وهكذا، فإنَّ الأَميرةَ بلانشِ ، التي جاءت وهي تَجرُّ وراءَها شتّى الإِشاعات، عاشت على غيرِ المتوقَّع بهدوءٍ شديدٍ وسكونٍ تامّ، من دون أن تَلفتَ الأَنظارَ على وجهِ الخُصوص.
كانت تُجيبُ إذا طرحَ الأُستاذُ سؤالًا، وتُقدِّم دائمًا إجابةً سليمة، لكنها لم تكن تَرفعُ يدَها مُسبقًا لانتزاعِ حقِّ الكلام.
ويبدو أنها لم تكن تَحمِلُ أيَّ شُعورٍ بالتراتُبيّة الطبقيّة؛ إذ كانت تتلقّى الأحاديثَ التي يَبدؤها زُملاؤُها معها بلُطف، وتُجيدُ تبادُلَ الأحاديثِ العفويّة، لكنها لم تكن هي من يَفتَحُ بابَ الحديث.
كان بإمكانها، على الأقل، أن تَسأل عن موقعِ حصصِ التنقُّل، أو عن الإعلانات، أو حتى عن مكانِ المطعم، لكن بلانشِ كانت، منذ اليومِ الأوّل لدخولها، تَتصرّف وكأنها عاشت في هذا المكانِ عشرَ سنواتٍ كاملة، عارفةً بكلِّ شيءٍ دون استثناء.
ومع أنها ذاتُ مَكانةٍ رفيعة، لم تَطلبِ المساعدةَ أوّلًا، كما أن ملامحَها الباردة، وتفوُّقَها الدراسيّ، وكونَها الأَصغرَ سنًّا في الأَكاديميّة، جعلها شخصيّةً يصعُبُ الاقترابُ منها.
لذلك، كان زُملاؤُها من نفسِ السِّنّ والسنةِ الدراسيّة يتجنّبونها، أمّا الذين بادروا بالحديثِ معها، فكانوا في الغالب من معارفِها الذين كوَّنتهم خارجَ أسوارِ المدرسة.
“أنا بخير، بفضلِ اهتمامِك.”
كانت كلماتُها صادقةً تمامًا.
فبما أنها لم تكن تختلطُ بزميلاتِها في نفسِ السنة، بدا من الخارج وكأنها تسيرُ وحدَها في شموخ، لكن من وجهةِ نظرِها هي، التي اعتادت عيشَ حياتها بمُفردها، كان هذا القدرُ من التواصُل أكثرَ من كافٍ.
“إن كان هناكَ ما يصعُبُ فهمُه في الدروس، فأَخبِريني، سأُساعدُكِ.”
“يكفيني سماعُ هذا، شكرًا جزيلًا.”
وبالطبع، لم يحدث يومًا أن عجزت بلانشِ عن فهمِ محتوى الدروس، ولذلك لم تطلبِ المساعدةَ من الطلّابِ الأَكبرِ سنًّا إطلاقًا.
وعلى أيّ حال، فمِن الخارج، لم تكن سوى طالبةٍ في السّنةِ الأُولى، عاديّة، لا تُثيرُ المشكلات، ولا تُحقِّق إنجازاتٍ لافتةً تَشدُّ الأَبصار.
صحيحٌ أنها طالبةٌ مُثاليّة، لكن هذا المكانَ يَضُمُّ أساسًا طُلّابًا لا يدخلونه إلّا بالكفاءة، ولذلك فإنّ مَن يُحسِنون الاستماعَ والإجابةَ يَتدفّقون كلَّ عامٍ بالمِئات.
ورغم أنها جميلةٌ جدًّا، لم يَجرؤ أحدٌ على التعاملِ مع أَميرةٍ من نَسلٍ شبهِ مَلَكيّ كمُجرّد متعةٍ بصريّة، فلم يَتجمهر الطلّاب حولَها لمُجرّد رؤيةِ وجهِها.
وهكذا، خَمَدتِ الشائعاتُ التي كانت تَلتفُّ حولَ بلانش بالسُّرعةِ نفسها التي اشتعلت بها، وتراجعتِ النَّظراتُ المُلحَّةُ التي كانت تُلاحقُها.
وكان ذلك، تمامًا، كما أَرادت بلانشِ.
***
آه، أخيرًا انفرج الكرب قليلًا.
أطلقتُ زفرةً صامتة، وأنا أُديرُ عنقي بخفّة.
العيشُ وسطَ الأنظار ليس أمرًا غريبًا عليّ، لكن قضاء أربعٍ وعشرين ساعةً محاطه بنظراتٍ لا تنقطع بعد انقطاعٍ طويل، أدخل عليّ توترًا لا داعي له، حتى إنّ ظهري بدأ يؤلمني.
فحياةُ بلانش كانت، في معظمها، داخل القصر الإمبراطوري، بل داخل قصر جاسبر تحديدًا لم تكن تتعرّض لمثل هذا العدد من النظرات الفضوليّة.
