عندما قررتُ الالتحاق بالأكاديمية وحدي من دون جلالته ، كان أكثر ما أقلقني هو مسألة مصير تولا.
في الأصل، كنتُ أنوي بطبيعة الحال أن أتركها في قصر جاسبر لتتولى شؤون القصر، لكن الظروف لم تعد كما كانت.
فالفارق شاسع بين مكانة دوقة كبرى مستقبلية، وبين مكانة صديقة طفولة لدوقٍ كادت أن تصبح دوقة كبرى وفوق ذلك، فقد تعرضتُ قبيل مغادرتي القصر لمحاولة اغتيال.
حتى وإن جرى كبح الشائعات ظاهريًا، فلا بد أن نظريات مؤامرةٍ تدور في الخفاء، تزعم أن الدوق هو من دبّر محاولة الاغتيال بنفسه.
وفي ظل هذه الأوضاع، يستحيل عليّ أن أترك تولا في القصر بلا أي سند أو حماية.
وبينما كنتُ غارقًا في هذا القلق، قدّمت لي الآنسة ميليك — وهي أكثر معارفي نضجًا وخبرةً بالحياة الاجتماعية — نصيحة عملية ومفيدة.
“لمَ لا تجهزين لها منزلًا داخل المدينة وتقيم فيه؟”
“وهل يُسمح لطالبة بأن تمتلك شيئًا كهذا؟”
“ما دام خارج الحرم الأكاديمي، فلا أظن أن لوائح المدرسة تمنع ذلك ثم إن سموّكِ تُعاملين داخل الإمبراطورية معاملة شبه ملكية، فضلًا عن كونكِ من أسرةٍ ملكية أجنبية، فربما يُغضّ الطرف عن بعض التصرفات اللافتة.”
وبعد مراجعة لوائح الأكاديمية، تبيّن أنه لا يوجد أي بند يمنع الطالب من امتلاك منزل خارجها أما مسألة تجاوز الصلاحيات…
وبعد أن قارنتُ بين مقدار الحرج الذي ستتحمله تولا، وبين سماكة الوجه التي سيتوجب عليّ التحلي بها، انتهيتُ في النهاية إلى اختيار الخيار الثاني.
قصر جاسبر، الذي غاب عنه صاحبه والمشرف العام عليه، بادرت الإمبراطورة الأرملة إلى تولي إدارته.
كنتُ قد رأيت أن تركه مهملًا قد يسبب حرجًا لمكانة مملكة لاموري بصفتها مبعوثه سلام تستعير أجنحة من القصر الإمبراطوري، لذا كان هذا حلًا موفقًا.
“على أي حال، إدارة القصر الإمبراطوري تقع ضمن صلاحياتي، كما أنني أتولى شؤون قصر مليكي، فما الضرر في إضافة قصر بلانش واحد إلى القائمة؟”
وعلى عكس ليانا التي بدت غير مدركة لما يجري، كانت الإمبراطورة الأرملة على ما يبدو قد استشعرت ملابسات الأمر.
فهي أصلًا من دفعت بالأميرة الكونتيسة ستارتِي إلى الهاوية، وأطاحت معها بالنبيل الشاب ماستيرا.
ومن ثم، فهي تدرك مجريات الأحداث إلى حدٍّ ما، لكنها تجهل وقائع حياتي السابقة ولذلك، لا بد أن تصرفاتي بدت لها وكأنني انقلبت فجأة على سكوني المعتاد وشرعتُ أتصرف على نحوٍ غريب.
ولو كان غيرها، لكان استدعاني فور نهوضي وواجهني باستجواب قاسٍ.
ومع ذلك، لم يتغير أسلوب الإمبراطورة الأرملة في معاملتي.
كوني الابن الذي يحبه جلالته يجعل من الصعب عليها أن تضغط عليّ بإلحاح، غير أن هذا بالذات يعني أنها لا بد تملك أسئلةً أكثر مما تُظهر.
مهما كان التفسير الذي قدمه جلالته، فإن اختيارها عدم الخوض أكثر في هذه القضية يُعد مهارةً سياسية تُثير الإعجاب.
لعل هذا المستوى من الحنكة هو ما يمكّنها، وهي في منتصف الأربعينيات من عمرها، من الجلوس على عرش الإمبراطورة الأرملة، مع الاستمرار في إدارة المجتمع الأرستقراطي والديوان الداخلي كما فعلت أيام كانت إمبراطورة.
على أي حال، ما دمتُ أستطيع تلقي المساعدة من دون الحاجة إلى الشرح، فلا داعي لرفضها بل إن توليها إدارة قصري يسهل عليّ إخراج تولا منه، وهو أمرٌ يصب في مصلحتي.
لذلك، قبلتُ مساعدتها بكل طيب خاطر.
أما تجهيز منزل المدينة، فكان من مسؤوليتي أنا.
