عضضتُ باطنَ فمي كان ذلك عادةً ألجأ إليها عوضًا عن عضّ الشفاه، لأنّ عضّ الشفاه يُرى بسهولةٍ في عين الطرف الآخر.
” ياللعجب، لا ينبغي لك أن تُصابِي مجددًا ، كُنِ حذرًه “
لكن يبدو أنّها كانت خدعةً سهلة للغاية على جلالته فاليد التي ابتعدت بشقّ الأنفس عادت من جديد، وربّتت على خدي ربتةً خفيفة.
إنّه لمسٌ لطيف ليس لأنّ البشرة ناعمة، بل لأنّ حركة اليد نفسها كذلك.
أردتُ أن أتراجع بجسدي، غير أنّ ذلك يُعدّ خروجًا عن آداب البلاط فتحتُ شفتيّ المرتجفتين، واحتججتُ
“……كنتُ أظنّ أنّ هذا الأمر قد حُسم بالاتفاق سلفًا.”
مسح جلالته ذقنه بخفّة ……لعلّها عادة قديمة بقيت من أيام كان يلاطف لحيته.
كنتُ أظنّ أنّ جلالته والدوق شخصان مختلفان تمامًا، لكن بعدما عرفتُ أنّهما الشخص ذاته، بدأتُ ألحظ أوجه الشبه بينهما هكذا، واحدًا تلو الآخر.
عادات جلالته، وطريقته في الكلام، وما شابه ذلك.
“حسنًا ما دمنا نختلف في الرأي، فلا يبدو أنّه كان اتفاقًا حقيقيًا.”
ابتسم جلالته ابتسامة خفيفة، ثم مال بجذعه قليلًا إلى الأمام.
“أهو أمرٌ تكرهينه؟”
الكلمات التي استخرجتُها بصعوبة جفّت عند طرف لساني لم أستطع أن أنطق بشيء.
“إن كنتَ تكرهينه، فقولي إنّكِ تكرهينة.”
كان صوته منخفضًا وخافتًا، كأنّه قد يتبدّد مع الريح في أيّة لحظة ومع ذلك، لم أُفوّت منه حرفًا واحدًا، وكان جلالته يعلم ذلك جيّدًا.
ويعلم كذلك السبب، كلّه.
“إذن سأتوقّف.”
“وهل لذلك القول أيّ معنى؟”
“له معنى.”
لكنّها كانت مقاومةً بلا جدوى.
ما أعجب الأمر لطالما كان من السهل عليّ قراءة الآخرين، وكانوا يقولون إنّ قراءة تعابير وجهي صعبة، لكن الأمر ينقلب رأسًا على عقب أمام جلالته وحده.
“هل سبق أن فعلت شيئًا بعد أن قلتِ إنّكِ تكرهينه؟”
“مراتٍ كثيرة.”
“أتظنّي ذلك حقًا؟”
أمال جلالته رأسه قليلًا.
“أعيدِ التفكير جيّدًا، لن يكون الأمر كذلك.”
هممتُ لا إراديًا أن أفتّش في الماضي، لكنّي أوقفتُ عقلي قسرًا.
لا ، لا يجوز إن عدتُ إلى الوراء، إن غرقتُ في الذكريات، فإنّني حتمًا سأ—
“فكّري جيّدًا عندما قلتِ إنّكِ تكرهينه لم أفعل ذلك قط.”
“أكان الأمر كذلك؟”
لا تحاولي أن تدحضِ سواء أكان ذلك صحيحًا أم لا فلا يهمّ لا تغرقِي في ما مضى دعِيه ينساب كالماء.
“نعم.”
لا تراقبًي تعابير وجهه فأنتِ في هذه الحياة لم تُقسمِي بالولاء لمن يقف أمامك لا تراقبِي وجهه، ولا ترعِي مزاجه.
“هل ستقولينها؟”
لا ترفعِي عينيك.
“لن تستطيعين ، أليس كذلك؟”
لا تفكّرين في أنّ صوته الممزوج بالضحك جميل.
“إذن عليك أن تتحمّلني.”
أرجوك.
لا تستسلمي لذلك الصوت.
وفي اللحظة التي خطرت فيها هذه الفكرة، أدركتُ أنّني قد استسلمتُ بالفعل.
فلو كان بمقدوري أن أُقنع نفسي بالكفّ، لما وُجد شقاء أواخر حياتي من الأساس.
إنّه أمرٌ غير معقول حقًا.
لقد كان الأمر مؤلمًا إلى هذا الحد، شاقًا إلى هذا الحد.
لم يكن لأنّي ظننتُ أنّني قد تُركتُ تمامًا، ولا لأنّي لم أكن أعلم أنّ جلالته سيستدعيني مجددًا يومًا ما.
ومع ذلك، حتى تلك التوبيخات التي كان يمكن أن تمرّ لو صبرتُ وتحملتُ، كانت تنهش عظامي ألمًا حتى إنّ لحظة شنقي لنفسي بدت وكأنّها تحمل شيئًا من التحرّر.
