لعلّ ذلك لأنّها سبق أن تجاهلت نصيحتي ولم تلقَ عاقبةً حسنة، فقد بدا أنّ الكونتيسة هذه المرّة فهمت كلامي، إذ قيل إنّها بعد مغادرتي اعترفت بالتهمة دون مقاومة.
يا له من أمرٍ باعث على الارتياح فأنا، وقد كثرت الأمور التي تُقلقني، لم أكن أرغب في توسيع نطاق القضية أكثر من ذلك.
وبناءً على ذلك، فإنّ إعدام الشاب ماستيرا كان قرارًا صادرًا بالكامل عن الإمبراطورة الأرملة.
فعلى الأرجح، لو أُعدِمت الكونتيسة ستارتي وحدها، لبقيت الآنسة ميليك، المخطوبة رسميًا، مع الشاب ماستيرا، وهو ما بدا أنّ عائلة ميليك لم تكن مرتاحة له.
فلم يكن مجرد رجل خيانة، بل شخصًا متورّطًا في محاولة اغتيال الدوقة الكبرى، فضلًا عن إقدامه معها على محاولة انتحار
وبعد أن أصرّوا طوال هذه المدّة على عدم فسخ الخطبة، فإنّ الإقدام على فسخها الآن كان سيبدو غير لائق من حيث المظهر العام.
أما عائلة ماستيرا، فلم يكن لها من الأصل سوى الاسم، وكانت في حالة انحدار تجبرها على السعي للزواج من أجل أموال عائلة ميليك، فكيف يكون لها حق الرفض أصلًا؟
وفوق ذلك، لم يكن من المعقول أن تبذل جهدًا لإنقاذ الابن الثاني الذي بدّد ما تبقّى من قيمة اسم العائلة.
وهكذا، وبهذه الأسباب، انتهت علاقة الحب المثلثة التي أرهقتني حدّ الضجر، بإعدام اثنين من أطرافها الثلاثة.
ولأنّ الشاب ماستيرا أُعدِم دون وجود دليل مباشر على مشاركته في محاولة الاغتيال، واكتُفي فقط بكونه شرب السمّ مع الكونتيسة ستارتي، فقد اصبح النبلاء يراقبون مزاج العائلة الإمبراطورية، ولم يجرؤ أحدهم على الخوض في حديثٍ عن جلالته، على الأقل في الوقت الراهن.
وعليه، يمكن القول إنّ تمثيلي الذاتي، الذي دُبّر على عجل في يومٍ واحد، قد حقّق نتائج ممتازة على نحوٍ مدهش.
فالخطبة ذابت دون إعلان، وقضية الخيانة انتهت، بل وتعزّزت السلطة الإمبراطورية قليلًا كذلك.
غير أنّ شؤون الدنيا لا تسير دائمًا وفق ما نشتهي.
“يا إلهي، يا للأسف هل تأخّرتُ؟”
كان عليّ، دفع ثمنًا لذلك التمثيل، أن أتعامل مع زيارة غير مرحّب بها.
“لا، لقد حضرتِ في الوقت المناسب إنّما جئتُ باكرًا كي لا أقع في تقصيرٍ بحق الموعد.”
حبستُ تنهيدةً في صدري، ثم استدرتُ نحوها.
لا يجوز أن أبتسم بإشراق ولا أن ألتزم الجمود التام.
ولا يجوز مطلقًا أن أبدو كمن يوشك على الموت.
أرخيتُ طرفي عينيّ قليلًا، وأبقيتُ فمي غير مطبق تمامًا، بحيث لا يُدرى أهو مرفوع الزوايا أم مستقيم.
وبهذا التعبير الملتبس، واجهتُ ضيفتي.
كانت ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، وقبعة رمادية، وحجابًا أبيض.
“أنا سعيدة لأنّك قبلتِ طلبي للقاء، يا صاحبة السمو لقد تقدّمتُ به وأنا مستعدّة للرفض.”