حين أخبرتُ الجميع بنيتي تأمين منزل لتقيم فيه تولا، عرض جلالته، وليانا، والإمبراطورة الأرملة، بل وحتى فانيا والآنسة ميليك، أن يؤمّنوا لي قصرًا خاصًا قرب الأكاديمية إن احتجت.
حتى الإمبراطور، الذي لم ألتقِ به منفردة سوى مرتين لا أكثر، عرض أن يهبني قصرًا إن رغبت، ما جعل الخيارات أمامي كثيرة حقًا.
لكن بما أنني قررتُ رسم حدٍّ فاصل مع العائلة الإمبراطورية، فمن الصواب أن أقتصر على تلقي دعمهم في الأمور الضرورية فقط.
لا سبب يدفعني لقبول قصر من فانيا أو الآنسة ميليك، وفوق ذلك، حين حسبتُ مصروفات المحافظة على المكانة التي راكمتها على مدى عشر سنوات من رعاية العلماء، وجدتُ أنني أملك ما يكفي لشراء منزل بسهولة.
لذلك، استعنتُ بالآنسة ميليك فقط في اختيار المنزل.
ففي حياتي السابقة، لم أفعل سوى السكن في قصور مُنحت لي، ولم أتعلم قط كيف يُختار بيتٌ جيد.
وبعد اختيار المنزل، ونقل الأمتعة، والانتقال مع تولا، وجدتُ أن يوم حفل الالتحاق بالأكاديمية قد حلّ.
وبمساعدة تولا، بدّلتُ ملابسي إلى الزي المدرسي، وتمتمتُ بشيء من التذمر
“هذه أول مرة أرتاد فيها مؤسسة تعليمية… هل سأتمكن من التأقلم؟”
أنا في الأصل لا أنسجم جيدًا مع الأطفال، وأجد صعوبة أكبر في الاختلاط بمن هم في مثل سني، ناهيك عن أن الأكاديمية مكانٌ نقضي فيه اليوم بأكمله مع الزملاء.
صحيح أنني في هذه الحياة اكتسبتُ بعض الحيلة، وأصبحتُ أتعامل مع أقراني أفضل مما كنتُ عليه سابقًا، وبنيتُ علاقة وثيقة إلى حدٍّ ما مع فانيا، لكن جوهري لم يتغير.
وحين أفكر أن من تعاملوا معي حتى الآن ربما تحملوني لأن لقاءات حفلات الشاي لا تدوم سوى ساعات قليلة، يزداد قلقي من مكانٍ سأضطر فيه لرؤيتهم أربعًا وعشرين ساعة يوميًا.
وبينما كنتُ أسترجع أنماط المشاحنات الطفولية التي لم تعد ذاكرتي تحتفظ بها جيدًا، قامت تولا بتسوية ملابسي، ثم احتضنتني بلطف.
“هل هذا ما يقلقكِ حقًا؟”
بالطبع يقلقني.
فالأطفال، على عكس الكبار الذين يقدّمون المصالح على المشاعر، يتصرفون بدافع العاطفة من دون تفكير، وهذا ما يجلب المتاعب.
ومع أن هذا القلق لن يدفعني إلى العدول عن الالتحاق بالأكاديمية، فإنه يظل أمرًا مزعجًا لا مفر منه.
“إن واجهتكِ صعوبة، عودي في عطلة نهاية الأسبوع وتذمري كما تشائين سأستمع إليكِ.”
الشكوى لا تحل المشكلات.
وفوق ذلك، فإن وجود منزل المدينة وحده كفيل بجذب الأنظار، لذا كنتُ أنوي قدر الإمكان ألا أعود إلى هنا خلال الفصل الدراسي.
لكنني فهمتُ ما تقصده تولا كانت تريد مواساتي، ومنحي دعمًا عاطفيًا.
ورغم أن طريقتها لا تناسبني تمامًا، فإن صدق مشاعرها وهي تحاول تهدئة توتري غير المعتاد بدا جميلًا في عيني، فاحتضنتها بقوة من دون أن أنطق بكلمة.
“وأنتِ، إن احتجتِ إلى شيء، فاكتبي لي رسالة.”
“هل تقلقين عليّ؟”
“بالطبع.”
فالمنزل لم يكن سوى مكانٍ جُهز على عجل، وتولا ستضطر إلى توظيف العاملين وتنظيم شؤونه بنفسها، وهو أمر يختلف كثيرًا عن حياتها في القصر حيث كان كل شيء متوفرًا.
ومع ذلك، أنا واثقة بأنها ستنجح.
لا أشك في قدرات تولا، لكن هكذا هو الحب حتى من نثق به تمامًا، نظل نراقبه بقلق.
نرغب — رغم علمنا بأنه لا يريد ذلك — أن يبوح بتعبه، وأن يتدلل قليلًا.
