“أليس صاحب السموّ الأمير ما يزال صغيرًا جدًّا؟ أليس الأجدر أن يتولّى صاحب السموّ الأمير الشقيق الأمر……؟”
في ذلك الوقت، لم يكن أخو الصبي بلا أبناء.
غير أنّ ابن أخيه لم يكن سوى رضيعٍ بدأ لتوّه بالمشي.
كان عمرًا لا يمكن معه الوثوق بإسناد شؤون الدولة إليه، ولذلك تولّى الصبيّ المسؤولية طواعية.
ففي تلك المرحلة، كان مصير الأسرة بأكملها معلّقًا بحروب الفتح التي أشعلها أخوه.
“حسنًا، من الآن فصاعدًا سأقودكم أنا.”
ومع ذلك، حتى ذلك الحين، كان هناك أمل حين يكبر ابن أخيه… عندها يمكنه أن يسلّمه هذا المنصب.
وعندئذٍ سيتمكّن من العودة إلى الحياة التي كان يتمناها.
سواء أكان أخًا للملك أم عمًّا له، فليس في الأمر سوى فرقٍ شكليّ كان سيبتعد عن مركز السلطة، ويكتفي بمساندة شؤون الدولة بإخلاص، بهدوء، ومن دون أي حضورٍ لافت.
وحينها، سيتمكّن من متابعة خطّة حياته التي رسمها لنفسه من جديد كلّ ما عليه هو الانتظار بضع سنواتٍ فحسب……
وبهذا الأمل الواحد، تحمّل جا تشيونغ ريونغ منصب الحاكم، رغم أنه لا يلائم طبيعته.
زوجة أخيه، التي ورثت وصيّته، كانت تطمح إلى حربٍ لا تنتهي، وكان ذلك يرهقه ومع ذلك، حين فكّر أنّ كلّ هذا من أجل تسليم العرش إلى ابن أخيه في نهاية المطاف، لم يستطع أن يعبّر عن اعتراضه بقوّة.
“حين يبلغ صاحب السموّ وليّ العهد سنّ الرشد……”
“مهلًا! والملك الحالي يؤدّي واجبه على هذا النحو المشرّف، فكيف تجرؤون على التفوّه بمثل هذا الكلام؟”
“لكنّ الشرعيّة، أليست في صاحب السموّ وليّ العهد؟”
“أيّ شرعيّة هذه؟ إنّ الملك الحالي هو جا تشيونغ ريونغ بنفسه، فكيف يُناقَش أمر الشرعيّة؟!”
غير أنّ المشكلة كانت أنّ عدم تعلّقه بالعرش لا يعني شيئًا ما دام الوزراء لا ينظرون إليه بالطريقة نفسها.
فقد كان نموّ ابن أخيه يستغرق وقتًا طويلًا، ومع مرور الزمن بدأ الوزراء يتنازعون: أيّهما أحقّ بالعرش؟ ابن جا هونغ وون، أم الملك الحالي جا تشيونغ ريونغ؟
كان ذلك وضعًا بالغ الإحراج بالنسبة إليه فقد كان عازمًا على تسليم العرش إلى ابن أخيه، لكن هل يُعقل أن يطالب الناس، وهو جالس على العرش، بالكفّ عن دعمه؟
لذلك، لم يفعل سوى التأكيد أمام الوزراء أنّ ابن أخيه هو وريثه الشرعي.
فقد كان قد جرى تبنّي ابن الأخ رسميًّا ومنحه منصب وليّ العهد، ضمانًا لانتقالٍ سلسٍ للسلطة.
لكن حتى هذا الأمر لم يمنع الوزراء من الاقتتال.
فمنهم من رأى في ذلك تثبيتًا لشرعيّة وليّ العهد، ومنهم من فسّره كتهديدٍ بأنّ وليّ العهد، بوصفه الوريث، لن يتسلّم العرش إلّا بعد زمنٍ طويل.
ومع ذلك، ورغم استمرار الخلافات، كان واثقًا من قدرته على السيطرة عليها لو أُتيح له الوقت الكافي فقط.
لكن حينها… وقع ذلك الحدث.
“جلالتك ، لقد تُوفّي صاحب السموّ وليّ العهد فجأة.”
ابن أخيه، الذي كان يقيم في مقرّه الخاص رغم حصوله على لقب وليّ العهد لأسبابٍ متعدّدة، مات فجأة.
وكان الأسوأ أنّ ذلك تزامن مع عودة زوجة أخيه من ساحة المعركة.
كيف يكون شعور المرء حين يموت ابنه الذي لم يكن يراه كثيرًا، أمام عينيه مباشرة؟
انطلق على عجلٍ إلى المقرّ الخاص لتعزيتها.
