بعدها، رفع كثير من الوزراء العرائض نفسها، لكنه تجاهلها جميعًا.
لم يكن يرغب في الإصغاء إلى كلامٍ من قبيل ما قالته لي بايك ريون عن ضرورة اتخاذ زوجة.
لم يكن يهمّه مدى وجاهة ذلك الكلام، ولا مدى كونه خيارًا سياسيًا صائبًا.
فذلك كان أعظم نزوةٍ وأشدّها تفاهةً ولا معنى لها، نزوةَ رجلٍ لم يُظهر في طفولته حتى أدنى مظاهر الطفولة.
ومع ذلك، وبما أنّه لم يكن قادرًا على التصرّف وفق أهوائه الشخصية وحدها، فقد اختار حلًّا توفيقيًا: فليهدّئ قلوب الوزراء القلقين على مسألة الوريث، بأن يأخذ عددًا من السراري من بين أفراد الأسر المالكة القديمة في البلدان التي أخضعها.
وحين قال إنّ مسألة الوريث مستعجلة، وإنه لا حاجة إلى تنصيب إمبراطورة شرعية ما دام الهدف هو إنجاب وريث فحسب، اقتنع الوزراء بذلك دون عناء.
وبالطبع، مرّت بعد ذلك عشرات السنين دون أن يُنصّب إمبراطورة، بل ولا حتى وليّ عهد، ومع ذلك سارت الأمور عمومًا بسلاسةٍ واستقرار.
كانت هناك أحيانًا أمورٌ تعكّر صفوه، مثل المطالبة بتنصيب إمبراطورة، لكن لي بايك ريون ظلّت في المجمل مخلصةً له بإخلاصٍ صادق.
كان يستطيع أن يثق بها ثقةً مطلقة، وأن يمنحها مكانةً رفيعة دون تردّد.
وقد ردّ لها ذلك الوفاء ردًّا كاملًا فقد استحدث لها منصب القائد الأعلى، ومنحها اسمًا شرفيًّا، وبدّل اسمها من لي بايك ريون إلى لي بايك ريون
[ تغير الي صار هنا بس حرف 伯 = لقب عادي يدل على مكانة اجتماعية مثل: الكبير، السيد 白 = أبيض ← لون ]
فإدخال لونٍ في الاسم كان في الأصل تقليدًا خاصًا بعائلة جا، ثم أصبح بعد إعلان الإمبراطورية تقليدًا من تقاليد الأسرة الإمبراطورية.
وتغيير معنى اسمٍ سليمٍ عمدًا لم يكن سوى إعلانٍ صريح بالاعتراف بإلي بايك ريون كـنصف فردٍ من الأسرة الإمبراطورية ، ولم تكن بايك ريون تجهل ذلك، فخرّت راكعةً تتوسّل إليه أن يتراجع عن هذا الأمر.
لكنّه، بالطبع، لم يتزحزح قيد أنملة.
فهو الذي خاض غمار السياسة حتى النخاع، وكان يدرك تمامًا أيّ منطقٍ يحكم ذلك العالم.
ذلك المكان، أينما كان، إن وُجدت فرصةٌ للإمساك بالكاحل وسحب صاحبه إلى الأسفل، فلن يتردّد أحد في فعلها ليصعد هو.
وكم ستكون لي بايك ريون فريسةً شهيةً لكلاب ذلك العالم الضارية؟
في وضعٍ كهذا، حيث يكفي كونها من سلالة لي وحده لنسج الاتهامات في أيّ وقت، لم يكن يكفي لحمايتها مجرد عطايا عادية.
لذلك أغدق عليها عطايا لم يُسجَّل لها مثيلٌ في كتب التاريخ.
استحدث لها منصبًا جديدًا خُصِّص لها وحدها، ومنحها اسمًا يُعدّ من رموز الأسرة الإمبراطورية، وسلّمها ختمه الشخصي، بحيث تتولّى مراجعة الرسائل الموجّهة إلى أمراء الأقاليم، ثم تُرسل مباشرةً باسم الإمبراطور، من دون الحاجة إلى عرضها عليه مجددًا للمصادقة
أما مئات لفائف الحرير، والبحيرات المصنوعة من الخمر، والأشجار المعلّقة عليها شتّى أنواع اللحوم، فلم تكن تُعدّ عطايا أصلًا.
كلّ ذلك كان مخصصًا لحماية بايك ريون وضمان مكانتها، ولم يكن الهدف منه إرضاؤها أو إسعادها شخصيًا
ولهذا لم يكن مهمًا إن كانت تشعر بثقل ذلك أم بفرحٍ صادق.
حتى لو لم تفرح بتلك العطايا، بل تألّمت بسببها، فلم يكن ذلك ليغيّر شيئًا.
فهو، ببساطة، كان يريد حمايتها.
