في الأصل، كنا نعتزم إعلان خطوبتنا في حفلة ما قبل المهرجان.
لكن بما أنّ حادثة غير مستحبّة قد وقعت، عدّلنا الخطة: نترك في حفلة ما قبل المهرجان انطباعًا حسنًا أولًا، ثم نُلهب حماسة النبلاء عبر مهرجان الصيد، وبعدها نُعلن الخطوبة في حفلة ما بعد المهرجان.
وبناءً على تلك الخطة، ارتدى الدوق الأكبر وأنا ملابس أنيقة كأننا دميتان مزخرفتان، وأدّينا واجبنا بأن نقف بهدوء طوال الحفل، أشبه بزينة ثابتة في قاعة الاحتفال.
كان ذلك تكتيكًا محسوبًا؛ فمظهر الدوق الأكبر ومظهري لا بأس بهما، وكلما طال تعرّضنا للأنظار زادت فرص الحصول على ردود فعل إيجابية.
وهكذا، بعد يومٍ كامل من الابتسام كالدُّمى، وفي ليلة حفلة ما قبل المهرجان، فرشتُ الملابس التي سأرتديها غدًا، والفِخاخ التي سأحملها، وبقية المستلزمات، ثم بدأت أراجع الخطة للمرة الأخيرة.
“الأهداف ثلاثة.”
أولًا: تأمين وحش أقدّمه قربانًا لـليانا.
ثانيًا: السعي للفوز بجائزة أكبر عدد من طرائد الصيد.
ثالثًا: استدراج هجوم الأعداء.
أما الهدف الأول، فهو سبب مشاركتي في مهرجان الصيد من الأساس، ولا حاجة للإسهاب فيه.
وأما الثاني، فهو تحصيل حاصل ما دمت سأفعل، فلمَ لا أطمح إلى القمة؟
في مهرجانات الصيد، ينشغل معظم الناس بمقارنة حجم الطرائد أو مدى شراستها، لذلك قلّة فقط تتعمد استهداف جائزة أكبر عدد من الطرائد.
ولهذا، يكون انتزاع المركز الأول سهلًا نسبيًا، والأفضل من ذلك أنّ فوزي لن يثير انتباهًا مفرطًا.
ثم نأتي إلى الهدف الثالث، وهو الأهم في الحقيقة، هذا أمر لا يمكن فعله إلا الآن بالذات
أن أجعل أولئك الذين يحملون الضغينة نحوي يهاجمونني بأنفسهم.
فالحقد، بطبيعته، يتدفّق من الأعلى إلى الأسفل، تمامًا كالماء.
كما أنّ ليانا تمكّنت من الاحتفاظ بلقب الإمبراطورة بسبب الإمبراطور، ومع ذلك لم يكن أحد يلوم الإمبراطور نفسه.
وكما أنّهم يفرغون غضبهم لعدم قدرتهم على انتزاع لقب الإمبراطورة من ليانا العاقر في الدوق الأكبر الأصغر سنًا.
والآن، سيوجّه الجميع أنظارهم نحوي فأنا الهدف الأسهل على الإطلاق.
لم أُظهر قدراتي من قبل، ونَسَبي يعود إلى عائلة ملكية في دولة صغيرة.
وفي نظر أولئك الباحثين عن متنفس لغضبهم، لن أكون سوى صبية محظوظة علّقت نفسها برعاية الدوق الأكبر.
بالنسبة لهم، يُعدّ مهرجان الصيد فرصة ثمينة لتفريغ غيظهم قبل أن أُثبَّت رسميًا في منصب الدوقة الكبرى.
فحتى لو لم يفصل سوى يوم واحد، فإن العبث بدوقة كبرى يُعدّ إهانة للأسرة الإمبراطورية، أما مضايقة “رفيقة لعب” الدوق الأكبر، فلا يوجد نص رسمي يعاقب عليه.
وفوق ذلك، فإن موقفي بات هشًّا بسبب ذلك الثنائي الخائن، أفلا أبدو هدفًا سهلًا إلى أبعد حد؟
بطبيعة الحال، ما يخططون له لن يتجاوز مضايقات تافهة حقًا.
فالإضرار بأقوى مرشحة لمنصب الدوقة الكبرى أمر لا يجرؤ أحد على تحمّل تبعاته.
ربما يرعبونني فجأة، أو يدفعونني إلى الماء، أو يلطخون ملابسي.
ألاعيب صبيانية تافهة، يمكن الشكوى منها للدوق، لكنها في نظرهم مجرد مزحة قد تُبكي فتاة صغيرة من شدّة الإهانة.
ولذلك، سيظنون أنّهم لن يتركوا أثرًا، وأنّ الأمر لن يصل إلى مسامع العائلة الإمبراطورية، وبالتالي لن يُعاقَبوا.
