ابتسمت بلانش بهدوءٍ، بوجهٍ لا يشبه حال من ظلّ طريح الفراش أيامًا طويلة.
“ومَن ذا الذي يجرؤ على السخرية من السماء؟”
إنه تُحسن الكلام اشتدّت قبضة يده على الستارة، وسأل ميلتشزيدك بصوتٍ منخفضٍ يضغط على المعنى
“متى حاولتْ آنسةُ ستارتِي قتلكِ؟”
“قبل عشرِ سنوات.”
كان ما يزيد الغضب اشتعالًا أنّها تجيب عن أسئلة الوقائع بيسرٍ وطاعة حدّق ميلتشزيدك في عينيها السوداوين كما فعل في الحياة السابقة، وواصل استجوابه
“ولِمَ لم تُخبِريني؟”
“لأنّك لم تكون لتَهتمّ ، أليس كذلك؟”
كان جوابًا فوريًّا وفي اللحظة التي تردّد فيها ميلتشزيدك أعادت بلانش كلامها ببطء
“حتى لو ماتت بلانش روا فانْدالوين آنذاك، لما كان لذلك أيّ شأنٍ عند جلالتك.”
لم يكن ثَمَّة ما يُدحَض فذلك كان حقًّا يومها ميلتشزيدك لم يكن يعلم أنّ بلانش هي ذاتها لي بايك ريون ولم يكن بينهما وُدٌّ متراكم.
لكن…
“كان بإمكانكِ على الأقل أن تُخبِريني قبل أن تصنعي هذه الفوضى.”
على الأقل قبل حادثة محاولة الاغتيال على الأقل بعد أن تقدّم بخِطبته على الأقل في يومٍ من تلك الأيام الوديعة التي تقاسماها معًا.
كان بإمكانها أن تقول له إنّ هناك مَن أراد قتلها يومًا، وإنّها تحتضن ذلك الشخص في القصر، بل وتُقيم له مختبرًا.
قبل أن تمضي وحدها، بعد عشر سنوات، فتثأر وتنهي كلّ شيء، كان يمكنها أن تمنحه فرصةً واحدة ليفعل شيئًا من أجلها.
“حتى لو وُلدتِ من جديد، فأنتِ لا تتغيّرين.”
في الماضي كما في الحاضر، كان ما يحتاجه هو حمايتها أن يُعوِّض عنها غريزة البقاء التي بدت وكأنّها لا تملكها، فيرعاها ويصونها.
لم يكن بوسعه أن يعترف لها، ولا أن يخطبها، ولا أن يعيش معها، لكن كان يظنّ أنّ حمايتها من تقلبات العالم على الأقل أمرٌ ممكن.
غير أنّ لي بايك ريون ولا بلانش، لم تُسلِّماه هذا الدور قط.
“وهل ثمّة سببٌ يدعوني إلى التغيّر؟”
كان اعترافًا نقيًّا، بسيطًا عقلُه كان قد أيقن بذلك منذ زمن، لكن سماع الكلمات شيءٌ آخر فقد لاذ بالصمت، واجتاحه الشوق المكبوت تحت الغضب، فلم يستطع الحراك.
أمّا بلانش، وكأنّها بلا شوقٍ أصلًا، فتابعت تبرير خطّتها بهدوءٍ.
وهي تعلم أيّ خطرٍ قد يحيق بها إن انكشف أنّ الأمر تمثيليةٌ مدبّرة.
أكان ذلك ثقةً بأنّه سيحميها؟ أم لامبالاةً بما قد يصيبها؟ لم يستطع ميلتشزيدك التمييز.
“أنا لم أمت، وآنسـة ستارتِي فشلت وكما تعلمون، فهذا لا يُعدّ ثأرًا ولا عقوبة فلمَ إذن أُقلِقُ أصحاب المقام الرفيع؟”
منطقيًّا، كان كلامها صحيحًا إلى حدٍّ يُثير السخرية.
“كأنّكِ تقولين إنّكِ لو متِّ، لكنتِ عدتِ شبحًا لتُخبِريني.”
اشتدّ الضغط في يده حتى كادت الستارة الحريرية الرقيقة تتمزّق.
تركها، وسحب كرسيًّا وجلس عليه مقلوبًا، واضعًا يديه على مسنده كان ظاهر يده أبيضَ شاحبًا ابتسمت بلانش بخفّة وهي تنظر إليه.
