التقى بلانش و ميلتشزيدك لأول مرة عندما كان ميلتشزيدك في الخامسة من عمره لذا، وبالتعبير المعتاد، كان ينبغي له أن يقول ببساطة إنها المرة الأولى التي يغيبان فيها عن بعضهما البعض طوال هذه المدة.
لكنه أصر على قول منذ الخامسة
لم يكن بالإمكان تفسير هذا التصريح إلا كإشارة إلى حياتهما السابقة، ففي تلك الحياة، كانت هناك أيام لا تحصى تمر دون أن أتمكن من رؤية جلالته لسنوات.
“هذا صحيح.”
بما أنه بدا وكأنه يرغب في رؤية لي بايك ريون و ليس بلانش جعلت لي بايك ريون هي من تجيب، لكنه حرك حاجبيه بخفة مرة أخرى ألم يكن هذا هو المطلوب؟
كان جلالته دائماً صعب الفهم بالنسبة لي.
لطالما كان قراءة الناس والرد عليهم بشكل مناسب أمراً سهلاً، لكن الأمر اختلف معه.
ما كان صعباً عليّ هو أن أُحَبّ، لا أن أتعامل مع الناس، لكن جلالته كان استثناءً كان من الصعب جداً حتى قراءة ما يريده هذا الرجل.
“سمعتُ أن أحدهم صفعكِ.”
لامست أطراف أصابع جلالته وجنتي التي لم يعد لها أثر وبسبب محاولتي ألا ينتفض كتفي، وضعت قوة زائدة في خصري دون داعٍ.
“لقد شُفيتُ تماماً بالفعل أعتذر لأنني تسببتُ لك بالقلق.”
حقيقةً، لم يترك الضرب أثراً خارجياً منذ البداية، كل ما في الأمر أنها احمرت قليلاً ومع ذلك، كانت لمسة جلالته وهو يلمس وجنتي حذرة للغاية.
“لم يكن قلقاً تسببتِ به أنتِ.”
يبدو أن مرحلة تغير صوته قد انتهت تماماً، فصوت جلالته أصبح منخفضاً ومستقراً.
رغم أنه يختلف بالتأكيد عن حياته السابقة، إلا أن نبرة صوته وطريقة إلقائه كانت تتشابه لدرجة تجعله يبدو مماثلاً بشكل غريب إذا أنصتُّ بتركيز.
وما يعنيه ذلك.. هو أنني حين أسمع ذلك الصوت، يغلبني حنين غريب.
حركتُ يدي بسرعة أكبر لإنهاء وجبتي التي لم يتبقَ منها الكثير أصلاً.
“إذا كان لديك مكان تود الذهاب إليه، فسأرشدك.”
“مكاني هو حيث تذهبين أنتِ.”
شعرتُ وكأن الطعام الذي أكلتُه للتو سيصيبني بعسر هضم.
“…… إذاً، تفضل من هنا.”
ولكن ماذا عساي أن أفعل؟ جلالته هو من قرر ذلك.
توجهتُ بجلالته أولاً إلى مكان فكرتُ في أنه سيكون خالياً من الناس قدر الإمكان إذا لم يكن لدى جلالته نية في تركي، فأردتُ على الأقل أن أتحرر من نظرات من حولي.
اعتقد ميلتشزيدك أن بلانش ستصل به إلى وجهتهما الجديدة بسرعة عندما أخرجته من المطعم.
وبما أنه شخص يحب الدخول في صلب الموضوع مباشرة، توقع أنها ستسأله بوضوح بمجرد أن تجد مكاناً للجلوس عن سبب مجيئه إلى هنا.
لكن بلانش مشت لمسافة أطول مما توقع وبسبب طول الطريق غير المتوقع، ألقى ميلتشزيدك مزحة عابرة.
“هل نحن ذاهبون إلى غرفتكِ مثلاً؟”
بالطبع لم يكن يقصد أن ذلك سيحدث حقاً.
“يُمنع دخول الجنس الآخر إلى المهجع.”
حسناً، هذا منطقي.
سار خلف بلانش بتمهل، واضعاً يديه خلف رأسه.
فكر في أن خصلات شعرها الفضية التي تتمايل مع خطواتها الرصينة تبدو لطيفة بعض الشيء.
في حياتها السابقة، كانت تترك شعرها طويلاً أيضاً، لكنها كانت دائماً ترفعه بإحكام وتثبته بدبوس شعر.
