ما إن مضى أقلّ من شهر على التحاق الأميرة بلانشِ بالأكاديمية، حتى اندلعت حادثة عنفٍ قلبت أرجاء الأكاديمية رأسًا على عقب.
أُصيبت بلانشِ في ركبتها وباطن فمها، في حين أُصيب ثلاثيّ مِدرت بكدمات في مواضع لا تظهر تحت الزيّ المدرسي، كمنطقة الترقوة أو الفخذ.
ومن حيث النتيجة الظاهرية وحدها، بدا الأمر عنفًا متبادلًا، غير أنّ ملابسات الحادثة والأدلّة المادية جاءت في غير صالح طرف ميردت.
فقد وُجد شهود رأوا مِدرت تبصق في صحن طعام بلانشِ في المطعم، كما أنّ كون مِدرت ورفيقتيها قد بادَرْنَ إلى رفع أيديهنّ في هذه الحادثة أمرٌ لم تستطع حتى الثلاثيّة نفسها إنكاره.
وفوق ذلك كلّه، فإنّ ثلاثيّ مدرت لم تتجاوز إصابتهنّ حدود الكدمات، بينما سال دم بلانشِ وهو فارقٌ بالغ الأهميّة.
وبحسب تقييم طبيب المدرسة، فإنّ مواضع الإصابة لدى بلانشِ لم تكن جيّدة، ومن المرجّح أنّها ستشعر بألمٍ لا يُستهان به، غير أنّه لم يحدث كسر في العظام، وبناءً عليه فإنّ مدّة التعافي من الإصابات ستكون، في نهاية المطاف، متقاربةً لدى الطرفين.
أميرة من أسرة شبه إمبراطورية، وافده سلام من دولةٍ أخرى، في مقابل نبيلاتٍ من أبناء البلاد.
طالبة مستجدّة في موقع الصغرى، في مواجهة طالباتٍ من الدفعة المتقدّمة.
طالبة نموذجية لم يمضِ على التحاقها بالأكاديمية وقتٌ يُذكر، في مقابل طالباتٍ من السنة الثالثة كثرت حولهن الأقاويل منذ زمن.
كان قرار الهيئة التدريسية سريعًا وحاسمًا؛ إذ أُمرَت مجموعة مدرت بالتحفّظ، ثم جرى استدعاء لجنة الثواب والعقاب.
استمعت اللجنة إلى أقوال الطرفين، ودقّقت في مواضع الاختلاف للتحقّق من الحقيقة، ثم أُخطِر أولياء الأمور بالحادثة، وجرت مراجعة السوابق المشابهة، تمهيدًا لتحديد العقوبة المناسبة.
وخلال تلك الفترة، واصلت بلانشِ حضور الدروس بحرّية، وتعاملت مع سائر الطلاب من دون قيود.
وبصراحةٍ تامّة، كانت الظروف كلّها تميل ميلًا واضحًا ضدّ مجموعة مدرت.
***
كانت جميع الإجراءات سهلةً كأكل العصيدة الباردة فحتى لو استثنينا حقيقة أنّني متمرّسة في مثل هذه الأمور، فإنّ خطأ الطرف الآخر كان واضحًا وضوح الشمس.
حتى لو بقيتُ ساكنةً من دون أن أفعل شيئًا، لكان الحكم قد صدر تلقائيًا ضدّ مجموعة هيرميتشي، غير أنّني أضفتُ إلى ذلك لمسةً خفيفة من الحرب الدعائية.
على سبيل المثال، اختلقتُ قليلًا سببَ قيامي بضرب الفتاتين الواقفتين على الجانبين أيضًا، رغم أنّ التي بادرت بضربي كانت هيرميتشي وحدها.
لم أُنكر أنّني ضربتُ الثلاث جميعًا، ولم أُنكر أيضًا أنّ هيرميتشي وحدها هي من رفعت يدها أولًا عليّ.
لكن، وعلى عكس ما فعلتُه أنا من الاعتراف بما يجب الاعتراف به ومزج ذلك بقليل من الكذب المحسوب، حاولت الفتيات اللواتي لم يعتدن الكذب من قبل أن يكذبن في كلّ موضع.
ولذلك كان من الطبيعي، من وجهة نظر الأكاديمية، أن تُمنح شهادتي وزنًا أكبر حين تضاربت الأقوال.
في مثل هذه الحالات، لا يكون الأسلوب الصحيح هو إنكار الخطأ بالكامل، بل الاعتراف بجزءٍ منه، فحينها فقط يمكن تمرير الكذبة الصغيرة من دون انكشاف.
لكن ما العمل؟ هذه كلّها خبرات حياة، وعليهنّ أن يتقبّلن الأمر بتواضع فقصور مهارتهم في التصرّف ليس ذنبي.
وسواء شعرو بالظلم أم لا، فذلك لا يعنيني لذلك لم أكتفِ بالتأثير على لجنة الثواب والعقاب فحسب، بل تابعتُ ترتيب خطواتي اللاحقة بدقّة.