إذ لم يكن هناك ما يستطيع تقديمه لها، بعد أن ظهرت مجددًا في لحظةٍ لم يعد يثق فيها بأحد، وحمته مرةً أخرى، سوى ذلك.
وهكذا، وعلى مدى عشرات السنين من إغداق الحظوة بلا انقطاع، ترسّخ موقع لي بايك ريون.
لم يعد أحدٌ يجرؤ حتى على التفكير في تلفيق تهمةٍ ضدّها ومع ذلك، لم يهدأ القلق في قلبه.
الآن الأمور بخير، لكن ماذا بعد موتي؟
هل سيبقى موقعها راسخًا آنذاك؟
هل سيظلّ الجميع عاجزين حتى عن وطء ظلّها؟
ظلّ هذا القلق ينمو في قلب جا تشيونغ ريونغ
كانت بايك ريون أصغر منه بعامٍ واحد، تعيش حياةً منتظمة، وتتجنّب كلّ ما يضرّ الجسد.
في الولائم، لم تكن تشرب حتى الثمالة، ولم تدخّن قط، ولم تكن مولعةً باللحم قضت حياتها كلّها في ساحات القتال، تدرّب جسدها بلا انقطاع.
لذا، على الأرجح، ستعيش أطول منه.
فإذا اختفى الإمبراطور الذي كان يمنحها تلك الحظوة العمياء، فماذا سيكون مصيرها حينئذ؟
لهذا قرّر استغلال الجدل الذي اندلع مجددًا حول الوريث، بعد وفاة وليّ العهد الأول.
وقال لها
“إذًا، فلتختاريه بنفسك.”
وليّ العهد الراحل لم يكن اختيار أحد لقد اعتلى ذلك المنصب فقط لأنه الابن الأكبر لجا تشيونغ ريونغ
دون مراسم تنصيبٍ تليق به، ودون أيّ شرح.
هكذا تكون الوراثة؛ فالابن الأكبر يملك هذه القوة بذاتها، بلا حاجة إلى تفسير أو انتقاء.
لكن ماذا لو جرى اختيار وليّ عهدٍ جديد دون هذا السبب؟
وماذا لو كانت لي بايك ريون هي سبب ذلك الاختيار؟
ولو تولّت بعده منصب الوصاية على الإمبراطور القادم؟
حينها، ستكون آمنةً حتى بعد وفاة جا تشيونغ ريونغ
وسيرى الناس ذلك اختيارًا لحماية الإمبراطور القادم، لا اختيارًا من أجل لي بايك ريون.
وقد بلغ من البراعة في إخفاء مشاعره وتحريف مقاصده مبلغًا، فتعمّد إظهار موقفٍ مصطنع، واستدعاها، وطلب منها أن تختار بعينها من يصلح أن يكون الإمبراطور القادم.
“يا جلالة الإمبراطور، هذا الأمر يفوق قدراتي، أرجو منكم التراجع عنه.”
لكن بايك ريون لم تقبل كلامه.
ذلك الحديث الدائم عن المقام، والقدرة، والواجب.
كلماتٌ ظلت تردّدها طوال عشرات السنين وهي ترفض عطاياه لكن لسببٍ ما، ثار غضبه في تلك اللحظة.
“أتجرؤين على رفض أمرٍ إمبراطوري؟ إذًا فمعنى ولائك لا يتجاوز هذا الحد! لقد أرهقتِني طوال هذه السنين بعريضةٍ تلو أخرى عن مسألة الوريث، وحين أطلب منك رأيك الآن تقولين إن لا رأي لك! أكانت عرائضك السابقة مجرد محاولة لإزعاجي؟”
“أبدًا، يا جلالة الإمبراطور إن أخطأتُ دون قصد وأثقلتُ على جلالتك فأعتذر عن ذلك لم أطلب إلا التراجع عن فضلٍ إمبراطوري لا أستحقه.”
“أهكذا؟ إذًا تعترفين بخطئك حسنًا أعزلُكِ اليوم من منصب المستشار الأعلى الزمي التأمّل في أخطائك وتأدّبي.”
وهكذا ارتكب ذلك الفعل.
ولعلّها كانت تعلم، لكنه لم يكن ينوي حقًّا إقصاءها.
لقد كان فقط… غاضبًا.
ما الذي كان يريده منها حقًّا؟
لم يقتل زوجها، ولم يُلحّ عليها أن تعود وتتزوّجه.
ولم يقل يومًا سخافاتٍ من قبيل: إن أردتِ العرش فاعتليه بنفسك، وإن أردتِ وريثًا فأنجبيه بنفسك.
كان يستطيع فرض كلّ ذلك بسلطة الإمبراطور، لكنه اختار احترام إرادتها.
ومن بين كلّ ما كان يمكنه أن يطلبه منها، لم يطلب سوى شيءٍ واحد
سلامتها.
أراد فقط أن تنال بعد موته ما استطاع أن يمنحها إياه خلال عشرات السنين من حكمه.
