حين خرج صوتي واضحًا، مستقيمًا، لا لبس فيه، احمرّ وجهُ الخصم.
ذهب الطفل يتمتم بشيءٍ ما، ثم لمّا لاحظ تجمّع الأنظار من حوله، عاد فرفع صوته من جديد.
“أأنتِ تتصرّفين هكذا لأنكِ تعتمدين على صاحبِ السموّ الدوق؟!”
وما الذي أعتمد عليه أصلًا؟ فمولاه ليس حاضرًا هنا معي لم أُرخِ عبوسي، بل واجهتُه بحدّة.
“يبدو أنّ من يتباهى بظهرٍ يستند إليه هي أنتِ أهو الصفّ الدراسي؟ أم النَّسب؟ أم المال؟ على أيّ شيءٍ تعتمدين بالضبط؟”
لم أكن بحاجةٍ إلى سماع جوابٍ صريح؛ فقد كان التخمين سهلًا لا بدّ أنها تعتمد على النَّسب.
فلو كانت تعتمد على صفّها الدراسي أو على ثروه ، لما كان هناك داعٍ لأن يتأتي لتستفزّني، وأنا أعيش بهدوءٍ كأنني موجودة وغير موجودة في آنٍ واحد.
وبينما كانت تفتح فمها وتغلقه عاجزة عن قول أنها تعتمد على مكانتها علانية ، قامت الفتاة التي تقف عن يمينها بتوبيخي نيابة عنها .
“اسمعي، كُفّي عن هذا الحدّ مِدِرِت هي وريثُه أسرةِ الكونت هيرميتشي.”
لو كانت تود التفاخر ، فمن الأفضل أن تعطيني معلومات أكثر قيمة .
فليس كلُّ بيتِ كونتٍ عظيمًا بالضرورة، ثم إنّ كون المرء وريثًا لا يعني الكثير إن كانت أسرته بلا شأن.
بل إنّ الابنَ الثاني في أسرةٍ مرموقة يفوق نفوذًا وريثَ أسرةٍ ضعيفة، أليس كذلك؟
“وماذا في ذلك؟ إن كنتِ تنوين سحقي بالنَّسب، فقد أخطأتِ الشخص أنا من العائلةِ المالكة.”
في الإمبراطورية، يُمنَح أفرادُ السلالة شبه الإمبراطورية مكانةً أعلى، ولذلك يغفل الناس عن هذه الحقيقة بسهولة، لكنني—رغم كلّ شيء—أظلّ من الدم الملكي.
صحيحٌ أنّ دولتي ضعيفة فلا يُلقي أحدٌ بالًا، لكن من حيث الألقاب والتراتُبيّة الرسميّة، فإن رتبتي أعلى من رتبة نبلاء الإمبراطورية.
بدا أنّ الأطفال فوجئوا لكوني لم أذكر حتى حقيقة كوني رفيقةَ لعبِ الدوق؛ فاكتفوا بالرمش في صمتٍ لبرهة.
هاه… لا مفرّ من هذا حين يكون الخصم أطفالًا، لكن إن كانوا سيصابون بالارتباك والعجز عن الردّ كلّما واجهتهم بكلمة، لو كانوا سيتلعثمون عند كلّ ردّ، لما كان عليهم أن يفتعلوا الشجار أصلًا
أولئك الذين استفزّوني في حياتي السابقة كانوا، على الأقل، يردّون فورًا دون أن تنقطع حججهم في منتصف الطريق.
وبينما كنتُ أشعر بالاشمئزاز من هذا النزاع السطحي، استعادت الطفله شيئًا من هيبتها ، ثم خطت خطوةً واسعة إلى الأمام، مقلّصه المسافة بيننا.
ولأنني كنتُ جالسة، اضطررتُ إلى ثني عنقي كثيرًا لأرفع بصري إليها ، حتى بدأ عنقي يؤلمني.
“هاه، يبدو أنّكِ نشأتِ مدلّلةً أكثر من اللازم في القصر الإمبراطوري، فلا تعرفين شيئًا عن الواقع.”
حسنًا… لو شملنا الأكاديمية كلّها، بل حتى الأساتذة، فلعلّه لا يوجد من يعرف الواقع أكثر ممّن عاشه كما عشته أنا.
راودتني هذه الفكرة، لكنني لم أُقاطعها هذه المرّة؛ إذ شعرتُ أنّ هذا الحوار شارف على نهايته.
“سأريكِ جيّدًا ماذا يحدث لمن يحتقرني لنرَ كم ستصمدين هنا من دون وجود صاحبِ السموّ الدوق.”
عجيبٌ أنّ من كانت تعجز عن تركيب جملةٍ صحيحة قبل لحظات، أصبحت تطلق عبارات التهديد بهذه السلاسة بدا واضحًا ما الذي كانت تفعله طوال ثلاث سنواتٍ في هذه المدرسة.