“وهل أتركُ أرواحًا وضيعة تتشبّث بك وأنت أهل المقام؟”
تنفّس ميلتشزيدك زفرةً مكتومة.
“ولِمَ أقدمْتِ على هذا، وأنتِ بهذا القدر من الإخلاص؟”
“عمّ تتحدّث؟”
“كدتِ تُلصقين بي تهمة محاولة اغتيال خطيبتي.”
وهو يعلم أيّ شائعاتٍ قد تنتشر.
كان هذا هو الجزء الوحيد الذي لم يستطع فهمه سائر الأمور كانت مفهومة، إلّا اختيارها طريقًا قد يُشيع أنّه أراد قتلها.
“يا للأسف، قصّرَ ذهني ولم أتنبه سأُكفّر بالموت—”
“أبعد أن متِّ وعدتِ للحياة، تضعين هذا الكلام على لسانكِ؟”
“هو تقصيرٌ منّي، وسأطأطئ الرأس اعتذارًا.”
كانت تُحسن الكلام فعلًا أعصابه توشك أن تتآكل، ومع ذلك لم يتراجع لوّح بيده مانعًا إيّاها، ثم سأل من جديد
“أسألكِ عن السبب.”
ساد الصمت لحظةً، ثم ارتسمت على وجه بلانش ابتسامةٌ كأنّها مرسومة ابتسامةٌ بعثت قشعريرةً في ظهره.
“أما زالت الهموم تقلقك؟”
“ماذا؟”
“لقد أتعبتك آنسة ستارتِي والشابّ ماستيرا، أليس كذلك؟ بهذه الحادثة، يمكن حلّ الأمر بنظافة أليس ذلك حسنًا؟”
أصغى ميلتشزيدك بصمتٍ إلى السيناريو الذي انسكب من فمها.
“لا داعي للقلق بشأن السمّ الذي وُجد في غرفة النوم فالذي نقله خادمٌ شارك في محاولة الاغتيال قبل عشر سنوات، ولن يجرؤ على القول إنّه فعل ذلك بأمري وبذلك تُدان آنسة ستارتِي قطعًا، ويُنظر إلى حادثة الانتحار المزدوج كتمويه يزول التعاطف، وإن أصرّ الشابّ ماستيرا، عُدّ شريكًا، وإن سعى لحماية نفسه، انفصلا لن تعودوا مضطرّين للتوسّط في مثلّثٍ بائس كلّ اللوم سيقع عليهم، وستزول التهم عنك وعنّي أليس خيرًا من كلّ وجه؟”
لم يُفاجَأ فقد توقّع السبب.
نعم، إن راهنتْ بحياتها، فسيكون ذلك من أجله هكذا كانت دائمًا؛ تُنفق عمرها لتقطع عنه همومه.
“حتى لو كان الثمن حياتكِ؟”
“لا يمكن أن أقع في مثل هذا الخطأ تحقّقتُ من الجرعات بدقّة حتى لو شربتُ الكأس كلّه، لما متُّ.”
“ليس هذا ما أتحدّث عنه!”
انفجر صوته أخيرًا.
نهض وراح يجوب الغرفة بقلق.
“أكانت حياتكِ مجرّد وسيلة؟ بل لا تقولي إنّكِ لم تتوقّعي كلام الناس الجميع يقول الآن إنّكِ لم تكوني سوى لعبةٍ في يدي، وإنّ محاولة اغتيالكِ كانت مسرحيةً دبّرتُها للضغط على معارضيّ كيف يجرؤ الناس على الحطّ من شأنكِ هكذا—!”
اختنق صوته بالغضب، فلم يُكمل.
لماذا دائمًا تقلّلين من شأن نفسكِ؟ كأنّكِ شيءٌ تافه، أو أداة تُستَخدم متى شاؤوا.
“جلالتك.”
نطقت بلانش أخيرًا وسط هذا الغليان، كان صوتها واضحًا على نحوٍ مؤلم، فأطبق فمه.
“…أُذِنَ لكِ بالكلام.”
على خلافِ اضطرابِ صوتِ ميلتشزيدك ،كان صوتُ بلانش هادئًا رزينًا.
التعليقات لهذا الفصل " 86"