“لقد كنتُ مستعدة لأن أكون منبوذة، وفكرتُ أيضاً في أن حياتي قد تكون في خطر.”
تابعتُ حديثي ببطء وأنا أراقب يديّ المضمومتين وهما ترتجفان بوضوح.
“ولكن يبدو أن ذلك لم يكن كافياً.”
“بلانش…”
رفعتُ رأسي حين نودي على اسمي لو كانت عيناي مبللتين بالدموع لكان التأثير أفضل، لكن بما أنني لم أعتد البكاء، فقد كانت عيناي جافتين تماماً.
“أنا خائفة يا صاحبة الجلالة.”
لذا استعضتُ عن الدموع بنبرة صوت مرتجفة وبما أن الخوف كان حقيقياً وإن اختلفت أسبابه، لم يكن من الصعب تمثيله.
“لقد هيأتُ نفسي لمواجهة القتلة المأجورين، واعتقدتُ أنني سأتمكن من المقاومة لأن جلالة الإمبراطورة علمتني فنون السيف جيداً لكن السم… لم يخطر السم ببالي أبداً.”
هنا خفضتُ نظري مجدداً وأرخيتُ كتفيّ بضعف.
“لن يتوقف الأمر عند السم فقط، أليس كذلك؟ هناك أشياء كثيرة لم أتوقعها بعد.”
ظلت ليانا صامتة تستمع إلى كلماتي، وكأنها عجزت عن النطق.
“أشعر بالرعب عندما أفكر أن هذا الوضع قد يستمر في المستقبل.”
في الواقع، لم يكن هذا هو السبب الحقيقي لخوفي، ولكن لكي لا يُكشف كذبي، استحضرتُ بجدية ذكريات نهايتي في حياتي السابقة فالصوت الذي يحمل مشاعر صادقة يبدو أكثر واقعية.
“أريد على الأقل أن تتاح لي الفرصة لأفكر في الأمر مرة أخرى بعد التخرج من الأكاديمية.”
لو قلتُ إنني أريد فسخ الخطوبة تماماً الآن، لربما طلبت مني إعادة التفكير أما إذا قلت إنني سأعيد النظر في الأمر لاحقاً، فلن يكون أمام لياناخيار سوى التراجع.
مدت ليانا يدها ببطء ولمست وجنتي؛ الوجنة التي لم تذرف دمعة واحدة.
“بلانش.”
كان صوتها المنخفض مريحاً للمسامع تلاقت أعيننا بينما كنتُ أصغي لحديثها.
“لقد دعمتُ هذه الخطوبة لأنكِ بدوتِ على علاقة طيبة مع ميلكي.”
كانت كلماتها التالية مفعمة باللطف.
“لذا، إذا كان الأمر يشكل عبئاً عليكِ، فلا داعي للمضي قدماً فيه.”
ارتفعت اليد التي كانت تداعب وجنتي لتمسح على شعري كانت لمستها خشنة بسبب ممارسة القتال، لكنها كانت حانية جداً.
“سأدعمكِ مهما كان قراركِ.”
يا له من أمر مريح؛ أن أتمكن من الحفاظ على مودة ثاني أعلى سلطة في الإمبراطورية.
“… شكراً لكِ.”
وكم هو مريح أيضاً ألا يخيب ظن الشخص الذي أكنُّ له التقدير.
أجبتها بصدق هذه المرة ورغم أننا قد لا نعود إلى سابق عهدنا، إلا أنني تمنيتُ على الأقل الحفاظ على هذه المسافة بيننا.
بالطبع، لا يجب أن أبني آمالاً كبيرة.
لذا، حفرتُ في ذاكرتي وجه ليانا وهي تبتسم لي، فقد تكون هذه هي المرة الأخيرة التي أرى فيها ابتسامتها.
***
بينما كانت المرأتان تتبادلان مشاعر المودة وتوطدان أواصر الصداقة، كان مجلس الطعام بين الأخوين يسوده جو من الكآبة.
ولم يكن ذلك لسبب سوى أن الأخ الأصغر كان محبطاً للغاية.
لقد حاول التظاهر بالبهجة أمام ليانا، لكن بيركين كان يدرك الحقيقة بوضوح.
