كان حملُ مريضٍ صعودًا ونزولًا على السلالم أمرًا خطيرًا، ولذلك وُضِعت غرفةُ التمريض في الطابق الأوّل.
وهذا يعني أن بيركِن كان قادرًا، من الخارج، على رؤية تعابير وجه ميلتشزيدك داخل الغرفة.
وحين رأى بيركِن الدموعَ تنساب على خدَّي ميلتشزيدك الشاحبين، استدارَ وعاد أدراجه فقد حان الوقت للرجوع وإنهاء مأدبة ما بعد الصيد.
وأثناء عبوره العشبَ الخالي من الناس، تمتمَ بصوتٍ خافت
“……يبدو أن العلاقة بينهما جيّدة، وهذا مُطمئنّ.”
بالنسبة إلى بيركِن، لا شكّ أن ميلتشزيدك أغلى من بلانش ولو أن ميلتشزيدك حاول قتل بلانش، لكان قادرًا –على الأقل– على مساعدته في التستّر على العواقب.
لكن هذا لا يعني أن بلانش بلا قيمة، أو أنها لا تساوي أكثر من حجرٍ على قارعة الطريق.
فبعيدًا عن كونها منسجمة مع ميلتشزيدك ، كانت بلانش موهبةً حقيقية ولو أن ميلتشزيدك استشاره قبل الإقدام على محاولة اغتيال، لكان بيركِن قد عارضه بشدّة.
لذلك، إن لم يكن ميلتشزيدك قد حاول اغتيال بلانش، بل كان يُحبّها إلى حدّ البكاء قلقًا عليها، فإن ذلك كان خبرًا سارًّا لبيركِن.
“لن أضطرّ إلى الكذب على ليانا.”
وأكثر ما كان باعثًا على الارتياح، هو زوال احتمال أن تتوجّه غضبة ليانا –التي لا بدّ أن تكون قد بلغت ذروتها الآن– نحو ميلتشزيدك
ومع اختفاء خطر نشوب صراعٍ بين أحبّ شخصين إلى قلبه في هذا العالم، الأول والثاني، أصبحت خطوات بيركِن العائدة إلى القاعة خفيفةً ومطمئنّة.
نُقلت بلانش إلى قصرٍ يقع أقرب ما يكون إلى الحديقة الكبرى التي أُعدّت فيها مأدبة ما بعد الصيد، وذلك بناءً على رأي أطباء القصر بأن عدم نقل المريضة لمسافةٍ بعيدة أفضل.
ولهذا، لم يغب بيركِن طويلًا عن المكان وبناءً عليه، توقّع ألّا يكون قد تغيّر شيءٌ يُذكر عند عودته، وربما هدأت الأجواء قليلًا لا أكثر.
لِنُجرِ تحقيقًا أوّليًا سريعًا، ثم نُعيد الجميع فلا بدّ من وقتٍ للنظر إلى الحادثة من منظورٍ أشمل.
لعلّ السبب في ذلك هو أن ما حدث كان غير متوقّع تمامًا، إذ بدا لبيركِن أن خيوط هذه القضية مبهمة على نحوٍ غير معتاد وكان يشعر أن عليه أن يمنح نفسه وقتًا كافيًا لتهدأ أفكاره ويتّضح المشهد.
“عدتُ يا صاحب الجلالة.”
لكن حين عاد، كان جوّ الحديقة الكبرى على النقيض تمامًا ممّا تخيّله.
لم يكن النبلاء يتبادلون الأحاديث بدافع الفضول عمّا جرى قبل قليل، ولا كانوا يتحفّظون بلباقةٍ لإبعاد الشبهات عن أنفسهم.
بل كانوا، كأنّهم…….
“يا صاحب الجلالة.”
استدارت ليانا، التي كانت تقف في وسط القاعة، ونظرت إليه مبتسمة.
شَعرُها الذهبيّ، الذي بدا كأنه صُنع من ذهبٍ مصهور، تموّج بنعومة، وعيناها الخضراوان بلون براعم الربيع تلك الحبيبة التي بدت له دائمًا كحلم، كانت حين تبتسم تُضيء المكان من حولها كما تفعل الشمس.
ومع ذلك، لم يشعر بيركِن وهو يرى ابتسامة محبوبته إلا بالقلق والاستسلام.
نعم كان يتساءل لمَ بدا جميع أولئك النبلاء المتكبّرين وكأنهم جنودٌ مستجدّون مشدودو الأعصاب… فإذا بالأمر من صُنع ليانا.
“ما الأمر يا مولاتي الإمبراطورة؟”
لم يكن بوسعه، وهو إمبراطور، أن يُظهر قلقه أو استسلامه، فواجهها بابتسامةٍ رزينة.