فكون أقدام مجموعة هيرميتشي مقيّدة في تلك الفترة، بينما أتحرّك أنا بحرّية، كان ميزةً عظيمة بحقّ.
“قيل لي إنّكِ شهدتِ بأنّ الآنسة هيرميتشي هي من استدعتني أشكركِ جزيل الشكر، آنسة بارانديس.”
وكان توجيه الشكر لمن قدّم لي شهادةً مفيدة أحد تلك الخطوات.
تعمدتُ أن أقدّم شكري لآنسة بارانديس خلال وقت الاستراحة، حيث يكون جميع الطلاب مجتمعين.
يبدو أنّها لم تتوقّع أن تتلقّى امتنانًا لقاء مجرّد استدعائها من قِبل الأساتذة للإجابة عن بعض الأسئلة، إذ اتّسعت عيناها دهشةً.
“لا، لا يستحقّ الأمر شكرًا… بل إنّني أنا من نقلتُ الكلام إلى سموّ الأميرة أصلًا…”
ربّما كانت تشعر بالذنب، وكأنّها قد ساعدت في إيذاء طالبةٍ أكبر منها سنًّا، فبدأت تتهرّب من نظري وتتمتم بكلماتٍ متقطّعة.
وبالطبع، من وجهة نظري أنا، لم أشعر قطّ أنّها شاركت في أيّ إيذاء؛ إذ إنّني كنتُ أنوي أصلًا حسم الأمر مع هيرميتشي.
“لو لم تشهدي بأنّ الآنسة هيرميتشي هي من استدعتني أوّلًا، لكان من الممكن تصنيف الحادثة على أنّها شجارٌ عابر وقع صدفة.”
صحيح أنّ شهادتي كانت ستُعدّ أكثر مصداقية حتى لو ادّعين ذلك، لكن لا حاجة لأن تعرف هذه الطفلة مثل هذه التفاصيل.
وضعتُ على وجهي قناع الوقار لا أعلم إن كانت هيرميتشي قد كذبت بتلك الطريقة فعلًا، لكن من المؤكّد أنّها حاولت تقليل حجم خطئها.
“أمعقول ذلك…؟!”
يبدو أنّ آنسة بارانديس كانت تظنّ أنّ الطرفين قالا الحقيقة كاملة أمام لجنة الثواب والعقاب، إذ اتّسعت عيناها أكثر من ذي قبل.
يا لبراءتها.
“يبدو أنّ بعض شهاداتهم خالفت الحقيقة بالفعل وقد سمعتُ أنّ صدق من تحدّثوا بوضوح، مثلكِ، هو ما أثبت أنّ شهادتي صحيحة فكيف لي ألّا أقدّم الشكر؟”
بهذا، تكون سمعة هيرميتشي قد تهاوت تمامًا.
لكن، ما دمتُ قد لجأتُ أنا أيضًا إلى قدرٍ من التلفيق، فلا بدّ أن يُعدّ ذلك جزاءها فالحرب، في جوهرها، تعتمد على الدعاية بقدر ما تعتمد على القوّة.
تجاهلتُ همسات الطلاب من حولي، وابتسمتُ بلطف.
“أكرّر شكري لكِ على شهادتكِ الصادقة، آنسة بارانديس.”
لم يكن هذا أقلّ أهميّة من تخليصها من شعورها بالذنب وزرع شيءٍ من الودّ تجاهي.
فالأهمّ هو أن يدرك الطلاب أنّ مجرّد قول ما حدث بصدق، حتى لو بدا أمرًا تافهًا، يمكن أن يُقيّد هيرميتشي ويخنقها.
صحيح أنّ طلاب الصفّ الذين يدرسون معي لم يمضِ على التحاقهم بالأكاديمية وقتٌ طويل، ولم يتعرّضوا بعد لأذى من هيرميتشي.
لكن كما كانت آنسة بارانديس تعرف عنها مسبقًا، فلا بدّ أنّ لكلّ طالبٍ معارف من الدفعات الأعلى، وهؤلاء ستكون هذه المعلومة بالغة الأهميّة بالنسبة إليهم.
وحين يبدأ الطلاب القدامى بالإدلاء بشهاداتهم عمّا تعرّضوا له من مضايقات على يد هيرميتشي، فإنّ نتيجة لجنة الثواب والعقاب ستكون واضحةً كوضوح النار.
سأخرج أنا إمّا من دون أيّ عقوبة، أو بعقوبةٍ طفيفة للغاية، بينما ستتلقّى هيرميتشي عقوبةً أثقل بكثير من مجرّد تسبّبها في إصابة ركبتيّ وباطن فمي.
وحينها، سينتشر في أرجاء الأكاديمية إدراكٌ مفاده أنّ هيرميتشي، التي كانت تتحكّم بكلّ شيء، أصبحت أدنى منزلةً منّي.