ورغم أنها كانت دائماً مهذبة، إلا أنها لم تكن تعرف كيف تثرثر أولاً لتلطيف جو من هم أعلى منها مقاماً، وهو أمر لم يتغير فيها سواء في الماضي أو الحاضر.
عندما لم يكن يعلم أن بلانش هي نفسها لي بايك ريون، كان يعتقد أنهما متشابهتان لدرجة تثير الانزعاج، لكن بمجرد أن عرف أنها هي ذات الشخص، بدأ يرى بعض الاختلافات.
وهذا الاختلاف هو ما منحه الشجاعة.
“الأمر تماماً كما قلتِ.”
توقفت خطوات بلانش التي لم تكن تتردد للحظة.
وبما أنه صادف وجود كرسي وطاولة هناك، اعتبر ميلتشزيدك أن هذا هو مقصد بلانش فبدأ الحديث براحة رغم أن تلك الراحة لم تدم حتى لعشر ثوانٍ.
“النسيم البارد مفيد لإخراج الحرارة من الرأس─ …… ماذا تفعلين الآن؟”
سواء كان ميلتشزيدك يتحدث عن مزايا الشمال أم لا، فقد بسطت بلانش منديلاً بعناية وكأن الأمر لا يعنيها، ثم تراجعت خطوة إلى الوراء.
“لا يمكنني أن أجعل شخصاً نبيلاً مثلك يجلس في أي مكان تفضل، اجلس الآن.”
ابتلع ميلتشزيدك تنهيدة كادت تخرج منه.
إذا كانت هذه طريقتها لإسكاته، فقد كانت فعالة حقاً.
فالقلب الذي كان ممتلئاً منذ قليل برغبة في إغواء بلانش قد هدأ الآن تماماً.
ومما زاد الطين بلة، أنها ظلت واقفة بصلابة وكأنها لن تجلس قبل الشخص النبيل، مما جعله يشعر بالعجز تماماً أمام تصرفها.
بمعرفته لمدى عنادها في مثل هذه المواقف، جلس ميلتشزيدك بضيق فوق المنديل الذي بسطته بلانش ثم أشار إليها بيده لتجلس هي الأخرى.
جلست بلانش دون أن تكلف نفسها عناء نفض كرسيها، رغم أنها بسطت منديلاً على كرسي غيرها.
ومما أثار دهشته أكثر، هو أنها جلست وهي ترتب أطراف تنورتها بوقار شديد.
“…… أنتِ حقاً شخص لا يتغير أبداً.”
“هذا طبعي على الأرجح.”
حتى طريقتها في تجاهل الكلمات اللاذعة وكأنها لا تعنيها كانت كما هي.
ولأنه اشتاق لتلك الأوقات التي تشبه الماضي، أفلتت منه ضحكة خفيفة دون قصد.
نعم، هي لم تكن تمنحه أبداً ما يريده، ومع ذلك، كان الوقت الذي يقضيه مع بايك ريون ممتعاً للغاية.
حين كانت تلك الشخصية التي لا تفقه في المزاح شيئاً، تتفاعل أحياناً مع ترهاته.
وتلك الأحاديث الجانبية العابرة التي كانت تدور أحياناً مع شخص لا يتحدث إلا عند الضرورة.
وتلك المشاعر التي كانت تلوح بضعف على وجهها الذي يخلو من التعبير بشكل مخيف.
لقد كان يحب كل ذلك ربما كان حبه يقتات على تلك التفاصيل الصغيرة ليبقى على قيد الحياة.
“أنا أحب هذا الجانب فيكِ.”
هكذا قالها صراحة
اتسعت عينا بلانش واهتزت نظراتها بعنف وكأن زلزالاً ضربها، وأطبقت شفتيها بقوة فلم تفتحهما.
آه.. إنه وجه لم يره من قبل ضحك ميلتشزيدك باستمتاع.
“أنا أحب هذا الجانب فيكِ.”
في تلك اللحظة، نسيتُ كيف أتنفس.
ماذا عليّ أن أفعل؟ هل أغير الموضوع؟ هل أتظاهر بأنني لم أسمع؟ أم أتجاوز الأمر بالمراوغة؟
“تعبير وجهكِ مذهل لم أركِ مندهشة هكذا من قبل.”
كان يجب عليّ الرد بسرعة بأي وسيلة، لكن الأوان قد فات.
تجمدتُ في مكاني ولم أستطع تجنب يده التي اقتربت مني لمست أطراف أصابعه الصلبة جفني بخفة.