لكن، هل شكرته يومًا، ولو مرة، على ما فعله لأجلها؟
إن كانت لا تريد أن تُحاصَر، فَلِمَ لا تكبح موهبتها قليلًا؟
أن تُظهر موهبةً تجعل حتى عديمي الطمع يخشونها، ثم تعيش وحدها في تعالٍ ونقاء… فمن ذا الذي سيفهم ذلك؟
نعم، حسنًا.
إن كانت بايك ريون تتصرّف وكأنها بلا غريزة بقاء، فسيكون لكلّ حالٍ وسيلته المناسبة.
فلنرَ إذًا، هل ستبقى ثابتة على موقفها بعدما يُؤذى نصف من حولها بسببها؟
ولهذا نبذها.
وفي الأثناء، أعاد ترتيب المشهد السياسي كلّه؛ أقصى الوزراء واحدًا تلو الآخر، وعذّب من عذّب، وأعاد تشكيل علاقات السلطة، متحرّيًا إن كان ثمة كلابٌ ضارية تطمع في الفراغ الذي تركته.
كان يبني مجلسه الوزاري على أساسٍ واحد: ألّا يترك شخصًا واحدًا يمكن أن يؤذي بايك ريون حين تعود يومًا ما.
في النهاية، كان هو الإمبراطور، وبايك ريون لم ترفض يومًا، حتى النهاية، ما أغدقه عليها من عطايا وربما لهذا السبب، تسلّل إليه شيءٌ من الغرور.
ظنّ أن كلّ شيء سينتهي قبل موته.
وأن بايك ريون ستنحني له مجددًا، وأنه سيتمكّن من ترتيب حتى ما بعد موته على نحوٍ محكم.
لكن ما عاد إليه كان خبر وفاه.
“ماذا قلت؟”
“ يا جلالة الإمبراطور تم ارسال رساله من لي يو هيون، الوريث الشرعي للي بايك ريون، رسالةً يقول فيها إن والدته قد ضعفت صحتها وتوفيت، ويلتمس الإذن بإقامة مراسم العزاء والجنازة.”
في تلك اللحظة، لم يعرف ما الذي انفجر في داخله.
أكان غضبًا؟
أم ندمًا؟
أم حزنًا مريرًا؟
لم يكن يعلم، لكن المؤكّد أنّه فقد صوابه تمامًا.
رفض طلب لي يو هيون بإقامة الجنازة، بل أمر بالإبقاء على حظر استقبال الزائرين، وبذلك منع أيّ شخصٍ من حضور جنازتها أو حضور جنازتها
ثم توجّه بنفسه إلى منزل لي بايك ريون.
“مرحبًا بقدومك، يا جلالة الإمبراطور.”
كان جسد بايك ريون قد وُضع بالفعل في التابوت بدا التابوت المغلق بإحكام وكأنه إعلانُ رفضٍ صامت، فازداد غضبه.
“افتحوا التابوت أريد أن أرى وجهها.”
عند هذا الأمر القاطع، ارتمى لي يو هيون أرضًا متوسّلًا.
“يا جلالة الإمبراطور، أرجوك تراجع عن هذا الأمر.”
“يبدو أن الأم والابنة كلتيهما تستخفّان بأوامر الإمبراطور هل يجوز لي اعتبار هذا عصيانًا بدافع الخيانة؟ لن أكرر الأمر ثلاث مرات افتحوا التابوت.”
“أرجوك… إن كنت تثق بولاء والدتي، فاسحبوا هذا الأمر وحده هذا العبد لا يجرؤ… لا يستطيع…”
كانت الفتاه التي لم تتجاوز حداثة الشباب بعد، ترتجف بعنف، ومع ذلك لم تتحرك من مكانها.
تحوّل التوسّل إلى شبه استعطاف، لكن كلّما ازداد، ازداد في قلبه إصرارٌ واحد: أن يفتح هذا التابوت ويرى وجهها الأخير.
“حسنًا إن لم تنهض، فسأفتحه بنفسي لا بدّ من دفع ثمن جعل الإمبراطور يستخدم يديه.”
وهو يترك ابنة بايك ريون عاجزةً عن النهوض، فتح التابوت بنفسه لم تخطر له فكرة أن يأمر الخدم بذلك وربما… لم يكن يريدهم أن يفعلوا.
“هاه…”
وحين انكشف الجسد، واجه الحقيقة التي كان يتوقّعها في قرارة نفسه.
علامةٌ سوداء حول العنق، لا تنسجم مع الوجه الهادئ الساكن.
كان منظرًا لم يره من قبل، لكنه أدركه فورًا.
لي بايك ريون أنهت حياتها بيدها.
وأدرك أيضًا أن من دفعها إلى تلك النهاية… لم يكن سوى جا تشيونغ ريونغ نفسه.
التعليقات لهذا الفصل " 79"