تقدّمت ليانا بخطواتٍ واثقة، وقلّصت المسافة بينهما في بضع خطوات، ثم طلبت بعينيها الصافيتين
“أرجو أن تمنحني سلطة التحقيق في محاولة اغتيال الدوقة الكبرى.”
في الحقيقة، ما كان مزمعًا الإعلان عنه اليوم ليس الزواج، بل الخطوبة فقط، ولذلك لم تكن بلانش دوقةً كبرى بعد.
بل إن الخطوبة نفسها لم تُعلن رسميًا، فهي ليست حتى خطيبة الدوق الأكبر.
خطرت هذه الأفكار سريعًا في ذهن بيركِن، لكنه قرّر ألّا يتوقّف عند التفاصيل الصغيرة.
إن أرادت ليانا أن تعامل بلانش بوصفها دوقةً كبرى، فهي دوقةٌ كبرى فمثل هذا ليس تعسّفًا يُذكر حين يصدر عن إمبراطورة روتايل.
“هل تنوين تولّي الأمر بنفسكِ؟”
“نعم كيف يجرؤ أحدهم على محاولة اغتيال الدوقة الكبرى في وضح النهار؟ أليس هذا إهانةً مباشرةً للعائلة الإمبراطورية؟ أرى أنه من اللائق أن أُفوَّض بكامل الصلاحيات.”
آه… لا، ينبغي رفض هذا الطلب.
راودت هذه الفكرة بيركِن للحظة.
فبيركِن، بخلاف ميلتشزيدك كان قد خطر له احتمال أن تكون بلانش هي الجانية، لكنه لم يصل إلى حدّ اليقين.
لم يكن يشكّ في شخصٍ بعينه، بل كان يعتقد فقط أن هناك احتمالًا آخر لم يخطر بباله بعد.
بعد أن يُعاد الجميع، ويمكنه النظر في القضية بهدوء، لعلّ جوابًا ما سيظهر.
ومع ذلك، كان يشعر بقلقٍ غامض تسليم هذه القضية إلى ليانا قد يجرّ عواقب غير محمودة وكان واثقًا أنه سيندم على هذا القرار.
“أرجوك يا صاحب الجلالة.”
لكن حين تنظر إليه ليانا هكذا، بعينين ثابتتين، وتطلب منه مباشرةً، لم يكن بيركِن قادرًا على الرفض.
وما قيمة الندم أصلًا، إن كان الثمن هو رؤية تلك الملامح الصافية وقد اعتراها الحزن؟
فليكن… لِأندم أنا وحدي.
كان قراره سريعًا ابتسم بيركِن بلطفٍ وأومأ برأسه.
“لستِ بحاجةٍ إلى إذني أصلًا، فأنتِ شريكتي، ولكِ من الحقوق ما لي —إن أردتِ، فلكِ ما تشائين.”
هل يمكن للزهرة المتفتّحة أن تتفتّح أكثر؟
وهل يمكن لشمس الظهيرة أن تُصبح أشدّ سطوعًا؟
كانت ليانا مبتسمةً ابتسامةً عريضة منذ اللحظة التي اقتربت فيها منه.
عيناها منفرجتان بابتسامةٍ رقيقة، وزوايا شفتيها مرفوعة في قوسٍ كامل لولا أن الموقف لا يسمح، لبدت كأنها في غاية السعادة.
لكن في اللحظة التي خرج فيها الإذن من فم بيركِن، تغيّر شيءٌ ما.
لم يتغيّر شيء… ومع ذلك تغيّر كلّ شيء.
كحبرٍ سقط في ماءٍ صافٍ.
فمع أن ابتسامتها قبل الإذن وبعده كانت عريضة على السواء، فإن العدوانية التي كانت تخالطها تحوّلت إلى فرحٍ خالص.
وعلى خلاف القلق الخفيّ الذي شعر به قبل قليل، كانت ابتسامتها الآن نقيةً بما يكفي لسحر بيركِن تمامًا.
“شكرًا لك.”
على الرغم من أنّه عرفها خمسةً وعشرين عامًا، ظلّ يتساءل: كيف لهذا الإنسان أن يستولي على قلبه بهذه السهولة؟
وكان بيركِن، حتى في خضمّ هذه اللحظة، يجد ذلك أمرًا عجيبًا حقًّا.
“أسمعتَ، أيّها الماركيز تشيس؟ إذًا أودّ أن أُجري معك حديثًا في الحال.”
غير أنّ تلك الابتسامة لم تدم طويلًا إذ استدارت ليانا فورًا، ونادت شخصًا كان يقف على الطرف الآخر بقلقٍ ظاهر.
