علمتُ بنبأ رحيل جلالته الى الشمال قبل يوم واحد فقط من موعد مغادرتي القصر الإمبراطوري للالتحاق بالأكاديمية.
لقد كانت فرص إخباري بذلك لا تُعد ولا تُحصى، خاصة وأننا واصلنا جلسات الشاي الأسبوعية لمنع انتشار شائعات الخلاف بيننا بشكل مفرط.
في الواقع، حين سألتُه سابقاً عما إذا كان عليّ إعداد عذر لغيابه، هز رأسه ونفى حاجتي لذلك.
لكنني قررتُ تجاوز الأمر وعدم الشعور بالاستياء، فليس من شأني أن أتجاوز حدودي، غير أن فضولاً ما تملكني.
“إلى الشمال؟”
“نعم. ألم أقل لكِ سابقاً إن لي مقاطعة هناك؟ سأذهب وأتظاهر بأنني حاكم المقاطعة لفترة.”
تذكرتُ ذلك، لكن لم يكن هذا هو مبعث تساؤلي.
“ألم تكن جلالتك لا تحب البرد تحديداً؟”
على حد علمي، تقع في شمال الإمبراطورية سلاسل جبلية وعرة، وحين تهب رياح البحر وتلتف حول تلك الجبال، تصبح درجات الحرارة هناك أقل حتى من المناطق الواقعة خلف الجبال.
أذكر بوضوح كيف ثارت بانيا عندما ذكرتُ أن جلالته اقترح الذهاب للشمال ذات مرة، حيث قالت بغضب: كيف تأخذ طفلاً من الجنوب إلى منطقة يغطيها الجليد نصف عام؟
صحيح أن مناخ مملكة لامور كان معتدلاً، لكنني لم أعش هناك فترة كافية لأعتاد على درجات حرارتها.
“لستُ أكرهه تماماً، أليس كذلك؟”
“لكن جلالتك كنت تقتني فراءً جديداً كل عام لـ…”
ضاقت عيناي وأنا أتحدث بعد أن خطر لي خاطر ، هل يعقل؟
بدت على وجه جلالته ابتسامة وقحة أكدت شكوكي.
“بالفعل، بما أنكِ كنتِ تعارضين الصيد بشدة، كنتُ أتذرع بالحاجة للفراء لأخرج للصيد مرة كل شتاء.”
“لم تكن مرة واحدة بـ… تباً، لا يهم على أي حال، لم يصِب جسدك المكرم بأذى أثناء الصيد.”
بالتفكير في الأمر، فراء الحيوانات لا يبلى في عام واحد، وقد كنتُ أتساءل دائماً لماذا يصر على الخروج للصيد كل عام بحجة حاجته لملابس شتوية جديدة.
“لكن ذهابي للشمال الآن ليس من أجل اصطياد الدببة.”
بما أن النمور غير موجودة هناك، فالدببة هي البديل إذاً على كل حال، من المطمئن أنه لن يذهب للصيد.
“ألم تقولي أنتِ إن استنشاق رياح الشمال القاسية يريح الذهن ويجعل العقل صافياً؟”
توقفت يدي التي كانت تمسك بالكوب للحظة.
كان ذلك صحيحاً فبعد توحيد القارة، حين عرض عليّ جلالته منح أي سهل خصب أو موقع استراتيجي أو أرض تفيض بالموارد، طلبتُ منه أرض تلك الدولة التي أخضعتُها أخيراً.
كانت تقع في أقصى شمال القارة، أرض واسعة لكنها قليلة السكان، جوها قارص ولا تنتج شيئاً.
“… لقد كنتَ تتذكر تلك الكلمات.”
“أسألكِ الآن، هل كنتِ جادة في ذلك؟”
“لم تكن كذبة.”
فالبرد أهون عندي من الحر.
“إذاً ما السبب الذي جعلكِ لا تفصحين عن دوافعكِ؟”
أعلم أنه يخمن السبب بالفعل، لكن نظراته كانت توحي بأنه لن يتركني ما لم أنطق بها بنفسي، فاستسلمتُ.
“رأيتُ أنها الأرض الأخيرة التي تم غزوها، وبسبب بعدها عن العاصمة فهي الأكثر عرضة للتمرد وبما أنها أرض قاحلة، يجب أن يكون الحاكم كفؤاً للغاية وبناءً على كل هذه المعتبِرات، اعتقدتُ أن حكمي لها مباشرة هو الخيار الأصح من عدة نواحٍ.”
