.”
***
لا أدري كم مضى من الوقت.
رأسي، الذي أنهكه البكاء الطويل، لم يعد قادرًا على عصر فكرةٍ متماسكة.
ما يمنعني من تلبية كلّ ما يريده جلالته، رغم الرغبة الجامحة في ذلك، ليس سوى شفتيّ المطبقتين بإحكام.
آه… لو أنّني أغمضتُ عينيّ الآن، وانتهى كلّ شيء فحسب.
حقًّا، إنّ جلالته يدفعني إلى أفكارٍ لم تخطر لي حتى في قلب المعارك لماذا انتهى بي الأمر إلى أن أُحبّ رجلًا بهذه الصعوبة؟
يقال إنّ الشتاء قد مضى، لكنّ البرد لا يزال يشتدّ مع غروب الشمس وأنا أحدّق في الشفق الآفل، تمتمتُ بلا وعي
“إنّ عطف جلالتك دائمًا مفرط.”
لم أكن أعلم لأيّ من كلماته السابقة كان هذا جوابًا.
كان رأسي كتلةً من الفوضى، عاجزًا عن تذكّر تسلسل الحديث كلّ ما بقي في ذاكرتي أنّني بكيت، وأنّ جلالته بكى أيضًا.
آه… يا له من سلاحٍ بالغ الفاعلية.
ليست هذه المرّة الأولى التي أراه يبكي، ومع ذلك، كانت دموع جلالته دائمًا سلاحًا فعّالًا عليّ.
مع أنّني أعلم أنّه رجلٌ يستخدم حتى الدموع وسيلةً سياسية، فلماذا أشعر هذه المرّة وحدها أنّ هذه الدموع مختلفة؟
سخرتُ من نفسي، وأعدتُ الحديث إلى نقطة البداية.
“إذًا لن أفعل ذلك فهل يكون الأمر مقبولًا حينها؟”
بلغني من أمامي صوتُ ضحكةٍ منخفضة، لكنّي لم أدرِ إن كانت صادرةً عن سرورٍ حقيقي أم لا أخذتُ نفسًا عميقًا، وشعرتُ وكأنّ الهواء بدأ يدور قليلًا في رأسي الخامل
“وما الجدوى من البقاء معًا، إن كان لا بدّ من الوصول إلى هذا الحدّ؟”
ما زلتُ أُحبّ جلالته.
ورغم ما أصابني من أذى، فإنّ قراراته كانت، بوصفه إمبراطورًا، قراراتٍ صائبة.
لا بدّ أنّ سلطته الإمبراطورية ازدادت بها رسوخًا، وأنّها منحت الوريث الذي اختاره متأخّرًا قوّةً عظيمة.
أمّا الإمبراطورية التي انهارت بعد وفاته بوقتٍ قصير……فذلك أمرٌ لا يحقّ لي الخوض فيه.
ولن يكون لي إلّا أن أعدّه ذنبًا في عنقي، لأنّني أخفقتُ في تربية الابن.
لكنّ حُبّي لجلالته وإيماني بكفاءته كإمبراطور، شيءٌ، وبقائي إلى جواره شيءٌ آخر تمامًا.
لقد شختُ وتعبت فحتّى لو مُنِح الجسد حياةً جديدة، فإنّ الروح لا تعود شابّة.
لعلّ انحنائي يومًا أمام من أحببتُ، وأقسامي له بالولاء، وإخفائي لتلك المشاعر طوال العمر، لم يكن ممكنًا إلّا لأنّني كنتُ شابّة آنذاك.
الآن، لم يعد لديّ من القوّة ما يكفي لأيّ شيء.
يكفيني أن أرى تولّا يعيش بأمان.
بل إنّني لم أعد قادرةً على أن أطمع في شيءٍ سواه.
لكن هل يمكنني حقًّا أن أتمسّك بهذا الرجاء، وأنا إلى جوار جلالته؟ أمرٌ يدعو إلى الشكّ.
“لستُ أدري.”
كان صوته، مقارنةً بصوتي الجافّ كدمعةٍ يبست، يبدو أكثر هدوءًا وسعة.
هكذا كان دائمًا… وحين انتبهتُ إلى أنّني أعود مرّةً أخرى لاستحضار الماضي، عاد إليّ الإرهاق من جديد.
آه… إنّها تشبه كثيرًا أيّامي قبل الموت. ك
تلك الأيّام التي كان مجرّد فتح العين والتنفس فيها يستنزف كلّ ما في الجسد من طاقة.
تلك الأيّام التي كان يخطر لي فيها، عند الاستيقاظ، أنّه يومٌ صالح ليكون الأخير، فأشعر بشيءٍ من الفرح.
وما زلتُ، إلى الآن، عاجزةً عن مواجهة جلالته بنظري.
التعليقات لهذا الفصل " 99"