“غريب… أأنا في الأصل شخصٌ كثيرُ التوتّر؟”
في حياتي السابقة، حتى في ساحات القتال التي كانت تتأرجح فيها عشرات الآلاف من الأرواح، لم أكن أشعر بتوترٍ يُذكر، لذلك ظننتُ دائمًا أنني شخص لا يعرف القلق.
لكن عندما أفكّر في الأمر الآن، ربما لم أكن متوتّرًا آنذاك لأنني لم أكن أملك ترفَ الشعور بالتوتر أصلًا.
فها أنا أشدّ ظهري بلا داعٍ، لمجرّد بعض نظرات أطفالٍ لا يملكون حتى القدرة على إيذائي.
تأكّدتُ من خلوّ المكان حولي، ثم لويتُ خصري لأُرخِي العضلات المتصلّب مع أن وقوفي المستقيم بات عادةً راسخة، فلماذا أشدّ ظهري عبثًا؟ حقًّا أمرٌ عجيب.
‘على أيّ حال… هل يمكن اعتبار هدفي في السنة الأولى قد تحقّق؟’
السنة الأولى في الأكاديمية تشبه، إذا شبّهناها بالجيش، مرحلةَ المجنّدين قبل تشكيل الوحدات إنها فترةُ تكيّف مع النظام قبل أن يصبح المرء طالبًا حقيقيًا في الأكاديمية.
ابتداءً من السنة الثانية، يبدو أن اختيار الدروس يصبح أكثر حرّية، أمّا في السنة الأولى فهناك جدولٌ محدّد لا مجال للخروج عنه.
ولهذا قرّرتُ أن يكون تركيزي في السنة الأولى على الاندماج بهدوء، من دون لفتٍ للأنظار.
لا داعي لأن أُجهد نفسي في البروز منذ السنة الأولى، وفوق ذلك، وبما أنني أعيش حياتي للمرة الثانية، فإن محاولة التميّز وسط أطفال يعيشون حياتهم الأولى تبدو لي أمرًا محرجًا.
صحيحٌ أن كل ما أتعلمه الآن جديد، لكن لا يمكن مقارنة سرعة تعلّم مراهق في منتصف سنّ المراهقة بسرعة تعلّم شخصٍ عاش حياةً كاملة من قبل، أليس كذلك؟
ومع وجود هذا الفارق، فإن التفاخر على الأطفال لأنني أتعلم أسرع منهم يبدو تصرّفًا مخجلًا.
لذلك، خطتي كانت أن أظلّ غير ملحوظة في السنة الأولى، بحيث يراني الجميع كأنني هواء، ثم في السنة الثانية أبدأ تدريجيًا بالتواصل مع الأساتذة، ومع أولئك الذين يُحتمل أن يبقوا في هذا المجال بعد التخرّج، أما في السنة الثالثة، فأصبح باحثةً وأشرع في بناء شبكة علاقات حقيقية.
ذلك كان هدفي في الأكاديمية.
“لكن… إن كنتُ قد حقّقت هدف هذا العام خلال عشرة أيام فقط من الالتحاق، فبماذا سأقضي الأيام الثلاثمئة والخمسين المتبقية؟”
حتى الدراسة أصبحت مشكلة؛ فاستعارة عددٍ كبير من الكتب من المكتبة قد يلفت الأنظار.
ربما بسبب هذا التفكير المترف، تعرّضتُ في مساء ذلك اليوم نفسه لاضطرابٍ غير متوقّع في حياتي الأكاديمية التي ظننتُ أنها استقرّت.
صحيحٌ أن الأطفال الذين كوّنتُ معهم علاقات خارج المدرسة كانوا يبادِرون بالكلام معي، لكنهم أمضوا هنا سنوات، وبنوا شبكاتهم وروتينهم الخاص.
وأنا بدوري لستُ طفلةً صغيرةً تحتاج إلى الرعاية.
لذلك، كنتُ أشاركهم الجلوس أحيانًا إن صادفتهم في قاعة الطعام وقت الوجبات، لكنني لم أكن أحدّد مواعيدَ خاصةً لتناول الطعام معهم.
يبدو أنهم يقلقون كثيرًا عندما يرونني أتناول الطعام وحدي، لكن سواء في حياتي السابقة أو الحالية، كان تناول الطعام منفردةً هو الوضع الطبيعي بالنسبة لي، بل إنه أريح.
وعلى أيّ حال، ولأن التوقيت لم يكن مناسبًا اليوم، لم يكن هناك أحدٌ مألوف في الجوار، فحملتُ طعامي وجلستُ في مكانٍ فارغٍ مناسب.
عندها فقط، تقدّم إليّ ثلاثةُ طلابٍ لم أرهم في حياتي قطّ، وبدأوا بالكلام.
“أنتِ بلانشِ روا فاندالويَن الشهيرة، أليس كذلك؟”
كنتُ قد رفعتُ الملعقة لتوّي، فوضعتُ سلطةَ البطاطس في فمي، ومضغتُها على مهل، ولم أُجِب إلا بعد أن ابتلعتها.
“نعم.”
لا أعلم إن كانوا قد أنهوا طعامهم، أو إنهم لم يتناولوا شيئًا أصلًا، أو إنهم تركوا ملاعقهم على عجل عندما لمحوني، لكن حماسهم كان لافتًا حقًا.