“وماذا أيضاً؟”
انظروا إليه، لم يكتفِ بذكر سببين منطقيين، رغم أنه يقرأ ما يدور في رأسي بوضوح.
“… وكما نصحتُك مراراً، كانت مكافأة جلالتك مبالغاً فيها جداً لذا، لو قبلتُ بالأرض التي عرضتَها، لثارت الاعتراضات بلا شك.”
بما أنه لم يطلب مزيداً من الأسباب هذه المرة، فهذا يعني أنه كان يعلم كل شيء بالفعل لا أكثر ولا أقل.
لطالما كان يقرأ مكنونات صدري كأنه ينظر إلى راحة يده، فلماذا يصر دائماً على سماعها بلساني؟
شعرتُ بجفاف في حلقي وأنا أفصح عن مشاعر لم أكن لأجرؤ على قولها في حياتي السابقة، فأفرغتُ كوب الشاي الذي برد نصفه وأضفتُ كلمات لا داعي لها.
“كانت تلك هي الأسباب، لكنني حقاً أحببتُ ذلك المكان.”
لقد كان مكاناً يخلو من كل شيء، ولهذا السبب كان تطويره يمنحني شعوراً بالإنجاز.
ورغم أنني لم أتمكن من زيارته كثيراً بسبب انشغالي بالإدارة في المركز، ورغم أنني في سنوات كثيرة كنتُ أنفق من مالي الخاص بدلاً من جمع الضرائب، إلا أنني كنتُ أرى التحسن الطفيف في كل مرة أزوره فيها.
أعتقد أنني أحببتُ ذلك.
“… ربما ستحبين مقاطعتي أيضاً.”
لستُ متأكدة، ولا أظن ذلك أبداً فتعلقي بذلك المكان كان نابعاً من كونه ملكي.
فأنا، كما ترون، من النوع الذي يتمسك فقط بما يقع بين يديه أما ما يخص الآخرين، فلا يثير اهتمامي وإن كان مماثلاً لما عندي.
“أنت تعلم جيداً أن ذلك لن يحدث.”
“ولن تخبريني بالسبب في النهاية.”
اكتفيتُ بالابتسام.
أجل، ربما هذا السبب تحديداً هو ما لن يعرفه جلالته أبداً.
فمنذ اللحظة التي تخلص فيها مني في حياتي السابقة، ظناً منه أنه يستطيع استعادتي لاحقاً، بدأت أفكاري تتدفق في اتجاه لا يمكنه فهمه.
وبما أنني في حياتي السابقة لم أكن أفصح بصدق عما يعرفه هو بالفعل، فليس لدي نية في هذه الحياة للإفصاح عما يجهله حقاً.
يبدو أنه قرأ في ابتسامتي صمتاً سيدوم للأبد، فرفع يديه مستسلماً.
“آه، حسناً افعلي ما يحلو لكِ كيف لي أن أنتصر عليكِ؟”
مع أن ذاكرتي لا تحمل سوى هزائمه المتكررة أمامي ، إلا أن عدم الإشارة لذلك كان عادة قديمة لدي ، أن أقدم النصح، لكن لا أتدخل في تذمرات جلالته.
“يا صاحب الجلالة.”
لذا، وبدلاً من مجادلته حول متى خسر أمامي، ناديته بهدوء.
“أرجو أن تحافظ على جسدك المكرم وتظل في تمام الصحة والعافية لوقت طويل.”
كانت هذه هي الكلمات التي أردتُ قولها في حياتي السابقة قبل موتي مباشرة وكانت الكلمات التي رحلتُ دون أن أتمكن من النطق بها.
بعد أن أنهيتُ ما أردتُ قوله وشعرتُ بالراحة، ظل جلالته ينظر إليّ بصمت لوقت طويل جداً.
“… وأنتِ أيضاً، أرجوكِ.”
خرجت الكلمات بعد صمت طويل جداً، خافتة وضئيلة، لكنها كانت كافية لتصل إلى مسمعي
ابتسمتُ بهدوء.
ومع ذلك، أليس هذا الوداع ألطف وأكثر سلاماً بكثير من وداعنا السابق؟
إذا استطعنا الاستمرار هكذا، كخطين مستقيمين متقاطعين لن يلتقيا أبداً مرة أخرى، فقد لا تكون هذه الحياة سيئة إلى هذا الحد.
