“إذًا، فلاتؤل أنا هذا الأمر ─ ولعلَّ جلالتَك ترى ذلك أنسبَ أيضًا، أليس كذلك؟”
إنَّ التحقيقَ القَسريَّ الذي تُجريه ليانا الآن ليس في جوهره مشكلةً بحدِّ ذاته.
فإمبراطورةَ إمبراطوريةِ رُتايل تقفُ في موقعٍ يَسمح لها أن تقبضَ على النُّبلاء كأنهم فِئران، حتى لو كان ذلك مجرَّدَ تفريغٍ لغضبٍ لا سببَ له.
المشكلةُ كانت في الذريعة التي رفعتها ليانا
“الكشف عن مُحاوِل اغتيال الدوقة الكبرى”.
فالذريعةُ، إن وُضِعَت، كان لا بُدَّ من إظهار تحقيقِها على نحوٍ صحيح غير أنَّ هذه ذريعةٌ لا يمكن بلوغُ غايتِها.
لأنَّ الجاني هو بلانش.
ومع ذلك، لا يمكن كشفُ الحقيقة، أي إنَّ الأمرَ كان تمثيليَّةً من صُنع بلانش نفسها.
وعندئذٍ، لا يبقى سوى اختلاقِ جانٍ مُزيَّف لكن بما أنَّ الأمر لم يبدأ أصلًا بجانٍ مُلفَّق، فلا بُدَّ أن يظهر في مكانٍ ما أنَّ هذا الجاني ليس الحقيقيَّ.
ومن هو الشخصُ الأكثرُ إثارةً للشبهات الآن؟
إنه ميلتشزيدك
وحينها، ألا يبدو ذلك في أعين النُّبلاء وكأنه تواطؤٌ جرى تدبيرُه للضغط عليهم باسمٍ مُفتَعَل من العدالة؟
لو كان الأمرُ مجرَّدَ تفريغِ غضبٍ من إمبراطورةٍ متقلِّبة المزاج، لقالوا إنَّه من طبيعة النظام الطبقيّ وتقبَّلوه.
أمَّا في هذا الوضع، فلا بُدَّ أن تنفجرَ السَّخَطات.
“كما أنني أخشى أن تُرهِق جلالة الإمبراطورة نفسَها بسبب قلقٍ مفرِط.”
وفوق ذلك، لم يكن بين الطرفين أيُّ حديثٍ مُسبق؛ فليانا في الحقيقة، تبحث بصدقٍ عن مُحاوِل اغتيال بلانش.
وكيف يُمكن إخبارُ شخصٍ كهذا بأنَّ طفلةً في الثالثةَ عشرةَ قد دبَّرت كلَّ شيءٍ بنفسها؟
ثم من ذا الذي سيُصدِّق ذلك أصلًا؟
إذا ما قورِنَت تصرُّفاتُ الاثنين المعتادة، فسيبدو أنَّ ميلتشزيدك هو الأرجحُ ارتكابًا للجريمة ثم إلصاقًا للتهمة بغيره.
لهذه الأسبابِ المتشابكة، فإنَّ استمرارَ ليانا في الإمساكِ بسلطةِ التحقيق يُعدُّ مشكلةً من عدَّةِ وجوه.
ففي الغالب، سيصبح ميلتشزيدك في خطر، ثم لا تلبث ليانا نفسها أن تُوضَع في دائرة الخطر.
وباختصار، فإنَّ الأشخاصَ الأوَّلَ والثانيَ في سلَّم من يُحبُّهم بيركن سيغدون مُعرَّضين للأذى.
“أشكرُ لك حسنَ مراعاتِك إذًا سأُفوِّضُ الصلاحيَّاتِ كاملةً إلى والدتي الإمبراطورة.”
“نعم، سأُدبِّر الأمرَ بحيث لا تقلقُ جلالتُك بشأنه.”