لكن مهما يكن، فهي مجرد طفله ومستوى الأذى الذي يمكن أن تُقدِم عليه متوقَّعٌ سلفًا.
لقد تلقيتُ من قبل عرائض تطالب بقطع أعناق أناسٍ واتّهاماتٍ بالخيانة، فقط لأنني عدتُ منتصرةً من حربٍ أخرى، فهل تظنّ أن ما ستفعله سيكون جديدًا أو جللًا؟
بهذا المعنى، كنتُ أتطلّع فعلًا لما سيحصل، لكن يبدو أن ملامحي لم تعكس ذلك، إذ تشنّج وجه الطفله.
“تطلّعي قدر ما شئتِ.”
قالتها بنبرةٍ حاقدة، ثم بصقت على صينيّة طعامي، واستدارت مغادرًه بخطواتٍ متعجرفة.
…فهل كان قد تناولت طعامها بالفعل، أم أنها لم تأكل أصلًا، وقرّرت الآن المغادرة لأن الذهاب لأخذ الطعام بعد هذا الموقف سيكون محرجًا؟
وبينما كنتُ أتساءل عن أمرٍ لا أهمية له على الإطلاق، حملتُ صينيّتي كما هي، وأفرغتُ كلّ ما عليها في حاويةِ بقايا الطعام.
حقًّا، أطفال هذه الأيام لا يعرفون قيمةَ الطعام.
هكذا تمتمتُ وأنا أنقر لساني استياءً، ثم اتّجهتُ بخطاي نحو المتجر الصغير.
كنتُ أعرف بوجوده، لكنني لم أحتج إلى زيارته من قبل، غير أنّ ما حدث اليوم جعل من غير السيّئ أن أجرّب الذهاب إليه هذه المرّة.
***
“بلانشِ ، سمعتُ أنَّ إحدى الطالبات الأكبر سنًّا افتعلت شجارًا معكِ!”
يبدو أنّ خبر افتعال وريثة أسرة هيرميتشي للمشاكل في اليوم السابق قد انتشر بسرعة، إذ إنني، وأنا في طريقي لتناول الإفطار، سمعتُ قلق وريثة أسرة ويلينغدن.
وللتوضيح، فإن وريثة ويلينغدن هي حفيدة كونت شِهرازاد، عميد هذه الأكاديمية الوطنية شِهرازاد.
وهي أيضًا من الأشخاص الذين قدّموا لي التسهيلات كي أتمكّن من الالتحاق بالأكاديمية بمفردي، كما أنها تعرف أن جلالته كان من المقرّر أن يحضر إلى هنا في الأصل.
“…ومن أين سمعتِ هذا الخبر؟”
“الشائعات منتشرة في أرجاء الأكاديمية كلّها وريثة هيرميتشي ذات نفوذٍ واسع داخل الأكاديمية.”
إذًا، يبدو أنها تتلاعب بتحالفات صغيرة داخل الأكاديمية.
حتى بين الطلاب الذين لا يشغلهم سوى البحث والدراسة، من المدهش أنها استطاعت فعل ذلك.
أم لعلّ كثرة هذا النوع من الطلاب هي ما أتاح لها التصرّف بحرّية أكبر؟
فقد بدا لي بالأمس أنّ دهاءها السياسي ليس بتلك القوة.
“هل تقصدين أنها تنشر الشائعة بنفسها؟”
تردّدت وريثة ويلينغدن، ثم أشاحت بنظرها.
حسنًا… أي إنها تجوب المكان قائلة: أنا لا أطيق تلك الفتاة، ومن يقترب منها فليستعدّ لأن يُحسب عليّ.
أليس هذا تصرّف زعيم شِلّة في أحد الأزقّة؟
كان سلوكًا طفوليًا أكثر مما توقّعت، فلم أستطع منع نفسي من السخرية.
لكن لم يكن من اللائق أن أضحك صراحةً أمام وريثة ويلينغدن التي تقلق عليّ، فحبستُ ضحكتي بصعوبة، ولعلّ ذلك جعل ملامحي تبدو غريبة بعض الشيء.
“أم… سموّ الأميرة بلانش هل تودّين أن أتدخّل للوساطة؟ وريثة هيرميتشي لن يكون من السهل عليها تجاهل كلامي…”
هذا صحيح.
مهما بلغت من الغطرسة، فإن تجاهل حفيدة عميد الأكاديمية ليس أمرًا هيّنًا.
لكن ما تقترحه وريثة ويلينغدن يعني، في النهاية، أن أتنازل أنا.
فالطرف الآخر أعلى سنًّا وصوته أعلى، والمطلوب ببساطة أن أعتذر قليلًا، وأخفض رأسي، حتى يرضى.