“آه، لا تقلق بشأن العائلة سنُحسن استقبالهم جميعًا بكلّ لباقة أليس من الأطمأن أن نتحرّك معًا؟”
كان ظاهر كلامها عنايةً بالماركيز تشيس، لكن باطنه يعني إدراج الأسرة بأكملها ضمن دائرة التحقيق.
شحَب وجه الماركيز تشيس حتى غدا كالموتى، وأمّا النبلاء من حوله فأطبقوا أفواههم خشية أن تزلّ ألسنتهم، فيغدوا الهدف التالي للإمبراطورة.
……لا بدّ من استنتاج هوية الجاني في أسرع وقتٍ ممكن.
وبينما كان بيركِن يراقب أسرة الماركيز تشيس وهي تُقتاد بعيدًا، خطرت له هذه الفكرة.
***
بينما كانت تلك الأحداث تتفاقم في الحديقة الكبرى، لم يكن ميلتشزيدك يفعل سوى الجلوس إلى جوار بلانش، ساكنًا كتمثالٍ من حجر.
غير أنّ هذا السكون لم يكن سوى مظهرٍ خارجيّ؛ ففي رأسه كانت الأفكار تتشابك وتتداخل، لزجةً خانقة، كأنها عقدةٌ لا انفصام لها.
“……كنتُ أظنّ أنّ هذا، ربّما، عقابي.’
إنّ السجلات التاريخية في كتاب الوقائع تصف حياة جا تشيونغ ريونغ بأنها حياةٌ زاخرةٌ بالمجد؛ فقد وُلد أميرًا ثانيًا لمملكةٍ صغيرة، ثم أنهى حياته إمبراطورًا لإمبراطوريةٍ موحَّدة.
امتلك كلّ ما يمكن امتلاكه، وتمتّع بكلّ ما يمكن التمتّع به وكانت حياته—التي نقصت عامًا واحدًا عن السبعين—طويلةً بمقاييس ذلك العصر، أمّا سبب وفاته فكان وفاةً طبيعية.
وقد أجمع الناس على أنّها حياةٌ مباركة، ونهايةٌ حسنة غير أنّ ما ملأ خاطر جا تشيونغ ريونغ عند إغماضه عينيه في عامه التاسع والستين لم يكن سوى فكرةٍ واحدة: لقد انتهى الأمر أخيرًا.
فعلى امتداد تسعةٍ وستين عامًا، لم يكن يفعل سوى أن يفقد فقد أباه قبل أن يُولد، ثم فقد أمّه وهو صغير، وفقد أخاه، ثم فقد ابن أخيه وزوجة أخيه وفقد من كانوا له كالأهل، وفقد الوزراء الذين أحبّهم وقرّبهم.
وفقد لي بايك ريون
لذلك، حين أغمض عينيه وهو يستشعر اقتراب الموت، شعر بالارتياح بدل الحزن.
فلن يكون بعد اليوم هو الخاسر لن يظلّ قلقًا خشية أن يتسرّب شيءٌ آخر من بين يديه لن يضطر بعد الآن إلى إمالة كأسه وحيدًا، نادبًا ما فقده.
ولهذا، حين فتح عينيه من جديد وأدرك أنّه أصبح رضيعًا حديث الولادة، لم يشعر جا تشيونغ ريونغ بأيّ فرح بل خطر له، لا غير، أنّ هذا ربّما كان جزاءه.
فأن يفقد هذا العدد الهائل من الناس، إنّما يعني أنّه عاش فوق تضحيات عددٍ مماثل منهم.
كم قطرة دمٍ أُريقت حتّى توحّدت القارّة؟ وكيف يمكن التكفير عن ذنب ابن الأخ الذي قُتل على يد أمّه البيولوجية لتوطيد سلطانه؟ وكيف له أن يعتذر بحقّ إلى لي بايك ريون التي شنقت نفسها بسبب خطأٍ اقترفه هو؟
كان جا تشيونغ ريونغ يدرك جيّدًا أنّ ثراءه ومجده بُنيا على تضحيات الآخرين.
وكان يدرك ذلك أكثر لأنّ تلك السلطة لم تكن يومًا ما تمنى الحصول عليها.
فالخمر الذي يشربه هو دموعُ غيره، والحرير الذي يرتديه هو جلودُ أناسٍ آخرين.
حتى وإن لم يطلبها يومًا، فقد عاش تلك الحياة، ولذلك كان مسؤولًا عنها.
ولهذا، حين مُنح حياةً ثانيةً—تلك التي يحلم بها الجميع، ولم يطلبها جا تشيونغ ريونغ قطّ—لم يسعه إلا أن يظنّ أنّها إمّا عقابٌ من أقداره، أو كابوسٌ مروّع لا يريد الاستيقاظ منه.
التعليقات لهذا الفصل " 82"