“وهكذا، سأغدو ضمن الصفوف العليا في سلّم الطلاب، لمجرّد أنّني ضربتُ ثلاثة طلاب ضربةً خفيفة.”
حقًّا، إنّ أسرع طريق للصعود داخل جماعةٍ متشكّلة سلفًا هو إسقاط الزعيم القائم.
حتى يوم حفل الالتحاق، لم أكن أنوي أصلًا الصعود المحموم في سلّم طلاب السنة الأولى، ومع ذلك، لا أعلم كيف انتهى بي المطاف إلى هذا الوضع قبل أن يمضي شهرٌ واحد على دخولي الأكاديمية.
أهناك عِرق ماءٍ يمرّ من هنا؟ لا، بل حين أستعيد ما جرى، أجد أنّ أحداثًا كثيرة كانت تُفسد عزمي على العيش بهدوء منذ القصر الإمبراطوري نفسه.
لعلّ المشكلة فيّ أنا.
“على أيّ حال، ما دمتُ سأخوض الأمر، فالأفضل أن أحصد منه كلّ ما يمكن حصاده.”
لا يمكن القول إنّني لا أشعر بشيءٍ من التردّد حيال الذهاب إلى هذا الحدّ في التعامل مع أطفالٍ صغار، لكن…
لكنّ الرضا الذي ينبع من إنجاز الأمور على أكمل وجه كان أهم بكثير من أي شعور بالإحباط أو القلق، لذلك لم أتردد أو أتراجع عن خطواتي.
بعد أن قدّمت شكرًا علنيًا لآنسة بارانديس، واستعرضتُ بعض الحيل الأخرى، سارت كل الأمور تمامًا كما أردتُ.
أوّلًا، حرصتُ على أن تُحال المراسلات الخاصة بالقصر الإمبراطوري إلى جانب الامبراطورة الأم عمدًا.
فعادةً، كان من المفترض أن تصل المراسلة إلى جلالته ، لكنني لم أرغب في إزعاج صاحب السموّ الدوق، الذي لا يزال يتأقلم مع إقليمه الجديد، فاستجابت الأكاديمية بسهولة لطلبي.
ربما أخذوا بعين الاعتبار بعض الشائعات السابقة عن خلافٍ مزعوم بيني وبين جلالته أيضًا.
وفي النهاية، بدا أنّ الامبراطورة الأم تعاملت بحكمة، وأرسلت ردًا يشير إلى أنّها لن تُضخّم الأمر، وستترك هذا الموضوع للأكاديمية، دون أن تجعلني أشعر بالإهمال، بل حرصت على إعلامي بنتيجة القرار، وهو تصرّف ذكي للغاية.
كما أنّ شكرِي العلني لآنسة بارانديس كان ناجحًا، إذ توالت بعده تقارير الطلاب الآخرين الذين تعرّضوا لمضايقات من قبل مجموعة هيرميتشي.
وعندما اعتقدت هيرميتشي أنّني وحدي المعنيّة بالأمر، أصبحت قدرة عائلتها على التقليل من شأن الحادثة أو إنكارها معدومة، إذ تداخلت عدة أسر في الموضوع.
ورغم أنّ معظم الضحايا من عامة الشعب، فإنّ ذلك لم يمنعهم من استهداف النبلاء، كما أنّ بعض الأطفال العاديين كانوا تحت رعاية عائلات نبيلة، ما زاد من تعقيد الموقف.
كانت الابنةُ النبيلةُ ويلينغتون هي مَن نقلت إليَّ هذه المعلومات، وبناءً على ما ذكرتْه لي في سياقِ حديثِها، يبدو أنَّ العقوبةَ المفروضةَ عليهم بسببِ ضربي ستنتهي عندَ حدِّ تقديمِ اعتذارٍ علنيٍّ من قِبلِ مجموعة هيرميتشي
بما أنَّ جروحي لم تكن بليغة، وكوني قد استخدمتُ العنفَ أنا أيضًا، فإنَّ الحصولَ على اعتذارٍ من طرفٍ واحدٍ لا يُعدُّ نتيجةً سيئةً على الإطلاق.
على أيِّ حال، ستكونُ هناكَ عقوباتٌ أخرى تتعلقُ بجرائمِهم الإضافيةِ أيضًا.
لذلك، لم أرَ داعيًا للعجلة، بل قلتُ بكلِّ أريحيةٍ إنني لا أمانعُ أبدًا في قبولِ الاعتذارِ بعدَ أن يتمَّ البتُّ في كافةِ العقوباتِ والقرارات.
“لقد مضى وقتٌ طويل، أليسَ كذلك؟”
بالطبع، لو كنتُ أعلمُ أنَّ الأمورَ ستؤولُ إلى هذا الحد، لما فعلتُ ذلكَ أبدًا.
لكنتُ قد قبلتُ الاعتذارَ في ذلكَ اليومِ فورًا وأنهيتُ المسألةَ برُمتِها.
التعليقات لهذا الفصل " 96"