84 - في النهاية، أنتم جميعًا أبناء ذلك الرجل أيضًا.
“أكان هذا من فِعلك؟”
ميلتشزيدك … جا تشيونغ ريونغ، لم يستطع أن يُجيب عن سؤالِ لاتشيا بأيّ كلمة.
كان يعلم هو أيضًا أنّ الصمتَ يُعَدّ جوابًا بحدّ ذاته لكنّه لم يستطع لا أن يبوح بالحقيقة، ولا أن يختلق كذبًا.
لأنّ…
“أنتَ تُحِبُّ تلك الطفلة.”
نعم، كان الأمر كذلك فعلًا لأنّه يُحِبّ لي بايك ريون، لأنّه يُحِبّ بلانش.
لذلك لم يستطع، ولو كذبًا، أن يدّعي أنّه حاول قتلَها، كما لم يستطع أن يفضح كونَها العقلَ المدبّرَ خلف هذه القضيّةِ الجسيمة، حتّى وإن كانت التي أمامه أمَّه، لاتشيا.
لكنّ لاتشيا، بدلًا من أن تُلحّ أو تُغيّر الموضوع، اكتفت بأن تنظر إليه بصمت، كأنّها تنتظر جوابًا.
ولأنّها فعلت ذلك… استطاع أن يُخرِج إلى العلن ذلك الشعور الذي لم يسأله عنه أحد من قبل، ولم يكن قادرًا على الإجابة عنه.
لأنّ لاتشيا، للمرّة الأولى، سألته عنه وانتظرت جوابه وأصغت إليه.
“أنا أُحِبّها…”
عاش جا تشيونغ ريونغ ثلاثَ سنواتٍ إضافيّة بعد وفاة لي بايك ريون.
نحو سبعين عامًا وكان قد التقى لي بايك ريون أوّل مرّة وهو في الخامسة عشرة، ما يعني أنّ السنوات التي عرفها فيها، والتي حمل لها خلالها مشاعر الحبّ، تجاوزت الخمسين عامًا.
ومع ذلك، لم يسأله أحدٌ قطّ إن كان يُحبّ لي بايك ريون.
كان ذلك مختلفًا عن زمنِ ميلتشزيدك حيث لم يسأله أحد إن كان يُحبّ بلانش، لأنّ الجميع افترضوا ذلك دون سؤال.
أمّا جا تشيونغ ريونغ، فلم يسأله أحد، لأنّ لم يتخيّل احد أصلًا أنّه قد يُحبّها.
حين التقيا أوّل مرّة، كانت عائلتا تشيونغ ريونغ وبايك ريون قد أصبحتا عدوّتَين.
ربّما لأنّ كليهما كان ناضجًا أكثر من عمره، لم يتوقّع الكبار، وهم ينظرون إلى شابّين حكيمين جميلين، أن تنشأ بينهما مشاعر خفيّة.
وعندما التقيا من جديد، كانت بايك ريون قد تزوّجت بالفعل.
وربّما لأنّها رسمت حدودًا صارمة، أو لأنّ كليهما كان عقلانيًّا وسياسيًّا إلى حدٍّ بالغ، لم يشكّ أحد في علاقتهما.
حتّى عندما منح الإمبراطور، الذي ترك منصب الإمبراطورة شاغرًا لعقود، أثمنَ تابعٍ له ثوبًا مطرّزًا بعنقاء الإمبراطورة، أو عندما شربا الخمر معًا على انفراد.
وبالنسبة إلى تشيونغ ريونغ، الذي لم يُرِد أن يُثقل كاهل بايك ريون —التي كانت أصلًا عرضةً للمؤامرات— كان هذا أفضل ما يكون.
لكنّ الحقيقة أنّ قلبه ظلّ مُتجاهَلًا لعقودٍ طويلة.
خطبةٌ واحدةٌ أُلغيت، واعترافٌ لم يولَد أصلًا وحين خرج الاعتراف للمرّة الأولى، انفجرت المشاعر كالسيل.