ففي ذلك الوقت، كانت علاقته بزوجة أخيه أوثق من أيّ علاقة دمٍ أخرى؛ هو يدير شؤون الداخل بصفته ملكًا، وهي تقود الفتوحات في الخارج.
لكنّها قالت له، حين وصل
“الآن زالت جميع دواعي القلق، يا جلالة الملك لا داعي للخشية بعد اليوم.”
في تلك اللحظة، أدرك الحقيقة إدراكًا صاعقًا.
لماذا مات ابن أخيه تحديدًا في الوقت الذي عادت فيه زوجة أخيه؟
ولماذا عادت فجأة، بعد أن بدا وكأنّها متجذّرة في ساحات القتال؟
لقد عادت… لتقتل ابنها بنفسها.
فالجنرالات في الميدان كانوا قد بدأوا هم أيضًا بالانقسام إلى فِرَقٍ متناحرة ولم يكن بالإمكان توحيد الصفوف بسبب الصراعات.
ولو اهتزّ موقعه، لتزعزعت شؤون الحكم الداخلي كذلك.
أي أنّ زوجة أخيه كانت ترى أنّ الدولة التي تركها زوجها أهمّ من ابنها الذي أنجبته من رحمها.
وكان توحيد تلك الدولة وتحقيق وصيّة زوجها هو الأهمّ لديها فوق كلّ شيء.
حين أدرك ذلك، ارتجف جسده بأكمله.
ففي وضعٍ مات فيه صاحب الشرعيّة الأقوى، هل بقي له طريقٌ للخروج من العرش؟
حتى لو سلّم العرش لابن أخيه، لاندلعت الفتن فكيف إن سلّمه لطفلٍ أقلّ شرعيّة منه؟
كان واضحًا أنّ البلاد ستغرق في الفوضى.
وهل كانت زوجة أخيه لتسمح بذلك؟ قطعًا لا.
إن كانت قادرة على قتل ابنها من أجل تركيز السلطة، فقتل صهرها أهون من ذلك بكثير.
ومنذ ذلك اليوم، تخلّى عن الحلم الذي كان يتمسّك به طويلًا.
فالتخلّي الطبيعي عن العرش والعودة إلى حياةٍ هادئة، كانت في الأصل معدّة له، لم تكن سوى رفاهيةٍ محرّمة.
انتهت الصراعات بين الفِرَق، ولم يبقَ أمام الوزراء خيارٌ سوى إعلان ولائهم له.
ومع انعدام أيّ مخرج، واصل الجيش الحرب بانضباطٍ صارم تحت قيادة زوجة أخيه.
توسّعت البلاد بسرعةٍ هائلة، وقضى هو حياته بأكملها في الموازنة اليومية، بعزمٍ دائم، بين المناطق التي جرى ضمّها حديثًا وأولئك الذين ظلّوا أوفياء للعائلة منذ البداية.
كان ذلك عملًا يُنجَز بالمخاطرة بالحياة، ولذلك بدا محتملًا إلى حدٍّ ما.
ومع استمرار الخوف المهدِّد للحياة، خفّ وقعُه مع الزمن.
بل وبدأ يشعر، أحيانًا، أنّها ليست حياةً سيّئة إلى هذا الحد.
فهو، على أيّ حال، أصبح ملكًا يتمتّع بسلطةٍ مطلقة.
وإن استمرّ الأمر على هذا النحو، ألن يصبح من الممكن إعلان نفسه إمبراطورًا؟
صحيح أنّ المسار مختلف عمّا كان يريده في البداية، لكنّها ليست حياةً سيّئة.
غير أنّ تلك الحياة انقلبت رأسًا على عقب مرّةً أخرى، مع موت زوجة أخيه.
“جلالتك ، لقد توفّيت جلالة الملكة الأم.”
لو كانت قد قُتلت في ساحة المعركة، لربّما كان الأمر متوقّعًا.
لكن سبب موتها كان مرضًا متفشّيًا في تلك البلاد.
ولمنع انتشار العدوى، لم يُعاد جسدها كاملًا.
بل أُحرقت في المكان نفسه، ولم يُعاد سوى رمادها.
وحين دُفن الرماد إلى جانب قبر أخيه، لم يشعر حتى بالحزن.
كلّ ما فكّر فيه… هو ما سيأتي بعد ذلك.
فالتمدّد العنيف الذي حقّقوه لم يكن ممكنًا لولا وجود أخيه، ثم زوجة أخيه من بعده.
تلك الشخصية الطاغية، الإله الحيّ في ساحات القتال.
فماذا سيحلّ بالحرب، الآن وقد اختفى ذلك الوجود؟
لا يمكن إيقاف الحرب.
فكلّ الدول المتبقّية كانت تضمر لهم العداء.
ولو توقّف الفتح، لاندلعت الثورات حتى في المناطق التي ضُمّت سابقًا.