لكن هذا مجرد ظنّ من جانبهم.
أما أنا، فما دمت مستعدة، فسأتمكن من الإمساك بالدليل مهما كانت المضايقة بسيطة.
“وما إن يتوفر لي المبرّر، أستطيع قلب الرأي العام.”
بسبب توقيت فضيحة ذلك الثنائي الخائن القريب جدًا من مهرجان الصيد، لم أحصل على وقت كافٍ لقلب الرأي العام.
لكن هذا يعني، بعبارة أخرى، أنّ الرأي الذي يُحمّلني مسؤولية الحادثة لم ينتشر بعد على نطاق واسع.
وفي هذا التوقيت بالذات، سأكشف أولئك الذين تجرؤوا على مضايقتي، وأُفجّر القضية على نطاق كبير.
سيكونون بالتأكيد لا على صلة بابن عائلة ماستيرا ولا بابنة عائلة ستارتي وبذلك، وقبل أن يُلصق بي وصف “من اضطهدت العاشقين التعساء”، سأرتدي صورة “الفتاة المسكينة التي عانت من تعسّف نبلاء الإمبراطورية”.
وعندها، حتى لو حاول أحد إلقاء اللوم عليّ، فسينتهي به الأمر مُصنَّفًا ضمن المتواطئين مع القوى التي حاولت تشويه سمعة الدوقة الكبرى خلال حفلة تقديمها الاجتماعي.
وفي تلك الأثناء، سأُعيد الآنسة ستارتي إلى وطنها، وأُبعد ابن ماستيرا إلى إحدى الولايات، وبذلك يختفي الوقود الذي أشعل حادثة الانتحار المزدوج.
“يبدو أنّ الغد سيكون حافلًا بالنتائج على أكثر من صعيد.”
وبغضّ النظر عن صيد الوحوش، كنت واثقة من نفسي حين يتعلّق الأمر بصيد البشر.
فلم ينجح أي خصم سياسي في إسقاطي حتى الآن.
ولذلك، رتّبت تجهيزات الغد وأنا أترقّب نتائج صيد البشر أكثر من صيد الوحوش.
***
“كم عدد الفِخاخ التي حملتِها على وجه التحديد؟ أرجوكِ، احرصي على نصبها في أماكن لا يمكن أن يقع فيها إنسان.”
في يوم مهرجان الصيد، وحين واجهني الدوق الأكبر، ألقى نظرة على حجم الأمتعة التي أحملها ثم أسدى إليّ نصيحته بوجهٍ مثقل بالقلق.
في الحقيقة، كان نصف تلك الأمتعة لا يضم فِخاخًا، بل أدوات إسعاف ومناشف وأغراضًا أخرى أعددتُها تحسّبًا للفِخاخ التي قد ينصبها خصومي، لكنني اكتفيتُ بالابتسام.
فلا حاجة لأن يعرف الدوق الأكبر خطتي كاملة.
فهذه الأمور، في الأصل، يتكفّل بها التابعون سرًّا بعيدًا عن أنظار السادة.
“لا تقلق ، فالناس لا يُحتسبون ضمن عدد طرائد الصيد، لذلك لن أصطادهم.”
“يا له من تصريح يبعث على الاطمئنان.”
وبينما كنا نتبادل هذا الحديث على ظهور الخيل، كان الإمبراطور في المقدّمة يلقي خطاب الافتتاح.
“ليُظهر كلٌّ منكم مهارته!”
وبعد خطاب افتتاحي قصير غير مطوّل، أُعلن رسميًا بدء مهرجان الصيد وبينما انطلق الجميع على خيولهم جماعاتٍ متفرّقة، سألني الدوق الأكبر للمرة الأخيرة
“أنتحرّك معًا؟”
ارتسمت على شفتيّ ابتسامة رقيقة، ونطقتُ برفضٍ مهذّب
“أخشى أن أكون عبئًا على سموّ الدوق.”
وبالطبع، لم يكن من الممكن أن نسير معًا.
فمن ذا الذي يعضّ الطُعم إن علم بوجود الخطّاف المخبّأ فيه؟
لم يكن ليعلم حقيقة ما أضمره، لكن يبدو أنّ رغبتي في الانفصال قُبلت على أي حال، إذ حدّق بي للحظة ثم قال بصوتٍ أقرب إلى الهمس
“كوني حذرة، فهذه أوّل مشاركة لكِ في مهرجان صيد.”
قد يكون مهرجان الصيد هو الأوّل، لكن الصيد نفسه خبرتُه حتى الملل، سواء كان صيد الوحوش أم صيد البشر.
فأجبتُ بابتسامة وادعة
“سأحرص على ألّا أتعمّق كثيرًا.”
“حسنًا، لن تتصرّفي بطيش.”