“أنا… أُحِبّها…”
ومع فيضان المشاعر، انهمرت الدموع.
لم يكن ميلتشزيدك نفسه قادرًا على الجزم: أكان يبكي لأنّه نطق أخيرًا بما في قلبه، أم لأنّ من يسمع اعترافه ليست لي بايك ريون.
كان قد كبر كثيرًا، أكبر من أن يُحتضَن بسهولة، لكنّها ما زالت قادرةً على أن تُربّت على ظهره شعرت بكتفها يبتلّ، وهمست بصوتٍ خافت
“دع هذا الأمر لي، ومن الأفضل أن تنام قليلًا.”
انقاد الصبيّ بهدوء، وأسند رأسه إلى ركبتيها وسرعان ما استقرّ نَفَسه المضطرب.
ذهبت لاتشيا تُربّت على صدره برفق، وتتأمّل وجهه.
جفنان متورّمان، وهالات داكنة، وخدّان شاحبان بدا واضحًا كم قاسى خلال الأيّام القليلة التي تلت سقوط بلانش فارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ مُرّة.
“يبدو أنّ رجال عائلة بندلتون جميعهم يراهنون بحياتهم على الحبّ.”
كانت قد رأت ابنها الأكبر يبكي على هذا النحو أيضًا، حين قال إنّه لا يستطيع فسخ خطوبته من ليانا ، رغم ثبوت عقمها.
أولئك الذين بدوا بلا مشاعر، يهتزّون لأجل حبٍّ واحد، ويكشفون وجوهًا لم يُظهروها من قبل، ويتجاهلون كلّ إجراءٍ وعقلٍ سليم.
كانت لاتشيا ترى أنّ ذلك لا يصلح لإمبراطورٍ أو لوليّ عهد، ومع ذلك…
كانت تتذكّر دائمًا زوجَها الراحل، الذي تقدّم لخطبتها باكيًا، رغم أنّها تنتمي إلى أسرةٍ متواضعة لا تليق بلقب إمبراطورة.
وهو السبب ذاته الذي جعلها عاجزةً عن أن تطلب من أبنائها التخلّي عن الحبّ.
“في النهاية… أنتم حقًّا أبناءُ ذلك الرجل.”
تمتمت بذلك، وهي تُداعب شعر ابنها.
كان بيركن و ميلتشزيدك يشبهانها ظاهرًا، لكنّها رأت أنّهما يُشبهان والدهما أكثر.
في العيون التي تكشف باطن النفس، وفي العقل الذي يسبق العاطفة… ثم ينهار كلّه أمام الحبّ.
“وماذا عساي أفعل؟ لقد وقعتُ أنا أيضًا في حبّه.”
لم تكن ترى نفسها رومانسيّة، ولا تؤمن بأنّ الحبّ يحلّ كلّ شيء.
لكنّها أحبّت زوجَها، ولا تزال وستظلّ تحبّه حتّى تموت.
ولهذا، كانت تضعف في كلّ مرّة ترى هذا الإخلاص المطلق في عيون أبنائها.
“لا تقلق، يا مِلكي. سأحرص على ألّا تُحاسَبَ بلانش على هذا الأمر.”
وهكذا قرّرت لاتشيا أن تُخفي بلانش عن عيون ليانا الثائرة، وعن شكوك نبلاء الإمبراطوريّة بأسرها.
حتى لو اضطُرّت… إلى اختلاقِ قاتلٍ وهميّ.
***
أمرت لاتشيا بتفتيش كلٍّ من مختبر آنسة دوقية ستارتي في قصر جاسبر، والقصر الذي تُقيم فيه آنسة ستارتي ، قصر سبينيل، معًا وكان الهدف هو العثور على مصدر السُّمّ الذي شربته بلانش.
لم يكن ذلك بدافع الشكّ في آنسة ستارتي بل لأنّ المكان الأسهل الذي يمكن لبلانش أن تحصل منه على السُّمّ هو مختبر آنسة ستارتي
فالموقع داخل قصرها الخاص، وصاحبة المكان معزولة، والمختبر يعجّ بمختلف أنواع السُّموم، بحيث يمكن اختيار أيٍّ منها دون عناء.