“ليس لي سوى أن أعتذر عن تأخري في الرد على طلبك ، إذ لم تكن صحّتي على ما يرام، يا آنسة ميليك.”
الناجية الوحيدة من مثلث العلاقة، التي ارتدت ما لا يُدرى أهو ثوب حداد أم لا، كانت تبتسم من خلف الحجاب الذي يغطي نصف وجهها.
لم أستطع أن أحدّد أهي سعيدة أم حزينة، أم أنّها ترغب في صفع وجهي.
كان طلب آنسة ميليك للقاء قد ورد في اليوم التالي مباشرةً لإعدام القتلة
وبما أنّ الخطبة انتهت على نحوٍ غير واضح، وخشية أن تتوجّه أنظار النبلاء المتحفّزة نحوي، تظاهرتُ بالمرض ولازمتُ الفراش، رغم أنّني كنت قد تعافيت بالفعل.
وفي خضمّ ذلك، لم يكن طلب زيارة للاطمئنان، بل طلب لقاء مباشر، الأمر الذي أدهشني حقًا.
لو كان جلالته على علمٍ بذلك، لربّما أمر بتجاهله ببساطة، لكن ما الصعوبة في مقابلة شخصٍ مرّة واحدة؟
فإن كانت آنسة ميليك تملك حدًّا أدنى من المنطق، فلن تحاول إيذائي، وحتى لو أخفت خنجرًا، فأنا واثقة من قدرتي على تفاديه.
لذا، انتظرتُ حتى تخفّ حدّة الحديث عن الإعدامات قليلًا، ثم وافقتُ على طلبها.
وكان المكان معبدًا صغيرًا خارج القصر الإمبراطوري.
كان بين إمبراطوريتي روتايل وجين اختلافات أكثر من أوجه الشبه، لكنهما تتفقان في أنّ نفوذ الدين ليس قويًا فيهما، غير أنّ طريقة اندماجه في حياة الناس كانت مختلفة.
ففي إمبراطورية جين، ارتفعت المعابد إلى الجبال، مفصِلةً العالم الديني عن العالم الدنيوي، أمّا في إمبراطورية روتايل، فكانت المعابد متناثرة قرب الأحياء السكنية.
ولهذا، وُجد في العاصمة عدد من المعابد الصغيرة، وكانت هذه الأماكن، إذا ما حُسن اختيار الوقت، خاليةً من المارّة، ومناسبة للقاءات السرّية.
كانت هذه معلومة اكتشفتُها أثناء تتبّعي لعلاقة الخيانة بين الكونتيسة والشاب، ولم أكن أتوقّع أن أستخدمها يومًا في لقاء الضحية نفسها، مما منحني شعورًا غريبًا.
“كان يمكن اختيار مكانٍ آخر أيضًا.”
“لا، أردتُ أن أزور هذا المكان مرّة واحدة على الأقل لكن إن لم يكن لديّ سبب واضح، كان الجميع يمنعني.”
نعم، فهذا المعبد، من بين معابد العاصمة، كان بالفعل أحد أماكن لقاء الكونتيسة والشاب سرًا.
أن ترغب في زيارة مكان لقاء خطيبها… كان شعورًا لا أستطيع فهمه على الإطلاق.
لكن، وإن لم يكن لي رأي في إعدام الشاب ماستيرا، فإنّ مبرّر الإعدام كان أنا.
لذا، اعتبرتُ أنّ مقابل ذلك لا يقتصر على لقاء آنسة ميليك، بل يشمل أيضًا مجاراتها في هذا التصرّف الذي لا أفهمه.
“إذًا، هل يمكنني اعتبار نفسي مجرّد ذريعة؟”
“آه، لا، لا أقصد أنّني تجرّأتُ، متجاهلةً قواعد اللياقة، وقدّمتُ طلب لقاء لشخصٍ مريض كيف يكون ذلك مجرّد ذريعة؟”
مدّت آنسة ميليك ذراعها، كما لو أنّها تقترح نزهة قصيرة.
