أعلن طبيب القصر الذي هرع إلى المكان أن بلانش قد تعرّضت للتسمّم.
قال إن التفاصيل الدقيقة لن تُعرف إلا بعد التحليل، غير أن الكأس الذي كانت بلانش تمسكه بدا وكأنه يحتوي على سمّ وأضاف، على نحوٍ باعثٍ على الطمأنينة نسبيًا، أن الكمية التي شربتها كانت قليلة على ما يبدو.
كان كأس بلانش قد انقلب على العشب، فتبدّد معظم ما فيه ، لكن بضع قطرات من السائل المتبقي نُقلت بعناية إلى مختبر التحليل.
فلا يمكن الشروع في إجراءات الترياق المناسبة دون معرفة ماهية السم.
ولأن هوية السم كانت ستُكشف لا محالة قريبًا، اكتفى أطباء القصر بالسيطرة على أعراض القيء الدموي والتشنجات التي أصابت بلانش، ثم نقلوها إلى غرفة التمريض.
إذ إن التدخل العشوائي دون معرفة نوع السم قد يؤدي إلى تفاقم حالتها بدلًا من إنقاذها.
أما ميلتشزيدك
فقد كان يقف إلى جوار بلانش لحظة سقوطها، ولذلك رافقها مباشرة إلى غرفة التمريض.
وعندما رأى أطباء القصر وجه الدوق الأكبر الخالي من أي تعبير، ببرودٍ قاسٍ، أحسنوا التصرّف سريعًا.
“سننتظر في الخارج إلى أن تصدر نتائج الفحوص وإن طرأ أي تغيّر على حالة صاحبة السمو الأميرة، فالرجاء إبلاغنا.”
لم يُجب ميلتشزيدك
انسحب الأطباء والخدم، ولم يبقَ في الغرفة سوى اثنين فقط جلس ميلتشزيدك واضعًا يديه المعقودتين على ركبتيه، يحدّق في وجه بلانش.
لعلها شحبت بسبب ما تقيّأته من دم؛ فقد بدا وجهها أبيض شاحبًا وكانت عيناها السوداوان، اللتان طالما نظرتا إليه مباشرة، مغمضتين الآن خلف جفنين هادئين.
ربما أعاد الخدم ترتيب وضعيتها، لكنها حتى وهي ممدّدة فاقدة للوعي بدت في هيئة مرتّبة…… هيئة تستحضر في الذهن شخصًا ما…….
بل وأكثر من ذلك، كانت تستحضر في ذهنه المشهد الأخير لشخصٍ ما…….
فكّ ميلتشزيدك يديه المعقودتين بإحكام، اللتين كان يضغطهما بقوة حتى لا ترتعشا.
لم يعد هناك أحد يراه، فلم يعد هناك ما يدعو لإخفاء ارتجاف يديه رفع يده المرتعشة بصعوبة، ووضعها أسفل أنف بلانش، فشعر بنفَسٍ خافت.
إنها على قيد الحياة.
“ها……”
اندفعت أنفاسه دفعةً واحدة، وكأنه لم يكن يدرك أنه كان يحبسها انحنى ميلتشزيدك لاهثًا، وكأن أحدًا كان يخنقه، وأخفى وجهه بين ركبتيه.
إن هذا الوضع الآن مختلف عن ذلك الوضع آنذاك مختلف عن تلك اللحظة التي ماتت فيها بلا مقاومة، في مكانٍ لا يراه، وبلا أن يستطيع فعل أي شيء.
بلانش الآن حيّة، هنا، إلى جواره وسيُكشف قريبًا عن ماهية السم، وعندها سيتمكن أطباء القصر من تقديم العلاج المناسب.
قد يستغرق تعافيها بعض الوقت، لكنها ستنجو لن تموت.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الاستنتاج، لم يستطع ميلتشزيدك أن يشعر بالاطمئنان التام.
“من الذي تمكّن، بحقّ السماء، من دسّ السم في كأسكِ؟”
فالسبب بسيط.
بلانش لم تكن شخصًا يمكن اغتياله في هذا اليوم، وفي هذا الموضع، وفي مثل هذه الظروف.
***
كان يُقال في الإمبراطورية الجينّية
“إذا مات كلبُ الوزير جاء المعزّون، وإذا مات الوزير نفسه لم يأتِ أحد.”
وفي إمبراطورية روتايل، كان الوزير هو الإمبراطور وزوجته، وكان الكلب هو ميلتشزيدك وبلانش.
لا شكّ أن كثيرين تمنّوا لو أن بلانش تختفي
فموقع دوقة كبرى، وموضع الإمبراطورة المقبلة، لا بدّ أنهما مغريان لأيّ أحد وأيّ أسرة لديها طفل في عمرٍ يؤهله لأن يكون شريكًا لميلتشزيدك ألا تحلم بذلك؟
بل إن بعضهم قد يكون لا يطيق رؤية ميلتشزيدك أصلًا، فيتمنى زوال الطفلة التي استحوذت على قلبه، فقط ليراه حزينًا منكسرًا وربما كان هناك أيضًا من يقلق من هذا القدر المفرط من العطايا التي نالها أجنبي.
التعليقات لهذا الفصل " 81"