وبينما كنتُ أقطع قطعةَ خبزٍ إلى حجمٍ مناسب، عادت الطفله التي كلّمتني لتحاول استئناف الحديث، وهي تقطّب حاجبيه.
“هيه، أليست هذه سنتكِ الأولى؟”
لا أدري إن كان هذا يُعدّ حديثًا أصلًا أجبتُه بنبرةٍ واحدة
“نعم.”
“نحن في السنة الثالثة، أتفهمين؟ ألا تستخدمين أسلوبَ الاحترام مع من هم أكبر منكِ؟”
عندها فقط، رفعتُ بصري وتفحّصتُ الثلاثة الواقفين أمامي من الرأس إلى القدم
“ولماذا أفعل؟”
إن كان هذا التحقير مصحوبًا بحدٍّ أدنى من الاحترام لكان الأمر محتملًا، أمّا وهو تحقيرٌ واضح القصد، غايته افتعال الشجار، فما الذي يدعوني لاستخدام أسلوب الاحترام مع شخصٍ كهذا؟
ثم إنني لا أظنّ أن استعمالي لأسلوبٍ مهذّب سيمنعه أصلًا من افتعال المشكلة.
في حياتي السابقة، بل عبر كلتا حياتيَّ معًا، نادرًا ما واجهتُ موقفًا اضطررتُ فيه إلى مخاطبة شخصٍ يُسيء إليّ باحترام.
ولا يمكن لطفلٍ يدرس في المدرسة نفسها، ولا يزيد عمره عن عمر بلانشِ سوى بضع سنوات، أن يكون واحدًا من تلك الحالات النادرة.
“ما هذا…!”
اندفع الغضب فجأة من الطفله التي تقف في الوسط، لكن الطفله الواقف على يساره أمسكت بذراعها وأوقفتها
لو كانت تنوي منعها، لكان من الأفضل أن تفعل ذلك قبل أن يأتوا إلى هنا أصلًا بهذا التفكير، أعدتُ بصري مجددًا إلى صينيّة الطعام.
كلّما فكّرتُ في الأمر، وجدتُ أن تقديم المقبلات والطبق الرئيسي والحلوى في صحنٍ واحد فكرةٌ جديدة وفعّالة حقًا.
في ساحات القتال، حيث يجب توزيع الطعام دفعةً واحدة، غالبًا ما تكون الوجبات بسيطة، لكن لو توفّرت مثل هذه الأواني آنذاك، لكان بالإمكان تنويع الأطعمة، وهو أفضل من الناحية الغذائية.
أتُرى هل يستخدم الجيش في هذه الأيام مثل هذه الأدوات؟ أم أنهم ما زالوا يكتفون بوجبةٍ واحدة وطبقٍ واحد كما في السابق؟
لم يعد لي أيّ شأنٍ بساحات القتال الآن، لذا فكل هذا التفكير لا طائل منه، ومع ذلك أجدني أعود إليه مرارًا.
أليس من الأولى، إن كانت تريد افتعال شجار، أن تفعل ذلك خارج قاعة الطعام؟
يقال إن حتى الكلاب لا تُزعَج أثناء الأكل، فما هذا التصرّف؟ لم أُحاول كبح عبوسي، بل رفعتُ رأسي مجددًا.
“هل يمكن أصلًا إجراء حوار مع طفلٍ لم يتعلّم أبسط آداب المائدة؟ إن كنتَ ترغبين في الحديث، فالأجدر بك أن تتعلّمِي قواعد اللياقة الأساسية ثم تعودِي.”
شعرتُ بسكونٍ مفاجئ يخيّم على المكان، لكنني لم أتراجع.
فأنا تعمّدتُ رفع صوتي ليُسمَع، فما المشكلة؟
أنا أريد أن أعيش بهدوء، لا أن أبدو سهلةَ الاستهانة فقد تعلّمتُ من التجربة أن من يُنظر إليه على أنه ضعيف، يصعب عليه أن يحظى بحياةٍ هادئة.
لذلك أدرتُ جسدي قليلًا إلى الجانب، ونظرتُ مباشرةً إلى الطفله الواقف في الوسط.
كانت هي من مدّت يدها أولًا، ومع ذلك بدا عليها شيءٌ من الارتباك.
“ما… ما هذا؟ أنتِ من تجاهلتِ كلام الناس أولًا—”
تعمدتُ مقاطعتها قبل أن تُكمل حديثها.
“لم تُعرّفي بنفسك، ولم تذكري سبب مجيئك، بل خاطبتني بتعالٍ ومن دون تحيّة، رغم أنكِ ترى بوضوح أنني أثناء تناول الطعام أيُّ ردٍّ تتوقّع أن يكون مناسبًا في موقفٍ كهذا؟”
هل كان عليّ أن أرمي الملعقة جانبًا، وأقف فجأة لأذكر اسمي وانتمائي مثلًا؟
لم يجد ما يردّ به على سؤالي المنطقي، فاكتفت بالتمتمة وهذه المرّة لم يكن صوته مسموعًا أصلًا.
التعليقات لهذا الفصل " 93"