في النهاية، تخلّى ميلتشزيدك عن مواصلة الحديث وعاد إلى قصره، أما بلانش فقد أنهت الفحص الثاني الذي تلا ذلك، ثم اضطجعت بهدوء على سريرها وأخذت تُراجع نفسها.
وبالطبع، حتى لو عاد بها الزمن وأُتيحت لها فرصة أخرى، لكانت تصرّفت بالطريقة نفسها، غير أن الاعتقاد بأنها أخطأت يظل أمرًا ممكنًا على أي حال.
“سيكون مشغولًا إلى حدٍّ ما في الفترة القادمة، وبذلك يمكنني تقليل فرص رؤيته.”
لقد ارتكب ميلتشزيدك جريمة عظيمة حين تجرأ، بصفتها تابعًا، على تهديد سيدها ،ومع ذلك فإنه سيبذل جهده من أجل الحفاظ على سمعة بلانش.
حتى لا تنتشر شائعات لا داعي لها، ولكي لا تُقابَل بلانش بالاستخفاف أينما ذهبت.
“مع أنني في الحقيقة لا أبالي إن تم الاستخفاف بي.”
كانت تلك مشاعرها الصادقة فقد مضت لي بايك ريون إلى تقلّد المناصب وسط نظرات أقسى من هذا بكثير، فهل يُخيفها مجرد أن تُعامَل كأداة سياسية؟
كم من السنوات استغرقها الأمر حتى بلغتُ، أنا التي كنتُ أُعامَل ضمنيًا كخائنة، مرتبةً لا يعلوها سوى شخص واحد؟ لم أعد أتذكر متى كفّ الآخرون عن مجابهتي علنًا
لكنها كانت تتذكر أمرًا واحدًا فقط.
أنها نجحت في النهاية.
بل إن الوجهة التي ستقصدها بلانش لاحقًا هي الأكاديمية، حيث تقلّ الصراعات السياسية نسبيًا، مما يجعل الأمر أسهل بكثير.
“آه… وبما أننا ذكرنا الأكاديمية، فهل ينبغي علينا من جهتنا أن نُعد سببًا يمنع جلالته من المجيء إليها؟”
في الأصل، كانت بلانش قد وضعت خطة للالتحاق بالأكاديمية مع ميلتشزيدك
لكن بعد أن أدركت أن هويته الحقيقية هي تشونغ ريونغ، لم تعد ترغب في الذهاب إلى الأكاديمية برفقته.
فلو استمرا في الدراسة هناك بعلاقة ودّية، لتلاشت الحدود التي رسمتها بينهما بشقّ الأنفس.
ومن المرجّح أن ميلتشزيدك منشغل الآن بمحاولة إصلاح سمعة بلانش، فهل عليها أن تُعد ذريعة مناسبة بدلًا عنه؟
قد يكون اختلاق سببٍ يجعل ميلتشزيدك مضطرًا للبقاء هنا أكثر تعقيدًا من إيجاد مبررٍ يجعل ذهاب بلانش وحدها إلى الأكاديمية أمرًا غير مستغرب، خاصةً وأنها لم تعد خطيبة الدوق الأكبر.
همم، قد لا يكون سيئًا أن تُغلَّف المسألة على أنها جزء من التبادل الأكاديمي وبما أن الأمر وصل إلى هذا الحد، فاستقدام عدد من العلماء المعترف بهم أكاديميًا إلى الأكاديمية كمحاضرين قد يكون فكرة جيدة أيضًا.
‘أنتِ حقًا… لم تتغيري أبدًا.’
تسلّل صوت ميلتشزيدك الجريح، الذي سمعته قبل قليل، إلى أفكار بلانش وهي تفكر في ما ينبغي فعله لاحقًا فارتعشت يدها الموضوعة بهدوء فوق صدرها لا إراديًا.
‘……كلا، لقد تغيّرت.’
وبصورة أدق، لم تكن لي بايك ريون وبلانش شخصين مختلفين، بل كانت هي قبل أن ينبذها تشونغ ريونغ شخصًا، وبعد أن نُبذت شخصًا آخر.
فلو كانت لي بايك ريون السابقة، لكانت قد ركعت وتوسلت إليه وفق الأصول كي يفسخ الخطوبة، وكان أكثر من نصف أسبابها سيأخذ بعين الاعتبار الوضع السياسي لتشونغ ريونغ.
أي إنها لم تكن لتدور بهذه الطريقة الملتوية، ولم تكن لتسعى إلى قطيعة كاملة وهي تعلم أن ميلتشزيدك سيتأذى، لمجرد مصلحتها الشخصية.
لذلك، فهي بلا شك قد تغيّرت وإن لم يشعر ميلتشزيدك بهذا الفرق، فذلك يعني أن إخلاصها الذي قدمته له في حياتها السابقة لم يكن كافيًا ليصل إليه.