لو كنتُ أدركتُ هذا في وقتٍ أبكر، لربما أحسنتُ معاملة لي يوهيون أكثر… وبينما كنتُ أوبخ نفسي على هذا الندم المتأخر، أرخيتُ ذراعيّ عن عنق تولا.
“سأذهب الآن.”
“لحظة من فضلكِ.”
أوقفتني تولا، وقبّلت جبيني قبلة خفيفة.
ليس تصرفًا يليق بسيدة أنهت حفل ظهورها الاجتماعي، والتحقت بالأكاديمية، لكنها سبقتني قبل أن أوبخها.
“عودي بسلام سأكون بانتظاركِ.”
نظرتُ إليها بعينٍ نصف مغمضة، وكأنني أوبخها، لكنها لم تفقد ابتسامتها.
نعم… أنا من دللتها أكثر مما ينبغي، ولهذا لا أجد في نفسي رغبة في توبيخها حتى الآن.
“حسنًا، كوني مطيعة وانتظري.”
ابتسمتُ بخفة، ثم ابتعدتُ عنها.
فقد حان وقت الانطلاق، وإن تأخرتُ أكثر، فلن أصل في الموعد.
***
منذ امتحان القبول، أخذت الشائعات بمختلف أشكالها تتناقل داخل أكاديمية شهرزاد عن الأميرة بلانش.
قيل إنها الأولى على دفعتها في امتحان القبول، وقيل العكس تمامًا؛ وقيل إنها لم تبلغ حدّ النجاح، لكنها دخلت بدفع المال. وقيل إن قدومها إلى أكاديمية شهرزاد — التي تضم عامة الناس إلى جانب النبلاء — سببه شخصيتها المتواضعة التي لا تتقيد بالفوارق الطبقية، ثم قيل: لا، ليس هذا السبب.
بل على العكس، قيل إنها شديدة الحساسية تجاه الفوارق الطبقية، ولذلك اختارت مكانًا يكثر فيه عامة الناس الذين يمكن معاملتهم بخشونة، بدلًا من أكاديمية أخرى يكثر فيها النبلاء.
وقيل أيضًا إنها تميل إلى مخالطة من هم أكبر سنًا منها، لذا تبدو ناضجة على غير سنّها؛ ثم قيل: لا، بل لأنها متقلبة المزاج ومدللة، فتأنس بمرافقة الأكبر سنًا وهكذا توالت الشائعات المتناقضة.
وحين انتشرت تلك الأقاويل المتعارضة على هذا النحو، حتى لم يعد أحد يعرف حقيقة من تكون بلانش روا فاندالويين…
“هل الطريق من هنا إلى مكان حفل الالتحاق؟”
في تلك اللحظة تحديدًا، ظهرت بلانش في أرجاء الأكاديمية.
ومن البديهي أن أول ما لفت أنظار الحشود كان مظهرها.
فقد كان شعرها الفضي اللامع تحت ضوء الشمس يلفت الانتباه على الفور وكان مربوطًا ربطًا خفيفًا بشريطٍ أسود قاتم، على النقيض من لون الشعر، منسدلًا حتى قرب لوحي كتفيها.
أما عيناها، اللتان تحملان اللون الأسود نفسه لون الشريط، فكانتا كبيرتين ومستديرتين.
وكان وجهها المرتب أشبه بدمية من الخزف، يخلو تمامًا من أي تعبير.
ولعلّ أزرار زيّها المشدودة حتى أعلى العنق في يوم حفل الالتحاق، وربطة العنق المعقودة بإحكام فوقها، إلى جانب أطراف الأكمام القاسية، كلها اجتمعت لتمنحها هيئةً أقرب إلى وكأنها دمية أكثر من انسانه حقيقية.
“…على أي حال، جمالها حقيقي فعلًا.”
حتى جمال بلانش لم يَسلم من الشائعات الكثيرة.
وبما أن هذا أمرٌ يُرى بالعين، فلم تنتشر عنها أقاويل القبح، غير أن الشائعات انقسمت بين من زعم أنها أسرت قلب الدوق بجمالها وحده، ومن ادعى أن الإطراء المحيط بها مبالغ فيه بسبب كونها صديقة طفولته، وأنها في الحقيقة فتاة عادية.
لكن ما تبيّن الآن، على الأقل في هذه النقطة، هو أن الرواية الأولى هي الصحيحة.
وسواء همس الناس من حولها بشأن مظهرها أم لا، فإن بلانش لم تُعر ذلك أي اهتمام، وبدأت تسير نحو القاعة الكبرى وفق إرشادات الموظف الواقف عند بوابة الأكاديمية.
ومع كل خطوة تخطوها، كان الحشد ينشقّ إلى نصفين، مفسحًا لها طريقًا، ومع ذلك لم تُبدِ أدنى تردد أو اكتراث.
وعندها أدرك الناس حقيقة أخرى عنها
على الأقل، تلك الفتاة لا تعبأ على الإطلاق بنظرات من حولها.
التعليقات لهذا الفصل " 92"