“لا، لا بأس هذه مسألة أستطيع التعامل معها بنفسي.”
فأنا، ما لم يكن الخصم جلالته نفسه، لم أُعرَف يومًا بالانكسار.
ومواجهة نزوة طفلٍ كهذا لا تكفي لتجعلني أرتجف، بعد أن خضتُ من تجارب الحياة ما خضته.
“لكن…”
ولأنني أردتُ أن أبدّد القلق عن وجهها، تعمّدتُ التحدّث بنبرة ألين.
“إن أصبح الأمر صعبًا فعلًا، عندها سأطلب المساعدة.”
مع أنّ ذلك لن يحدث أبدًا.
ومع هذا، بدا أن تلك الجملة وحدها كانت كافية لتخفيف قلق وريثة ويلينغدن، إذ أشرق وجهها قليلًا، فكان للكلام اللطيف أثره.
“إذًا لم يتبقَّ وقتٌ كثير على الحصة، سأذهب الآن.”
“آه، لكن قاعة الطعام ليست في هذا الاتجاه؟ ألستِ ذاهبة لتناول الإفطار؟”
هاه…
وهل يُعقَل أن أذهب إلى مكانٍ مكتظّ بالناس، بينما هناك من يضمر لي الأذى ويتربّص بي؟
وبعد ما فعلته بالأمس، أليس من المرجّح أن تعبث بطعامي اليوم أيضًا؟
“مِدِرِت! ماذا لو جرحتِ يدكِ؟ هيا، لا تضربي الأثاث، أمسكي وسادةً ومزّقيها بدلًا من ذلك.”
أجلستها أليس على الأريكة، وقدّمت لها تشيسيا وسادةً ناعمة.
راحت مِدِرِت تمزّق الوسادة بعنف، وهي تعضّ شفتها بقسوة.
“ما هذا؟ لا تظهر في قاعة الطعام، تحضر الدروس وحدها، وفي وقت الفراغ تنغلق على نفسها ولا تخرج؟! لماذا تأتي إلى المدرسة أصلًا؟!”
كانت مِدِرِت بارعة في الضغط على من لا يعجبها.
وفي أكاديميةٍ مغلقة من كل الجهات، كان يكفي أن يُحرَم الطالب من الطعام، ويُعزل في الصف، ويُمنَع من الاستمتاع بوقت فراغه، حتى ينهار سريعًا.
لكن هذه الفتاة، بلانش ، لم تنجح معها أيّ من تلك الأساليب.
فرص المضايقة أصلًا كانت نادرة، وحتى حين سنحت، لم تُجدِ نفعًا.
تجاهلت الهمسات من خلفها وكأنها صمّاء، ولم تتأثّر بعزل زملائها لها، وكأنها تعرف أدق تفاصيل النظام الأكاديمي من مصدرٍ خفيّ، وحتى حين حاولوا جرّها خارج غرفتها بطرق الباب، تجاهلتهم تمامًا.
وفي إحدى المرّات، أرسلوا طالبةً أصغر سنًّا لتطرق بابها وتثير الضجيج ثلاثين دقيقة كاملة، لكن صاحبة الغرفة، التي كان وجودها في الداخل مؤكدًا، تجاهلت الأمر كليًا، وفي النهاية جاء بلاغ من غرفةٍ أخرى بسبب الإزعاج، فاضطروا للانسحاب.
“مجرد طفلة مدلّلة نشأت في القصر الإمبراطوري… فما هذا كلّه؟!”
حتى حين حاولوا العبث بخزانتها، وجدوا أنها فارغة تمامًا.
كأنها تلقت دورةً متكاملة عن أساليب التنمّر داخل الأكاديمية.
“مِدِرِت، ألا ترين أن تجاهلها أفضل؟ هكذا، سيظنّ الجميع أنها تتصرّف بحذر لأنها تخاف منكِ.”
عند اقتراح تشيسيا المتحفّظ، هزّت مِدِرِت رأسها بعنف، رافضةً.
“لا يهمّني نظر الآخرين! يجب أن أرى ذلك الوجه المتماسك وهو ينهار.”
كانت مِدِرِت، عند إيذاء الآخرين، تحسب حساب نظرات الناس.
كان الأمر بمثابة إنذار: من يخطئ في حقي، سينتهي مثلكم.
لكن شعورها تجاه بلانشِ كان مختلفًا.
في البداية، لم يكن سوى رغبةٍ في التفاخر بأن حتى رفيقة لعب الدوق تخضع لها، لكن تذكّر ذلك الوجه الهادئ وهو يردّ عليها بلا تكلّف منذ الكلمة الأولى، جعل الغضب يعصف بها.
التعليقات لهذا الفصل " 94"