فأيّهما كان الأشد قسوة، يا تُرى؟
ابتسمت بلانش ابتسامة مُرّة وأغمضت عينيها.
ولأن فقدان الوعي يختلف عن النوم، تسلّل إليها النعاس على نحوٍ غريب.
لن يتغير شيء يُذكر، حتى لو أغمضتُ عينيّ قليلًا…
***
بينما كان بلانش ميلتشزيدك بدلًا من تصفية ما راكماه من كَرْما منذ الحياة السابقة، يزيدانه تراكمًا ككرة ثلج تتدحرج بلا توقف.
كان رجلٌ لا يلتفت إلى الماضي، يسير بخطاه الآن بحثًا عن امرأةٍ نسيت ماضيها.
“ليانا.”
طرق بيركن باب غرفة التعذيب الواقعة في القبو حيث كانت ليانا منزوِية، طرقًا مرحًا.
كان أسلوب الطرق خفيفًا إلى حدٍّ يوحي وكأن في الغرفة قانونًا يمنع الطرق بتلك الخفة، في مكان تختلط فيه رائحة الدم بصدى الصرخات.
“نعم، انتظر لحظة.”
جاءه من داخل غرفة التعذيب صوتٌ مشرق، وكأنه صوت يُحظَر قانونًا أن يخرج من مكان كهذا.
وكما قالت، لم تمضِ سوى لحظات قصيرة حتى ظهرت ليانا.
“ما الأمر يا بيركن؟ لم يحن وقت الطعام بعد، أليس كذلك؟”
كان صوت ليانا مرحًا، ونظرتها صافية ولو أن المكان الذي تقف فيه لم يكن غرفة تعذيب، لكان المشهد مثاليًا حقًا.
حقًا… لقد حان وقت تحويل مسار اهتمامها.
أمسك بيركن كتف ليانا بلطف وسحبها إلى الخارج ولأن من فعل ذلك كان بيركن، خرجت ليانا معه دون مقاومة.
“لقد عثرنا على مشتبهٍ به رئيسي، ليانا.”
“ماذا؟ من هو؟ أحضِروه إلى هنا فورًا—”
وباندفاعٍ يوحي وكأنها ستنطلق بنفسها لإحضار المشتبه به، أمسك بيركن بيديها الاثنتين بإحكام ليوقفها، ثم ناداها باسمها.
“ليانا.”
“نعم، بيركن.”
كانت عيناها صافيتين إلى حدٍّ مفرط، لكن ذلك لم يكن مدعاة للاطمئنان فليانا، بهذه النظرة البريئة نفسها، كانت تمارس التعذيب والتحقيق والاستجواب.
لقد تعمّد بيركن ترك ليانا على حالها طوال هذه الفترة.
فطالما كانت منشغلة بإيذاء الآخرين، فلن يكون لديها متسع للاستماع إلى الشائعات عديمة الجدوى، وبالتالي لن تعرف شيئًا عن الشبهات المحيطة بميلتشزيدك
لم يكن يريد، ولو للحظة واحدة، أن تشك ليانا في ميلتشزيدك كما أنه لم يكن يرغب أصلًا في أن تصل إلى حقيقة القضية.
كان يتمنى لو ظلت تجهل أن الفتاة التي تحبها إلى هذا الحد، هي في الحقيقة شخصٌ قد يقدم، إن اقتضت الضرورة، على شرب السم بنفسه.
لذلك، كان كل ما على ليانا فعله هو أن تصرف انتباهها في اتجاهٍ خاطئ، وحين تكتمل المسرحية المحكمة، تنخدع بالسيناريو المُعد لها في التوقيت المناسب.
فما دام الكذب كاملًا بلا ثغرات، فلن تهتز حتى لو سمعت لاحقًا شائعات عن ميلتشزيدك
ولهذا السبب، خاطر بيركن بالأعباء السياسية وترك ليانا تفعل ما تشاء حتى الآن… فقط ليُبعد نظرها عن الحقيقة.
والآن، بعدما أعدّت لاتشيا المجرم المزيّف، حان وقت إيقاف ليانا.
“هذه القضية ستتولاها جلالة الإمبراطورة الأرملة.”
تراجعت ليانا خطوة إلى الخلف، لكنها لحسن الحظ لم تُفلت يديه.
“قلتَ إنك ستمنحني صلاحيات التحقيق.”
بحذرٍ كي لا يبدو صوته كتبرير، ودون أن يعطي انطباعًا بالعجلة، أجاب بيركن فورًا.
“المشتبه به الذي أُلقي القبض عليه هي دوقة ستارتي ومن حيث الإجراءات، سيكون تولي جلالة الإمبراطورة الأرملة للقضية أكثر سلاسة وسرعة.”