لكن هل يمكن مواصلة الحروب كما في السابق؟
من دون إله الحرب ذاك… هل يمكن الحفاظ على أسطورة الانتصار الدائم؟
كان موقفًا لا تقدّم فيه ولا تراجع.
“لقد أُحرز نصرٌ ساحق، يا جلالة الملك.”
في تلك اللحظة بالذات، عادت لتتدخّل في حياته من جديد.
لي بايك ريون، الرئيسة السابقة لأسرة لي كانت قد تنحّت عن منصبها حين عجز هو عن إدارة شؤون الأسرة، ثم تزوّجت، ثم عادت إليه من جديد.
بتلك الشفاه نفسها التي قالت يومًا إنّ الإخلاص لأسرة جا مستحيل، أقسمت الآن على الولاء، وصرّحت بأنّها ستفعل من أجله أيّ شيء.
وهو…… كان يعلم.
كان جا تشيونغ ريونغ يعلم أنّ لي بايك ريون قادرة على تحقيق ذلك.
فالسنوات التي قضياها معًا كانت كافية لتعلّمه ذلك لم تعلّمه لي بايك ريون آداب الشاي فحسب، بل علّمته أشياء لا تُحصى، وكان من بينها التكتيكات العسكرية وأساليب القتال.
ولأنّه لم يكن يفهم تمامًا مدى عظمة أخيه وزوجة أخيه، فقد تولّت لي بايك ريون شرح استراتيجياتهما له شرحًا مبسّطًا، رغم أنّها لم تلتقِ بهما ولو مرّة واحدة.
لذلك، كان يعرف أنّ لديها موهبة حقيقيّة.
صحيح أنّها موهبة لم تُختبر رسميًّا، لكنّ الحقيقة أنّه لم يكن بين من ثبتت كفاءتهم حتّى الآن من يستطيع حلّ هذه الأزمة.
“أعيّن لي بايك ريون قائدًا أعلى، وآمرها بحملة القضاء على الدولة الغربيّة وعلى الجميع الامتثال لأوامر القائد الجديد ومساندتها.”
وهكذا، أودع بين يديها مصير الدولة، فأنقذته.
الدول الأخرى، التي كانت تترقّب سقوطهم بعد وفاة إله الحرب، انهارت عزيمتها أمام ظهور إله حربٍ جديد، فخضعت.
وعلى خلاف زوجة أخيه التي لم تكن تقبل الاستسلام، كان القائد الجديد يتقبّله بسخاء.
“ينبغي توظيف من يخضعون طوعًا فإذا أدركوا أنّ الخضوع لجلالتك هو الخيار الأفضل، فلن يثيروا الفتن.”
طرحت سياسة احتواء متسامحة، وهو قبل اقتراحها.
والدولة التي كانت مُرقّعة على عجل بدأت شيئًا فشيئًا تتوحّد.
“لقد آن الأوان لتُعلن نفسك إمبراطورًا.”
حين استقرّ الوضع نسبيًّا، نصحه الوزراء باعتلاء مرتبة الإمبراطور فالتربّع على مقامٍ أعلى من الملك من شأنه أن يُحطّم معنويات الدول المتبقّية.
وكان على وشك قبول ذلك الرأي، حين قدّمت لي بايك ريون اقتراحًا آخر.
“ما زلت بلا زوجة، يا جلالة الملك والوقت مناسب الآن أرى أنّه من الصواب، مع إعلان الإمبراطوريّة، أن تعقد قرانك وتُنصّب إمبراطورة إلى جانبك.”
كانت نصيحة منطقيّة.
كان جا تشيونغ ريونغ في الثلاثين من عمره، وفي الحقيقة، كان من غير المعقول أصلًا أن يبقى دون زواج حتّى ذلك الحين.
لكنّ كون لي بايك ريون بالذات هي من قالت ذلك… أشعره بخيانةٍ عميقة.
كيف لها؟
كيف تجرؤ على قول ذلك له؟
كان واثقًا بوجود شيءٍ ما بينه وبين لي بايك ريون.
صحيح أنّها كانت قد تزوّجت حين التقيا مجدّدًا، لكنّ ذلك كان نتيجة الظروف.
فالوقت مضى وهو على العرش دون أن يمنحها أيّ يقين لا بدّ أنّ الانتظار كان شاقًّا.
وبعد أن تمّ الزواج، لم يكن الطلاق ثم الزواج به أمرًا سهلًا هكذا كان يفسّر الأمر.
لكن، رغم ذلك كلّه، أكان من اللائق حقًّا أن تتحدّث هي عن زواجه؟
قد يكون كلامًا طبيعيًّا يصدر عن تابعٍ لسيّده، لكن العلاقة بينهما لم تكن مجرّد علاقة حاكمٍ ورعيّة.
التعليقات لهذا الفصل " 78"