وأمّا تفتيش قصر آنسة ستارتي أيضًا، فلم يكن لأنّها توقّعت العثور على شيءٍ هناك، بل من أجل تركيز الشبهات حولها أكثر.
فعادةً، لا يخطر ببال أحد أنّ شخصًا قد يُقدِم على تسميم نفسه، ولذلك يكفي ضبط الأمور بحيث لا تظهر أيّ أدلّة ماديّة تُوجّه الشبهة إلى بلانش.
“يا صاحبة الجلالة، وُجِد في مختبر آنسة الدوق، وكذلك في غرفة نومها، النوع نفسه من السُّمّ ويُقال إنّه مطابق تمامًا للنوع الذي كان في كأس الأميرة بلانش.”
“…هكذا إذن.”
لم تكن تعلم سوى هي نفسها مدى دهشتها عند سماع هذا التقرير، لأنّها لم تُظهِر ذلك على ملامحها.
“غير أنّ السُّمّ الذي وُجِد في المختبر مطابق تمامًا لما كان في كأس الأميرة بلانش، أمّا السُّمّ الذي عُثِر عليه في غرفة النوم، فهو من النوع نفسه، لكن بنسبة مكوّنات مختلفة.”
أي أنّه سُمّ واحد، لكنّه لم يُحضَّر في الوقت نفسه.
“يبدو أنّ السُّمّ الموجود في غرفة النوم كان تجربةً صُنِعت قبل محاولة الاغتيال، أمّا السُّمّ المستخدم في التنفيذ، فقد أُخذت منه الكميّة اللازمة، وتُرِك الباقي في المختبر.”
كانت الأمور متناسقة على نحوٍ يبعث على الارتياب.
فلا داعي أصلًا للاحتفاظ بسُمٍّ استُنفِد غرضه، ومع ذلك، وبالنظر إلى أنّه تُرِك ظاهرًا في كلٍّ من المختبر وغرفة النوم، بدا واضحًا أنّ هذا فخّ ومع ذلك، كان تفسيرًا جاهزًا ومناسبًا إلى حدٍّ بعيد.
“إنّها غفلتي أنا، إذ كنت قد وعدتُ بمراقبة آنسة ستارتي لذلك، من الأفضل أن أتولّى بنفسي معالجة هذه القضيّة — ينبغي أن أرفع هذا الطلب إلى جلالة الإمبراطور.”
من الذي أعدّ كلّ هذا ليُوقِع آنسة ستارتي في الفخّ؟
لم يكن لدى لاتشيا جوابٌ واضح، لكنّها لم تجد سببًا لرفض فرصةٍ وُضِعت أمامها جاهزة، فسارعت إلى اغتنامها.
لم يكن لديها ثقة بقدرتها على إقناع ليانا التي لا تعرف التردّد ولذلك استدعت الشخص الوحيد القادر على كبحها وصاحب القرار النهائي: ابنها الأكبر، بيركن.
“آه… إذن تطلبين منّي أن أتولّى أنا، بدلًا من ليانا احسم في قضية محاولة اغتيال الأميرة بلانش؟”
على عكس ليانا التي قيل إنّها لم تُغادِر غرفة التعذيب في الطابق السفلي من قصر الإمبراطورة، كان بيركن هادئًا وعقلانيًا للغاية.
“نعم وبما أنّني أتولّى أصلًا المفاوضات مع مملكة دالين، فسيكون من الأنسب أن أحسم بنفسي في مسألة معاقبة المبعوث أيضًا.”
وهكذا، فإنّ توجيه الاتهام إلى آنسة ستارتي باعتبارها العقل المدبّر لمحاولة الاغتيال، لم يكن سهلًا من ناحية التلاعب بالمعلومات فحسب، بل وفّر أيضًا مبرّرًا كافيًا لانتزاع سلطة التحقيق من يد ليانا.
التعليقات لهذا الفصل " 84"
ششكككررا على الترجمة🤍🤍