كان المعنى الضمنيُّ أنَّ لاتشيا ستتكفَّل بكلِّ ما هو مُزعِج، فلا داعي للتفكيرِ في الانتقام من بلانش.
فليانا ستظلُّ جاهلةً بتمثيليَّة بلانش، و ميلتشزيدك وهو العارفُ بالحقيقة، كان سيحاول حمايتَها، ولاتشيا نفسها كانت ترى أنَّ الاستماع إلى عُذرِ بلانش على الأقلِّ أمرٌ واجب.
أمَّا بيركن، فليس كذلك.
ومن الطَّبيعي أن يشعرَ بالضيق من بلانش، التي كادت أفعالُها أن تُؤذي ليانا و ميلتشزيدك معًا.
ولهذا، بتولّي لاتشيا هذا الأمرَ بنفسها، كانت تُحقِّق أمنيةَ ميلتشزيدك وتحفظُ المكانةَ السياسيَّةَ لليانا وتؤمِّنُ سلامةَ بلانش، وتُهدِّئُ خاطرَ بيركن في آنٍ واحد.
وعندما فكَّرت في الأمر خطوةً خطوة، بدا لها أنَّ العيشَ ككبيرةٍ في العائلة الإمبراطوريَّة ليس سهلًا على الإطلاق.
“إذًا، سأكون أنا من يُبلِّغُ الإمبراطورةَ بالأمر.”
نهض بيركن من مكانه مبتسمًا ابتسامةً مُشرِقة، وكأنَّ محاولةَ اغتيال الدوقة الكبرى، وجموحَ الإمبراطورة المتتالي، لم يكونا قد حدثا أصلًا.
وقبل أن يخرج من الباب، سألتْه لاتشيا بلا تفكيرٍ، وهي تُوجِّه كلامَها إلى ظهره بخفَّة
“بالمناسبة… السُّمُّ الذي كان في غرفة الآنسة ستارتِي هل كان من صُنعك؟”
توقَّفت يدُ بيركن التي كانت تلامس الباب لحظةً، ثم استدار.
وعلى وجهه ارتسمت ابتسامةُ حرجٍ خفيفة.
“يا والدتي الإمبراطورة.”
“نعم؟”
“لا أحدُ يسمعنا، لذا سأكون صريحًا أنا لم ألمس هذا الأمرَ إطلاقًا.”
“…حسنًا فهمتُ، اذهب الآن.”
لم يكن هناك ما يدعو بيركن للكذب عليها، لذا تقبَّلت لاتشيا إجابته بهدوء.
لكنَّ الشكَّ ظلَّ قائمًا.
فليكن السُّمُّ الذي وُجِد في قصر جاسبر كما هو…
لكن ما شأنُ ذلك السُّمِّ الذي قيل إنَّ تأثيره كان مُخفَّفًا، والذي وُجِد في قصر سبينيل؟
لو تجاوزنا الإجراءاتِ الدبلوماسيَّة، لكانت الآنسة ستارتِي هدفًا مثاليًّا لإلصاقِ التُّهم بها.
وفوق ذلك، فإنَّ كونها معزولةً بسبب قضيَّة الانتحار الجماعيّ كان عاملًا مناسبًا على نحوٍ مريب.
صحيحٌ أنَّ ذلك قد يُثير تساؤلًا: كيف لشخصٍ معزولٍ أن يُحاوِل اغتيال الدوقة الكبرى؟
لكن كان يمكن حلُّ الأمر بالادِّعاء أنَّها حاولت الانتحار الجماعيَّ عمدًا لتفلتَ من التُّهمة بعد تدبيرِ كلِّ شيء.
لهذا، وبعد أن أمرت بتفتيشِ قصر سبينيل تفتيشًا دقيقًا، استدعت لاتشيا ميلتشزيدك
لتطمئنَه إلى أنَّ الأمور تسيرُ على ما يُرام، ولتُخرِج قليلًا الطفلَ الذي كان قد عاد باكيًا إلى غرفة بلانش بعد أن تشبَّث بها.