في الحقيقة، أفضّل أن أكون أنا من يقدّم المرافقة.
لكن بما أنّني لم أبلغ تمام النمو بعد، وكان فرق الطول بيننا واضحًا، فإنّ مرافقتها لي بدا أجمل من حيث المنظر.
أمسكتُ بذراعها بهدوء، وسرتُ معها حيث قادتني.
ورغم أنّ آثار الاستخدام ما زالت واضحة، ما يعني أنّ المكان ليس مهجورًا، فإنّه كان ساكنًا على نحوٍ مدهش.
“كنتُ أرغب، منذ زمن، في أن أتقدّم لك بالشكر، يا صاحبة السمو.”
للحظةٍ ظننتُ أنّ سمعي قد خانني ثم خطر لي أنّها تسخر منّي.
“لقد قال لي الجميع إنّ فسخ الخطبة سيكون الخيار الأذكى أو إنّه عليّ ببساطة أن أتحمّل وأنتظر عودة إلرند لكنّي سمعتُ أنّ الشخص الوحيد الذي تكلّم بوضوح من أجل الفصل بين إلرند والكونتيسة ستارتي كان سموّك.”
كان إلرند هو اسم الشاب ماستيرا أن أتلقّى كلمات شكرٍ بعد إعدام صاحب الاسم نفسه…
لم يكن أمرًا يسهل تقبّله ببراءة.
لو أنّ هذا الشكر قيل لي قبل شهرٍ واحد فقط، لربّما استطعتُ تلقّيه بصفاء.
… لا، بل على العكس لو سمعتُ كلمات الامتنان آنذاك، لكنتُ اعتبرتها طلبًا بالتدخّل بشكلٍ أكثر فاعلية بين الثلاثة.
“ليس في الأمر ما يستحقّ الشكر.”
تلفّظتُ بإجابةٍ آلية، بينما أدركتُ من جديد كم أنّ أفكاري متشابكة على نحوٍ معقّد.
لقد مُنحتُ حياةً جديدة، ومع ذلك أعيش بالطريقة نفسها تمامًا.
لم أكن ناقمًا على حياتي السابقة، لكنّها لم تكن مرضية إلى حدٍّ يجعلني أرغب في عيشها مرّة أخرى… فكيف انتهى بي الأمر على هذا النحو؟
هل كانت البداية الخاطئة حين طمع الإمبراطور بي من طرفٍ واحد؟
يبدو أنّ ذلك كان بالفعل المنعطف الأوّل، لكنّي لم أعد أميّز متى وصلتُ إلى نقطة اللاعودة: أكان حين قبلتُ عقد رفيق اللعب مع جلالته؟ أم حين دخلتُ في صفقة مع الإمبراطورة الأرملة؟
بلغ الأمر حدًّا جعلني أشكّ في أنّ هذا أشبه بعجلة قدرٍ لا تتوقّف.
لماذا، حتى بعد أن مُنحتُ حياة جديدة، لا يتغيّر أسلوبي في العيش؟
أترى المشكلة كانت فيّ أنا منذ البداية؟
“أعلم أنّ الموقف لا يسمح بتقبّل الكلام على ظاهره، لكنّي أعني ما أقول بصدق.”
لعلّ ردي كان جافًا أكثر من اللازم، إذ توقّفت الآنسة ميليك عن السير واستدارت بجسدها نحوي.
ما زالت ترتدي ذلك الزيّ الذي لا يُدرى أهو لباس حداد أم لاومع ذلك، بدا مطمئنًا أنّها لا تخفي خنجرًا في داخلها.
“نعم، أصدّقك كلّ ما في الأمر أنّني شعرتُ بالأسف لأنّ الأمور آلت إلى هذا الشكل.”
“في هذه النقطة، أودّ أن أتقدّم باعتذارٍ خالص.”