ومع ذلك، لم يحاول بيركين إخراجه من تلك الحالة قسراً، إذ كان يرى أن تفريغ ما في جعبته من مشاعر أهم من التظاهر المزيف، فالمشاكل لا تُحل إلا إذا صفت القلوب بشكل طبيعي.
أبعد بيركين الخدم والحاشية ليسمح لـميلكيشيدك بالتذمر براحة، ثم بدأ بملاطفته بهدوء
“حسناً، ما الذي يزعجك إلى هذا الحد؟ لقد تخلصتُ من كل أولئك الحثالة الذين كانوا يثرثرون خلف ظهرك.”
كان ذلك حقيقة؛ فقد بذل بيركين و لاتشيا جهوداً مضنية لتحقيق ذلك.
بالطبع، كان نشاط ميلتشزيدك في المجتمع الراقي مذهلاً رغم حداثة عهده به، لدرجة أن بيركين غير رأيه السابق بأن ميلتشزيدك يشبه لاتشيا في المظهر فقط بينما يشبهها هو في الدهاء؛ فقد أثبت ميلتشزيدك قدرة فائقة على السيطرة على الرأي العام.
ولكن، بما أن ميلتشزيدك لا يزال فرخاً صغيراً في هذه الأوساط، فقد لعب وقار بيركين ودهاء لاتشيا الدور الأكبر في توجيه الأمور لقد أرهق بيركين نفسه بحضور كافة الحفلات التي لا يحضرها عادةً، كل ذلك من أجل أخيه، لذا كان من الطبيعي أن يقلق عندما يراه غارقاً في الكآبة.
“بعيداً عن ذلك، هناك مشكلة بيني وبين بلانش.”
كاد بيركين أن يُسقط سكينه من الصدمة، ولولا القواعد الصارمة التي نُقشت في جسده منذ الصغر لما استطاع الحفاظ على ثباته.
“… هل الأميرة بلانش مصابة بمرض عضال وتوشك على الموت؟”
لم يستطع بيركين استيعاب الموقف؛ فـميلتشزيدك الذي كان يصر دائماً على أن أي خلاف مع بلانش هو مشكلته الخاصة ولا علاقة لها بها، يتحدث الآن بهذه النبرة.
حتى إنه بدأ يتساءل عن سبب شربها للسم بتلك الجرأة.. هل هي فعلاً تحتضر؟ وهل فعلت ذلك كخدمة أخيرة له قبل رحيلها؟
“لا تقل مثل هذه الأشياء، فالكلمات تجلب النحس.”
لحسن الحظ، يبدو أن الحب الأول لأخيه كان بخير من الناحية الصحية ورغم أن السؤال حول سبب إقدام طفلة في الثالثة عشرة من عمرها على شرب السم علناً ظل قائماً، إلا أن جهل السبب يظل أفضل من فقدان الأخ لحبه الأول.
“إذاً، ما المشكلة؟”
“ببساطة، لا يمكننا البقاء معاً.”
صمت بيركين وتابع تقطيع اللحم بهدوء، ولم يتحدث ثانية إلا بعد أن أجهز على نصف الطبق الرئيسي تقريباً.
“هل المشكلة تكمن في طريقة تفكيرك، أم في الأميرة بلانش؟”
لو كانت المشكلة في مشاعر ميلتشزيدك فلن يستطيع بيركين فعل شيء سوى نصحه بتجاوز الأمر أما إذا كانت المشكلة في بلانش، فهناك فرصة لـبيركين للتدخل وتقديم صفقة أخرى لها.
بينما كان ميلتشزيدك يتردد لخوفه من أن تكرهه بلانش، لم يكن لدى بيركين مانع من استخدام أساليب قسرية بعض الشيء.
“لا تفعل أي شيء يا أخي فبأسلوبك هذا، لن أحصل أبداً على ما أريد.”
وكأن ميلتشزيدك قد قرأ أفكار أخيه، فأرسل له تحذيراً عوضاً عن الإجابة ضحك بيركين بسخرية وارتشف شربة من الماء.
“وهل تعتقد أنك ستحصل على ما تريد بأسلوبك أنت؟”
“… لا أعلم.”