“…هل تقولين إنَّه وُجِد في غرفة الآنسة ستارتِي سُمٌّ من النوع ذاته الذي شربته بلانش؟”
اتَّسعت عينا ميلتشزيدك دهشةً، وقد بدا أنَّه شعر بالريبة ذاتها التي شعرت بها لاتشيا.
“من طريقتك في الكلام، أفهم أنَّك لم تنقله أنتَ أيضًا. …أهو مجرَّدُ صدفة؟”
السُّمُّ الذي سرقته بلانش خِفيةً كان، لسببٍ ما، من النوع ذاته الذي وُجِد في غرفة الآنسة ستارتِي
كان الأمرُ مُقلِقًا، لكن لا مفرَّ حاليًّا من الاكتفاء بهذا الاستنتاج.
لعلَّه حظٌّ جيِّد من جانبنا، هكذا فكَّرت لاتشيا وهي ترتشفُ الشاي.
أمَّا ميلتشزيدك فظلَّ يُميل رأسه في انزعاجٍ واضح.
“إن كنتِ فضوليَّ إلى هذا الحد، أفلا أذهب لاحقًا لأسألَ الآنسةَ بنفسي… قبل إسكاتها مباشرةً؟”
كانت لاتشيا قد حاولت أن تُسَلِّي نفسها بأنَّ الأمرَ حسنٌ، إذ وُجِدَ دليلٌ مُقنِعٌ دون حاجةٍ إلى تلفيقٍ إضافيّ، غير أنّ هذا لم يمنعها من الشعور بالارتياب.
ويبدو أنَّ مِلْكيشيزدك كان يُولِي هذه القضيَّة اهتمامًا خاصًّا، ففكَّرت لاتشيا أن تُضفي مزيدًا من الاعتبار على ما سبق أن قدَّمته، غير أنَّ الطفل هزَّ رأسه على غير المتوقَّع.
“لا، لا بأس إن تدخَّلنا بلا داعٍ فقد تتَّخذ الآنسةُ ذلك ذريعةً، وحينها نَقَع في الحرج ─ لا تُقلِق نفسك.”
لم يكن وجهه وجهَ من لا يُبالِي، لكن ما دام يُصِرُّ على ذلك، فلا بأس.
ثم إنَّ الغايةَ من استدعاءِ مِلْكيشيزدك اليوم لم تكن استجوابَه، بل إتاحةُ فرصةٍ له ليلتقط أنفاسه لذلك، ما دام قد استرخى وذهب يحتسي الشاي بهدوء، قرَّرت لاتشيا ألا تُلحَّ عليه بالسؤال.
وبعد أن تقاسما إبريقَ شايٍ كاملًا على مدى ساعات، غادر مِلْكيشيزدك قصرَ البحر.
صرف العربةَ التي كانت تنتظره في الخارج، واكتفى بمرافقٍ واحد، وسار ببطءٍ على قدميه فقد كان بحاجةٍ إلى وقتٍ للتفكير.
كان تشيونغ ريونغ يعرف بايك ريون معرفةً عميقة.
صحيحٌ أنّه كان ينتابه أحيانًا فضولٌ غريب يدفعه إلى الرغبة في شقِّ رأسه ليرى ما يدور في داخلها لكن بايك ريون في المجمل شخصٌ مستقيم.
ولهذا، فإنَّ جا تشيونغ ريونغ الذي يُخفِي في جوفه ثعلبًا ذا تسعةِ ذيول، لم يكن يصعب عليه توقُّع مبادئها.
بايك ريون على الأرجح، لا تثق بخصومها السياسيِّين كثيرًا، لكنها لا تُحبُّ تلفيقَ التُّهم.
غير أنَّ هذا يعني فقط أنّها لا تحبُّ الادِّعاء بأنَّ المرء فعل ما لم يفعله قط أمَّا تلوين التفاصيل الصغيرة وتعديلها قليلًا، فذلك لا يدخل، وفق معاييرها، في باب الافتراء.