كان قد أعد مبررًا منطقيًا لتسليم القضية، ولم يبقَ سوى الجانب العاطفي وقبل أن تُظهر ليانا أي رفضٍ نابع من مشاعرها، سارع إلى سدّ ذلك الطريق أيضًا.
“ثم إن جلالتها تحب الأميرة بلانش كثيرًا، أليس كذلك؟ هذه قضية لن تتعامل معها باستخفاف أبدًا تثقين بذلك، أليس كذلك؟”
بالطبع، لن تفقد لاتشيا عقلها كما فعلت ليانا لمجرد أن طفلًا عزيزًا عليها تجرع بعض السم فلاتشيا عقلانية إلى حدٍّ مخيف، وسياسية إلى درجة قاسية.
وإن أصدرت لاتشيا عقوبة صارمة في هذه القضية، فلن يكون ذلك حبًا ببلانش، بل لأسباب سياسية بحتة.
كأن تكون دوقة ستارتي المتهمة مصدر إزعاجٍ طويل الأمد للأسرة الإمبراطورية، أو فرصة لإظهار هيبة العرش وتعزيز السلطة الإمبراطورية، أو وسيلة للضغط على الدول المجاورة التي بدأت، بعد مرور نحو عشر سنوات على إرسال مبعوثي السلام، تفقد احترامها للإمبراطورية، أو حتى لمنع ليانا من الطعن في الحكم والعودة للاهتمام بهذه القضية مجددًا.
لكن ليانا، التي لم تفهم لاتشيا حقًا حتى بعد عشر سنوات من الزواج، صدّقت ذلك الكلام بسهولة.
بل في الحقيقة، حتى لو كانت تفهم كل هذا، لكانت صدّقته على أي حال… ما دام المتحدث هو بيركن.
فكما كان بيركن يقلق على ليانا، كانت ليانا تثق به ثقةً مطلقة كانت تعلم أنه لن يخدعها بدافعٍ سيئ.
ولهذا، كتمت ليانا شعور الرفض الذي كاد يطفو على السطح، وقبلت اقتراح بيركن بهدوء.
“إذًا، هل يمكنني أن أطلب من جلالة الإمبراطورة الأرملة أمرًا واحدًا؟”
“بالطبع ، سأنقله إليها بنفسي.”
ابتسمت ليانا ابتسامة مشرقة، وأمسكت يد بيركن التي كانت بين يديها بإحكام.
“لا يهم كم سيستغرق الأمر من وقت، لكني أريد أن يصدر بحق الجاني حكم بالإعدام حتمًا دون أي اعتبار لكون الجريمة لم تكتمل أو أنها انتهت كمحاولة فاشلة.”
ذلك لا ينبغي أن يحدث… فالجاني الحقيقي هو بلانش نفسها.
فكّر بيركن في ذلك، لكنه بحكمته لم ينطق به.
“حسنًا ، أضمن لكِ ذلك باسم الإمبراطور.”
سيغرق الجاني الحقيقي في أعماق الظل، لكن الجاني الرسمي، على الأقل، سيُحكم عليه بالإعدام.
وكل نظريات المؤامرة ستفتقر إلى الدليل، وسيحصل كلٌّ من ليانا و ميلتشزيدك على النهاية التي يريدها.
ولهذا، قطع بيركن وعده لليانا… وعدًا لن يُخلفه أبدًا.
****
‘محاكمة محاولة اغتيال بلانش روا فاندالويين، مبعوثة السلام من مملكة لاموريه’ انتهت بالحكم على دوقة ستارتي والنبيل الشاب ماستيرا بالإعدام معًا.
وبالطبع، فإن إعدام النبيل الشاب ماستيرا—الذي لم يكن على علم بوجودي أصلًا عند وقوع محاولة الاغتيال الحقيقية—لم يكن أمرًا لي به أي صلة.
فلم أكن أريده أن يُعدم، كما أنني لم أزوّر أي أدلة لإيصاله إلى ذلك المصير.
كل ما فعلته هو أنني ساعدت على أن يُنفَّذ العقاب في حدود الحقائق القائمة لا غير.
مثل أن آخذ السمّ الذي خبّأته بعناية طوال عشر سنوات، وأجعله يُنقَل إلى غرفة نوم الدوقة على يد الطفل نفسه الذي دسّ السم في كأسـي قبل عشر سنوات
أو أن أزور الدوقة التي كانت تصرخ ببراءتها، فأُخبرها أن شبكة السماء قد تبدو واسعة الثقوب، لكنها في الحقيقة محكمة النسج، لا تُفلت ذنبًا، وأن ما يحدث لها ليس ظلمًا، بل هو مجرد استيفاءٍ لكارما عشر سنوات مضت، وعليها أن تتقبله وتذعن له.
التعليقات لهذا الفصل " 87"