كان صوتاً ضعيفاً لا يليق بوريث الإمبراطور الذي يمكنه الحصول على المال والسلطة والناس وكل ما يشتهيه، خاصة وأن الطرف الآخر هي بلانش التي تتسم بالتفاهم.
تساءل بيركين بفضول عن طبيعة المشكلة بين هذين الطفلين، لكنه لن يضغط على أخيه للحديث إن كان لا يرغب في ذلك.
“لكنني متأكد من أن فرصتي أكبر من فرصتك.”
هز بيركين كتفيه أمام نبرة أخيه الحازمة فليكن كما يراه هو إذاً.
“وماذا ستفعل؟”
“سأرسل بلانش إلى الأكاديمية.”
أوه، يبدو أنه سيعطيها ما تريده أولاً استمع بيركين باهتمام لخطة أخيه.
“وأنا أفكر في الذهاب إلى الشمال.”
رمش بيركين بعينيه عدة مرات؛ يبدو أن هناك سوء فهم كبير بينه وبين أخيه.
“الشمال؟ لماذا فجأة؟”
“أليست لي مقاطعة هناك؟”
كان ذلك صحيحاً بالفعل.
“أتقصد تلك المقاطعة التي تدار بشكل جيد بوجود الحاكم الإداري دون حاجتك للذهاب إليها؟ تلك المنطقة الوعرة في الشمال التي تُمنح تقليدياً لإخوة الإمبراطور الذين لا يملكون حقاً في العرش لإبعادهم عن العاصمة أنت تعلم أنها منحت لك اسمياً فقط بصفتك الدوق، ولا حاجة لك برعايتها أصلاً إذا كنت تريد الذهاب، فاختر أي منتجع تريده، وأنت تعلم تماماً أن أي مكان تشير إليه سيصبح ملكاً لك في الحال.”
ابتسم ميلتشزيدك بمرارة.
“نعم، كما قلت يا أخي، يمكنني الذهاب إلى أي مكان إن أردت وأعلم جيداً أنك قد ترسلني حتى إلى دولة أخرى إن طلبتُ ذلك.”
“أنت تدرك هذا إذاً فلماذا الإصرار على الشمال تحديداً؟”
“لأنني أرغب في الذهاب إلى هناك.”
لم يجد بيركين ما يقوله إذا كان طفل يملك القدرة على الذهاب إلى أي مكان يريد الذهاب إلى الشمال، فماذا بيده أن يفعل؟ ليس عليه سوى إرساله.
لقد كان بيركين عازماً على وضع كل ما يشتهيه ميلتشزيدك بين يديه، حتى وإن كان شيئاً لا قيمة له.
“حسناً، اذهب إذاً.”
هكذا ستذهب الدوقة –التي لم تصبح دوقة بعد– إلى الأكاديمية، بينما يرحل الدوق –ولي العهد القادم– إلى الشمال، تلك المنطقة التي لم يكن يذهب إليها تاريخياً إلا المنبوذون من العائلة الإمبراطورية.
سيكون هذا موضوعاً دسماً تنهشه صحف النميمة، ولكن لا حيلة له؛ سيتعين عليه وعلى لاتشيا بذل قصارى جهدهما للسيطرة على الوضع.
شعر بيركين بقليل من الأسف تجاه لاتشيا التي يرهقها ابناها دائماً بمشاكلهما، لكنه قرر أن هذا أمر يمكن حله بالاعتذار الصادق لها لاحقاً.
وكأن ميلتشزيدك قرأ ما يدور في خلده، فنادى بيركين بصوت منخفض ومثقل بالغيوم
“أخي.”
“نعم، قل ما لديك.”
كان صوت بيركين وهو يجيب هادئاً ومنعشاً، وعلى النقيض تماماً، عبّر ميلتشزيدك عن امتنانه بصوت مفعم بالثقل
“أنا ممتن لك دائماً… لا تعلم كم أنا محظوظ لأنك بجانبي.”
“يكفيني أنك تدرك ذلك.”
ابتسم بيركين وعبث بشعر ميلتشزيدك بمودة.
لم يستوعب بيركين الثقل الحقيقي الكامن وراء كلمات ميلتشزيدك ، ولكن في علاقة هذين الأخوين، لم يكن ذلك الأمر يشكل أي فرق.
التعليقات لهذا الفصل " 90"