مدّ الدوق الأكبر يده ولمس طرف أذني كان الموضع الذي يعلّق فيه عادةً شريطًا أو زينة، لكنه تعمّد اليوم أن يتركه خاليًا.
“قلتِ إنكِ لا تحتاجين إلى وحوش، فماذا عن زهرة؟”
“إن قطفت واحدة من أجلي، فسيكون ذلك شرفًا عظيمًا لي.”
“حسنًا، سأقطف لكِ زهرة كبيرة تليق بتزيين شعرك.”
لم أكن أعلم إن كانت هذه الغابة تضمّ أزهارًا أصلًا، لكن لا بأس إن لم نجد.
مددتُ يدي لأتأكد من أنّ الأمتعة المعلّقة خلف السرج مثبتة بإحكام، ثم حثثتُ جوادي على الانطلاق.
***
كنتُ أعرف جيّدًا، إلى حدٍّ يبعث على السأم، كيف تُصاد الوحوش بالفِخاخ.
فالفِخاخ، بطبيعتها، وسيلة صيد تعتمد على الزمن؛ إذ تحتاج إلى وقتٍ كافٍ حتى تؤتي ثمارها، ولهذا فهي لا تلائم الصيد السريع قصير الأمد.
لكن هذا مهرجان صيد.
ومن أجل إذكاء حماسة المشاركين، يُطلق عدد كبير من الوحوش، ويجوب الصيّادون الغابة من كل صوب، فيثيرون الاضطراب هنا وهناك، فتزداد حركة الوحوش وتقلّ درجة حذرها.
وبعبارة أخرى، إذا اختير المكان بعناية، يصبح من الممكن اصطياد الوحوش بالفِخاخ خلال ساعات قليلة لا أكثر.
كنتُ أمتطي جوادي وأطوف بالغابة ببطء وكما قال الدوق الأكبر، لا يصحّ أن يقع جواد طائش أو كلب صيد في الفِخاخ، لذلك تعمّدتُ اختيار فِخاخ صغيرة.
أما من جهة صيد الوحوش، فالمهم هو أداء طقس تقديم وحش إلى ليانا ، لا حجم الطريدة بحدّ ذاته.
فسنجاب أو أرنب سيكونان كافيين ثم إن ما أطمع إليه أصلًا هو نيل المركز الأول في عدد الطرائد، لذا فإن السعي وراء طرائد كبيرة قد يكون ضررًا أكثر منه نفعًا.
“هذا المكان مناسب.”
وبالنسبة للسناجب، فإن نصب الفِخاخ على أغصان الأشجار العليا فكرة لا بأس بها أيضًا.
نصبتُ فخًّا على غصن شجرة في متناول يدي وأنا على ظهر الجواد، ثم وضعتُ علامة على الخريطة كان تحديد الموقع أمرًا بالغ الأهمية، إذ كان عليّ أن أعود قبل انتهاء المهلة لأتأكد مما إذا كانت الطريدة قد وقعت أم لا.
وبعد أن وزّعتُ الفِخاخ على الأشجار وعلى الأرض بتوازن، لم يبقَ إلا انتظار أن يعثر خصومي عليّ.
“لِمَ لا أتجوّل قليلًا في الجوار؟”
لم يكن من الحكمة إضاعة الوقت، ولأجل الصيد أيضًا، كان من الأفضل أن أبقى في مكان هادئ ومنعزل.
بهذا التفكير، بدأتُ أقود جوادي ببطء، متعمّدةً اختيار المناطق التي يُستبعد وجود الوحوش فيها كان منظر الغابة الغنّاء، المفعمة بالخُضرة، كفيلًا بتهدئة النفس.
حتى لو فشلتُ في صيد البشر، فإن هذا الهدوء وحده كفيل بأن يجعل مشاركتي في مهرجان الصيد ذات قيمة.
“…هل أنزل عن الجواد تمامًا؟”
بعد التفكير، بدا لي أنّ البقاء على ظهر الجواد قد يصعّب على الطرف الآخر تنفيذ أي مزحة فغلطة صغيرة قد تؤدي إلى السقوط، وسقوط طفل بهذا الحجم عن ظهر حصان غالبًا ما يخلّف إصابات جسيمة.
نعم، من الأفضل أن أترجّل وأتظاهر بأنني ألهو بقطف الأزهار.
وبعد أن حسمت أمري، نزلتُ عن الجواد وربطتُ لجامه ربطًا مناسبًا.
حسنًا، سأذهب إلى مكان مفتوح واسع الرؤية، كالسهل مثلًا، وأتظاهر بالتسكّع هناك…
وبينما كنتُ أجري هذه الحسابات، مرّ سهمٌ بمحاذاة أذني، شاقًّا الهواء بجانبي.
التعليقات لهذا الفصل " 75"