ارتسمت على شفتي الآنسة ميليك ابتسامةٌ مريرة في الحقيقة، لم يُعدَم الشاب ماستيرا بسببي، بل أُعدِم بتهمة مساعدة الكونتيسة ستارتي في جريمتها
لذا، حتى لو كانت محاولة الاغتيال هذه قد دبّرتها الكونتيسة ستارتي فعلًا، فلم يكن ثمة ما يستدعي اعتذارها لي.
“ليس هناك ما يستدعي اعتذاركِ، يا آنسة ميليك.”
قلتُ ذلك بصدق، فتغيّرت ملامحها على نحوٍ غريب.
أمالت رأسها قليلًا، وحدّقت في عينيّ، كما لو أنّ الاقتراب بهذا الشكل قد يمكّنها من فهمي.
لو كان مجرّد النظر في العينين كافيًا لفهم البشر، لكانت الحياة كلّها في غاية السهولة.
فلت منّي ضحكٌ خافت دون أن أشعر.
“… يبدو أنّ سموّك غير منزعجه.”
“وهل كان هناك ما يستدعي انزعاجي؟”
لم أُطعَن بالخيانة، ولم تكن بيني وبين الكونتيسة ستارتي علاقة خاصّة تجعل محاولة تسميمي صدمةً لي.
ولم يُفلت الجناة من العقاب ظلمًا، بل نالوا جزاءهم.
في الحقيقة، الحكم بالإعدام على مجرّد شروعٍ في الجريمة يُعدّ إفراطًا في العقوبة.
لو لم تُسمِّ ليانا هذه القضيّة محاولة اغتيال الدوقة الكبرى، ولو لم يكن المتّهمان من شوك خاصرة العائلة الإمبراطورية في الآونة الأخيرة، أي الكونتيسة ستارتي والشاب ماستيرا، لما انتهت الأمور إلى هذه النتيجة.
وفوق ذلك، وبفضل تحكّمي الجيّد بجرعة السمّ، لم أُعانِ من أيّ آثارٍ لاحقة.
فما الذي يدعوني إلى الاستياء، حقًّا؟
أطلقت الآنسة ميليك ابتسامةً غامضة، ثم مالت برأسها قليلًا ونظرت إلى السماء، قبل أن تعيد بصرها إليّ.
“همم… أظنّني بدأتُ أفهم سمعة سموّك.”
“سمعة؟ لعلّهم نشروا أنّني غريبة الأطوار؟”
“لا.”
كانت محاولة مزاحٍ منّي، لكن يبدو أنّني ما زلتُ بلا موهبة في هذا المجال، إذ لم تتعامل الآنسة ميليك معها على أنّها مزحة على الإطلاق.
“يقولون إنّ حولكِ جوًّا غريبًا يوحي بأنّكِ لا تنتمين إلى هذا العالم”
وكان ذلك، من وجهٍ ما، توصيفًا دقيقًا.
فأنا ما زلتُ أجرّ خلفي حياةً تعود إلى ألفٍ وخمسمئة عامٍ مضت.
“شخصٌ كهذا… قد يكون قادرًا على فهم مشاعري أيضًا…”
“إن كان حديث نفس، فأظنّ أنّ الاحتفاظ به في داخلكِ سيكون أفضل.”
كانت نصيحةً صادقة، لكن الآنسة ميليك أطلقت ضحكةً خفيفة، ويبدو أنّها حسبتها مزاحًا.
لماذا يُؤخذ المزاح على محمل الجدّ، بينما يُظنّ الجدّ مزاحًا؟
لم أستطع فهم ذلك قطّ.
“إنّني ممتنّة لكِ من أعماق قلبي، يا صاحبة السمو.”
كنّا نقف متقابلتين ونحن متشابكتا الذراعين، على مسافةٍ قريبة للغاية.
وفوق ذلك، كانت قد اقتربت من وجهي قبل قليل لتنظر في عينيّ، لذا، حتى صوتها الخافت وصلني بوضوحٍ تام.
التعليقات لهذا الفصل " 88"