***
“أرجو أن تحافظ على جسدك المكرم وتظل في تمام الصحة والعافية لوقت طويل.”
في اللحظة التي سمع فيها ميلتشزيدك تلك الكلمات، شعر بغصة تخنق حنجرته، غصة لم يشعر بها حتى حين أخبرته أنها لن تطأ قدماها مقاطعته أبداً.
والسبب في ذلك هو أن هذه لم تكن المرة الأولى التي يسمع فيها هذه الكلمات.
دائماً، ودائماً.. كانت بايك ريون تلقي عليه تلك التحية كلما همّت بالرحيل.
كانت تودعه بتلك الكلمات وهي المغادرة إلى ساحات المعارك حيث تتربص بها الخطر ، وكأن تشونغ ريونغ هو من كان في مكان أكثر خطورة منها.
حين كان يصغي لتلك التحية التي ترفعها له، وهي تؤدي انحناءة مثالية لا يمكن لأحد أن يجد فيها مأخذاً، وهي تعبر عن قلقها على سلامته؛ كان تشونغ ريونغ يسقط دائماً ضحية للقلق، ويشعر بأن بايك ريون لن تعود إليه حية أبداً.
في نهاية المطاف، لقد خسرها في قلب العاصمة بعد أن انتهت كل الحروب.. واليوم، رغم أن بلانش لا ترحل إلى ساحة معركة تُسلب فيها الأرواح في لمح البصر، بل تذهب إلى الأكاديمية التي تُعد أكثر الأماكن أماناً وهدوءاً..
إلا أن ميلتشزيدك ، رغم كل شيء، وقع أسير ذلك القلق اللعين، وشعر وكأنه لن يتمكن من رؤية الفتاة التي أمامه مرة أخرى أبداً.
“… وأنتِ أيضاً، أرجوكِ.”
لذا، وبعد أن تحمّل ثقل ذلك الصمت الطويل، لم يجد ميلتشزيدك مفرّاً من أن ينطق بتلك الكلمة الواحدة النابعة من أعماق قلبه.
لكن ما جاءه في المقابل كان ابتسامة صافية خالية من أي ندم أو تمسك، لدرجة جعلته يتمنى لو أن حبلاً يلتف حول عنقه لينهي عذابه.
***
اشتهرت أكاديمية شهرزاد الوطنية بمعايير قبول مرنة تسمح بدخول أي شخص يمتلك المهارة بغض النظر عن مكانته الاجتماعية، كما تميزت بنظام أكاديمي راسخ يوفر مجموعة واسعة من التخصصات، حتى النادرة منها.
ورغم أنه لطالما وُجهت إليها انتقادات؛ تارة من قِبل النبلاء الحساسين تجاه الفوارق الطبقية الذين يفضلون الأكاديميات الحصرية للطبقة المخملية، وتارة أخرى بسبب نقص الكادر التدريسي في التخصصات الرئيسية نتيجة محاولة الأكاديمية تغطية مجالات شتى، إلا أنها ظلت دائماً ضمن قائمة أفضل خمس أكاديميات في الإمبراطورية.
وإن كان من الإنصاف القول إنها لن تصمد في القائمة إذا طُلب اختيار أفضل ثلاث أكاديميات فقط.
ومع ذلك، هبت رياح تغيير هائلة على أكاديمية شهرزاد.
لم يكن ذلك لسبب سوى التحاق الأميرة بلانش، أميرة مملكة لامور ورفيقة لعب الدوق الذي يُعد من أشباه الأسرة الحاكمة.
كان التحاق الأميرة فرصة ذهبية من عدة نواحٍ؛ فبالإضافة إلى الدعم المالي السخي الذي وعدت به العائلة الإمبراطورية، وجدت شهرزاد في اسم الأميرة، ذات المكانة الرفيعة، وسيلة لجذب الطلاب النبلاء الذين لطالما كانت فئتهم ضئيلة في الأكاديمية.
وإذا سارت الأمور على ما يرام، فقد تزدهر الأكاديمية خلال فترة دراسة الأميرة بلانش لدرجة تضمن لها مكاناً مستقراً ضمن قائمة أفضل ثلاث أكاديميات.
وسط هذه التوقعات الكبيرة من مسؤولي المدرسة، اقترب يوم حفل انضمام الأميرة بلانش.
التعليقات لهذا الفصل " 91"