وبعبارةٍ أوضح: لو طُلب من بايك ريون أن تُلصِق تشيونغ ريونغ تُهمةَ قتلها، فلن تزعم أنّه خنقها بيديه، لكنها قد تقول إنَّه كتب لها رسالةَ توبيخٍ تضمَّنت عباراتٍ تُحرِّضها على شنقِ نفسها.
ذلك هو نوعُ الضمير الذي تحمله بايك ريون.
لا تُصرُّ على أنَّ الأسود أبيض، لكنها قادرة على تعليق بياضٍ خلف الرماديّ، بحيث يبدو الرماديُّ داكنًا على نحوٍ خادع.
وهكذا… إن كان ذلك السُّمُّ، الذي لم يضعه أحدٌ هناك، هو الدليلُ المادِّيُّ الأمثل لإكمال سيناريو اتِّهام الآنسة ستارتِي بالوقوف وراء محاولة اغتيال بلانش، وإن كان هذا السُّمُّ قد وُضِعَ سلفًا بتدبيرٍ من بلانش نفسها…
فهذا يعني، على الأقل، أنَّ محاولةَ اغتيال الآنسة ستارتِي كانت حقيقيَّة.
“هاه…”
ابيضَّ مجالُ رؤيةِ مِلْكيشيزدك لكن هذه المرَّة بمعنًى مختلف عمَّا كان عليه قبل أيَّام.
آه، بحقّ ما بالُ هذه المرأة؟ كيف تُحكِم قبضتَها عليه هكذا، تشدُّه وتُفلِته كما تشاء؟
إن كانت ستُحزنه، فلتُحزنه فقط.
وإن كانت ستُغضبه، فلتُغضبه فقط.
وإن كانت ستُسعِده، فلتُسعِده فقط.
لو اكتفت بشيءٍ واحد، لكان نسيانُها أيسر.
لكنها تجمع كلَّ ذلك في شخصٍ واحد تُفرِحه، وتُثقِل قلبه، وتُغضبه، وتُضجِره، وتُحزنه، وتُلقِيه في اليأس…
فهل يُعقَل بعد ذلك أن يموت المرء ويُولَد من جديد، ثم يعجز عن نسيانها، ويظلُّ يتصرَّف بهذا البؤس؟
وهو يشعر بأنَّ الغضب يُشوِّش بصره، فتح مِلْكيشيزدك بابَ غرفةِ المرضى بعنف.
“يا إلهي… هل حدث ما يُقلِق بالك؟”
وما إن فتح الباب، حتى اصطدم بكلماتٍ زادت نارَ غضبه اشتعالًا.
“…كيف حالُ جسدك؟ أأنتِ بخير؟”
غير أنَّ ميلتشزيدك لم يعش سبعين عامًا عبثًا كبح غضبه بقوَّة، ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة.
“فحصني طبيبُ القصر، وقال إنَّ التِّرياق قد أتى مفعوله على نحوٍ جيِّد عليَّ أن أُداوم على الراحة قليلًا، لكن ما دمتُ لا أُجهِد نفسي فلا مشكلة.”
“حسنًا ─ شدِّد الحراسة لا أُريد أن يتسرَّب خبرٌ إلى داخل القصر أو خارجه.”
بعد أن أصدر هذا الأمر للحارس الواقف في الخارج، دخل ميلتشزيدك وأغلق الباب.
ولعلمه أنَّ الغرفة تُرى من الحديقة، أسدل الستائر أيضًا كان النهار لا يزال ساطعًا، لكن الستائر الرقيقة لم تمنع من رؤية ملامح الوجه بوضوح.
وهو يُمسِك بالستارة، أدار رأسه فقط نحو بلانش، وسألها بصوتٍ هادئ
التعليقات لهذا الفصل " 85"