ومع ذلك، بكلمة واحدة من جلالته، بصوته، بابتسامته، يتزعزع ذلك العزم اليائس، وهذا ما يثير غيظي.
لم أتمنَّ يومًا أن يندم جلالته، ولا أن يتألّم بقدر ما تألّمتُ أنا.
كلّ ما تمنّيته هو أن نصبح غرباء، لا تمسّ أكمامنا بعضها بعضًا مرة أخرى.
ومع ذلك، فهذا كثيرٌ جدًّا.
“إنّ هذا ليس تصرّفًا منصفًا.”
“وما الذي ليس منصفًا؟”
مع كلّ هذا الظلم والاختناق، ما زلتُ عاجزًه حتى عن رفع بصري إنّه أمرٌ مُخزٍ، لكن لا حيلة لي فيه.
لأنّني أعلم أنّ من سينكسر إن التقت أعيننا… هو أنا.
لذا أبقيتُ نظري منخفضًا، غير قادر على سدّ أذنيّ، وأخذتُ أعدّد مشاعري المرتبكة على نحوٍ أخرق
“لقد قدّمتُ لجلالتك ولائي، وحياتي، ووجودي، وحتى موتي.”
قد يقول جلالته إنّه دفع الثمن المناسب لذلك كلّه، لكنّها أمور لم أطلبها يومًا.
أن أُستَغلّ، وأن أُرمى جانبًا بعد نفاد نفعـي، أمرٌ اعتدتُ عليه ولو عاملني بتلك الطريقة، لما كان لديّ أيّ تذمّر.
بل لعلّ ذلك كان سيكون أفضل.
بعد إخضاع القارّة، وبعد أن اعتلى جلالته العرش، لو رأى أنّ بقاء القائده المنتصره حيّه يشكّل خطرًا، ودسّ لي السمّ، لكنتُ شربته عن طيب خاطر.
فالموت في سبيل السيّد الذي أقسمتُ له بالولاء يُعدّ شرفًا للتابع، وحتى لو انتهى أمري مطروحًا ككلبٍ استُنفد نفعه وأُلقي في القدر، لكنتُ قد قبلتُ ذلك راضيًا
أو لو نُفيتُ إلى الشمال، أعيش عمرًا كاملًا بعيدًا عن العاصمة، حياةً أشبه بالنفي، لما كان ذلك سيئًا.
حياة بلا سلطة، لا أملك فيها سوى أن أمدّد أنفاسي، كانت ستبدو راحةً.
حقًا، كنتُ قادرًا على ذلك.
“لكن أن تطلب منّي قلبي أيضًا…”
لكن جلالته لم يفعل شيئًا من ذلك.
لم يقتلني، ولم يُقصِني، بل قرّبني، واستحدث لي منصبًا جديدًا، ومنحني ختم الإمبراطور وعلامة الإمبراطورة.
حتى اسمي غيّره، ومنحني معاملة العائلة الإمبراطورية.
كان عطفًا لا يُسحب، رغم اعتراض الجميع، ورغم رفضي أنا نفسي.
عطفًا دام قرابة أربعين عامًا بعد أن أقسمتُ له بالولاء، وأكثر من عشرين عامًا حتى بعد إخضاع القارّة بأسرها.
ثم سُحب في لحظة واحدة.
“إذًا فذلك يعني أنّ ولاءك لم يكن إلا إلى هذا الحد.”
أتذكّر اللحظة التي سمعتُ فيها صوت جلالته للمرة الأخيرة.
“تُعزل المستشاره الأعظم لي بايك ريون من منصبها اعتبارًا من اليوم عليك أن تعتكف وتتأمّلي أخطاءك بعمق.”
كان صوته أبرد من الجليد، أصلب من الحديد، حتى إنّ قلبي هوى في تلك اللحظة.
……أعلم.
أعلم أنّ جلالته لم يسحب ثقته ولا عطفه عنّي حقًا.
لكن معرفتي بذلك لا تعينني بشيء.
لم يكن ألمي لأنّي تُركتُ حقًا.
بعد تفكيرٍ هادئ وحسابٍ بارد، كنتُ قد خلصتُ إلى أنّه حتى لو فقد جلالته ثقته بي، فإنّه سيستدعيني مجددًا لأسبابٍ سياسية.
ألمي لم يكن لأنّ العطف زال.
كنتُ أعلم منذ البداية أيّ نوعٍ من الرجال هو.
ولهذا بالذات أقسمتُ له بالولاء، لا لأنّي أحببته.
رجل قادر على أن يكون سياسيًا أكثر من أيّ أحد.
رجل قادر على استغلال حتى المشاعر.
رجل لا يضع إمبراطورة ولا يملأ منصب وليّ العهد، ومع ذلك لا يتخلّى عن واجبه في إنجاب وريث عبر المحظيات.