“لم أرَ هذا التعبير من قبل، لكنني أظن أنني سأحبه.”
يده التي ظننتُ أنها ابتعدت عادت لتمس شفتاي.
“ولكن.. هل ستظلين مطبقة شفتيكِ هكذا؟”
لم أستطع فتح فمي إلا بعد أن ابتعدت اليد التي لمست شفتي.
“هذا ليس صواباً……”
طريقة حديث لي بايك ريون تختلف تماماً عن بلانش وهذا طبيعي.
فالمحاربة التي كان عليها قيادة عائلة كاملة منذ سن الثالثة عشرة، تختلف لغتها حتماً عن الأميرة التي تعمل كرسولة سلام لتكون حلقة وصل بين الدول؛ وإلا فإن إحداهما لا تؤدي عملها بشكل صحيح.
طريقة حديثي كـبلانش أكثر رقة وخصوصية مما اعتدتُ عليه، وأختار كلمات أبسط مما قد يستخدمه أقراني، وأحاول قدر الإمكان التخلي عن الرسميات حين لا تكون ضرورية.
لكن الكلمات التي خرجت مني الآن كانت بوضوح كلمات لي بايك ريون بل إنها لم تكن مقصودة كما في المرة السابقة، بل فلتت مني دون وعي.
وبالطبع، لم يكن لجلالته أن يفوّت ذلك.
ضيق جلالته عينيه وابتسم.
كان يبدو متحرراً بشكل لم يظهره حتى عندما كان صبياً في حياته السابقة.
نعم، لهذا السبب استغرقني الأمر وقتاً طويلاً لأدرك حقيقته، فقد كان مختلفاً عن صورة جلالته التي أعرفها.
انتابني فضول مفاجئ: هل هذا لأن هذا الجانب منه لم يُسمح لي برؤيته في الحياة السابقة؟ أم أن خوضه بلحياة مرتين هو ما غيره تماماً؟
“لماذا؟”
يبدو أن مرحلة تغير صوته قد انتهت بالفعل.
لقد أصبح أطول مني بكثير، ويداه أصبحت مفاصلها صلبة لقد صار رجلاً مكتملاً، رغم أن هناك نعومة طفولية لا تزال عالقة في فكه وأطراف أصابعه.
الفتى الذي وقعتُ في حبه لأول مرة، يجلس الآن أمام عيني ويحثني على الإجابة.
“أنتِ لستِ تابعة لي الآن، وليس لديكِ زوج ولا حبيب، وقد رددتِ بالإيجاب على عرض زواجي ومع ذلك، لا تزالين ترين أن هذا ليس صواباً؟”
تضايق نفسي، وشعرتُ بألم في قلبي وكأنه يُعصر.
ليس من الصواب أن يقحم عرض الزواج ذاك هنا لقد قدمتَ ذلك العرض لـبلانش لا لي، وأنا قبلتُ عرض الدوق لا عرضك أنت.
بل حتى أن ذلك الوعد الوحيد الذي طلبته حينها…….
خفضتُ بصري، لكنني لم أغمض عيني تماماً.
كان عليّ أن أنظم تنفسي.
لطالما كان جلالته شخصاً صعب المراس بالنسبة لي، ومع ذلك كنتُ أجيد التعامل معه بطريقة ما.
إذا هدأتُ واستجبتُ بهدوء، يمكنني تدارك الموقف الآن.
لكن جلالته لم ينتظرني.
“بايك ريون.”
كان نداء اسمي مألوفاً، ومخارج الحروف كانت سلسة.
إن بنية الفم في هذا الجسد تختلف عن جسدي السابق، لذا فإن نطق لغة تشانغ التي كنت أستخدمها قديماً لا بد أن يكون غريباً؛ أعرف ذلك لأنني جربته بنفسي.
ومع ذلك، كان نطق جلالته لاسمي سلساً، وطبيعياً وكأنه ناداني به مئات أو آلاف المرات من قبل.
لا يوجد سوى سبب واحد يفسر ذلك، لذا لم أجرؤ على رفع رأسي.
…… لقد قلت إنك لن تحبني.
وبما أنك أخلفـتَ ذلك الوعد، فإن عرض الزواج الذي قدمتَه حينها يعد باطلاً.
هذه الكلمات التي كان بإمكان بلانش أن تنطق بها، تعجز لي بايك ريون عن قولها.
التعليقات لهذا الفصل " 97"