رجل يتّخذ في أيّ وقتٍ القرار الأكثر دقّة، ويضحّي بأيّ شيءٍ في سبيله.
رجلٌ لا يفعل مثل ذلك إلا إن فقد رشده؛ فلا يتقدّم، وهو بكامل وعيه، بطلب زواج إلى تابعٍ متزوّجٍه لها زوج وأبناء
ولهذا أقسمتُ له بالولاء.
“هذا تصرّف غير منصف.”
مع أنّ الولاء والعشق توجّها إلى الجهة ذاتها، فإنّهما كانا أمرين مختلفين تمامًا.
ولهذا تألّمتُ إلى هذا الحد.
لأنّه كان كذلك، أقسمتُ له بالولاء، لكن لأنّه كان هو، تألّمتُ حين عاملني معشوقي بتلك الطريقة.
لو أنّه، ولو لوهلة واحدة، كان بخير من دوني.
لو أنّه استطاع إقصائي بدافع الضرورة.
لو كان ذلك عطفًا يمكن التخلّي عنه، لكان من الأفضل ألّا يمنحني إيّاه منذ البداية.
إن لم يكن قادرًا على أن يتركني أموت داخل وهم أنّني شخصٌ مميّز لديه، فكان الأجدر به أن يدفعني خارج الخط منذ البدء.
اللقاءات الانفرادية التي لا تُحصى.
الأحاديث الثنائية.
العناية الخاصّة التي كانت لي وحدي.
همسُه بالزواج وهو ثمل، نظرته، ابتسامته…… أحيانًا، لا يقتل الإنسانَ الحقد، بل الحبّ.
ما خنق عنقي لم يكن توبيخ جلالته، بل عاطفته التي أغدقها عليّ.
“لذلك، هذا وحده لن أمنحه.”
لهذا لا أستطيع قبول طلب زواج جلالته.
قلبي هذا، وحبّي هذا، لا أريدهما أن يصيرا كولائي الذي دُهس تحت الأقدام.
هذا وحده كان الشيء الوحيد الذي خبّأته، ورعيته، واعتنيتُ به سرًّا، دون أن يدركه أهل ولا سيّد ولا رفيق ولا ابن.
ولذلك، حتى لو كان الثمن أن أموت، لا أستطيع أن أقدّمه.
إن كان عليّ أن أقدّم هذا أيضًا، فالموت مرةً أخرى أهون بكثير.
****
كانت بلانش لا تزال مطرقةً ببصرها، ولم تكن تدرك ما يجري.
لكن حتى اللحظة التي نطقت فيها بعبارة: ليس هذا تصرّفًا منصفًا، كان ميلتشزيدك لا يزال يبتسم بهدوءٍ وارتياح.
لقد كان، بطريقته الخاصة، واثقًا.
واثقًا من أنّ بلانش لم تفقد مودّتها له تمامًا.
كما قال قبل قليل، فإنّ ريح الشمال الباردة قد بدّدت الحرارة المتكدّسة في رأسه وحين زال الخوف، لم يبقَ أمامه سوى الوقائع المجرّدة.
لو كانت بلانشِ—لو كانت لي بايك ريون—قد نفرت منه حقًّا، لكانت قد ابتسمت وقبلت الزواج.
كانت ستخدعه بإحكام، وتجعله يصدّق كلّ شيء، من دون أن يدرك أنّ بلانشِ هي لي بايك ريون.
ثم، بعد ذلك، كانت ستغرس خنجرًا في قلبه.
فغضب لي بايك ريون يشبه شبكة السماء؛ يبدو متراخيًا، لكن لا سبيل إلى الإفلات منه.
غير أنّ بلانشِ ذهبت إلى حدّ اختلاق حادثة تسميم فقط لتسعى إلى فسخ خطوبتها منه، ولتضع مسافةً بينهما.
وإن كان الأمر كذلك، فما ينبغي له أن يخشاه ليس سوى أمرٍ واحد: أن تهرب مرةً أخرى إلى الموت.
لي بايك ريون—بلانشِ—لا تكرهه.
في أعماق قلبها، لا بدّ أنّ مذبحًا مخصّصًا له لا يزال قائمًا، محفوظًا بعناية.
وبهذا اليقين جاء إلى هنا.
“إنّ هذا تصرّف غير منصف.”
لكن حتى مع اليقين بأنّه محبوب، تأتي لحظات لا يستطيع فيها مدّ يده لحظات يكون فيها واضحًا أنّ اليد الممدودة ستؤذي من يحب.
“لذلك، هذا وحده لن أمنحه.”
كانت تلك هي اللحظة التي ذرفت فيها بلانش دموعها.
أمام دموع المرأة التي يحبها، بدا ذلك الرجل الذي امتلك العالم بأسره ذات يوم، وسيمتلكه مرة أخرى، عاجزاً وأكثر ضعفاً من حشرة.
التعليقات لهذا الفصل " 98"