—من مجرى الأمور يتبيّن أنّ كلّ شيء كان يسير على ما يُرام.
كنت أشارك في موائد العشاء الإمبراطورية، وأُعامَل معاملة دوقة كبرى على نحو غير رسمي.
وبفضل الأثر الذي تركه توبيخي الصريح لماركيز تشيس—سواء لأنّ الجميع آثر الصمت بعد ذلك، أو لأنّ خطّة الدوق الأكبر وأنا أتت بثمارها على نحوٍ مفرط—فقد هدأت شائعة الخلاف بيننا.
أما ثنائي الخيانة الأشهر، الذي ظلّ يصدّع رأسي طوال تلك المدة، فقد تولّت الإمبراطورة الأرملة أمره بالكامل؛ وكانت تقول إنّها تنسّق الأمور على نحوٍ جيّد بين مملكة دالين، وعائلة ميليك، وعائلة ماستيرا.
حقًّا، كانت مسائل كثيرة أثقلت كاهلي تُحلّ واحدةً تلو الأخرى على مهل.
وإذا أُقيم مهرجان الصيد على هذا النحو، وأُعلن عن الخطوبة، فلن يمضي وقت طويل حتى أستطيع الاحتماء بالأكاديمية، فأقضي بضع سنواتٍ من الراحة والفراغ.
في تلك اللحظة التي كنت أراقب فيها مستقبلًا متفائلًا على هذا النحو… بلغني ذلك الخبر.
”ماذا؟“
لم يكن لأنّي لم أسمع الكلام على نحوٍ صحيح، ولا لأنّ فهمه كان عسيرًا؛ بل لأنّ تقبّله كان صعبًا فحسب.
أعادت تولا الكلام ووجهها شاحبٌ كالثلج.
”يقال إنّ الآنسة ستارتِي والنبيل الشاب من عائلة ماستيرا حاولا الانتحار معًا ولحسن الحظّ فشلت المحاولة، لكنّ كليهما في حالة فقدان للوعي.“
حتى بعد سماعه مرّةً أخرى، ظلّ الكلام غير قابلٍ للتصديق: مبعوثة سلام من دولةٍ أجنبية، وخطيبُ نبيلةٍ إمبراطورية، ومحاولة انتحارٍ مزدوج.
”لقد جُنّوا فعلًا.“
لم يكن هذا كلامًا يمكن أن يُقال لو كان في المكان أحدٌ غير تولا، لكن مجرّد خروجه من فمي بصوتٍ مسموع كان كافيًا ليدلّ على مقدار ذهولي.
كان مجرّد سماع الأمر كفيلًا بأن يُصدِع الرأس.
”تحقّقي فورًا إن كان بالإمكان مقابلة سموّ الدوق الأكبر اليوم… حالًا آه، لا سأذهب مباشرةً إلى قصر ضوء النجوم.“
”نعم، حاضر.“
كنت أحرص دائمًا على ارتداء ملابس مرتّبة، فلم تكن هناك حاجة لتبديل ثيابي من أجل لقاء الدوق الأكبر.
وترقّبًا لأيّ طارئ، أبقيتُ تولا في القصر، وخرجتُ بملابسي نفسها بعد أن أُعدّت العربة، متوجّهةً إلى قصر ضوء النجوم حيث يقيم الدوق الأكبر وكما توقّعت، كان المكان هناك أيضًا يعجّ بالاضطراب وهذا طبيعي.
شعرتُ بشيءٍ من الاعتذار لانشغاله، لكنّ الأمر عندي لم يكن أقلّ إلحاحًا فاتّجهتُ مباشرةً إلى كبير الخدم، وقد كان وجهه مألوفًا لديّ، وسألته
”أودّ لقاء سموّ الدوق الأكبر، هل هذا ممكن؟“
كان كبير الخدم يبدو مشتّت الذهن من شدّة الانشغال، ومع ذلك التزم أقصى درجات الاحترام معي.ج فانحنى سريعًا، ثم قادني إلى الداخل.
”……سريعون في الحركة، لم يمضِ سوى قليلٍ على نقل الخبر.“
كان من في الداخل هو الدوق الأكبر، بملامح عصبية نادرًا ما رأيتها عليه.
وعلى وجهه، الذي كان أصلًا بالغ الدقّة في ملامحه، انعكست مشاعر رقيقة ومعقّدة، فأضفى ذلك عليه هالةً هشّة، كأنّه على وشك الانكسار في أيّ لحظة.
”رأيتُ أنّ من الأفضل أن آتي بنفسي لنبحث في التدابير المقبلة هل يليق هذا بك ؟“
”آه، أجل لم نعد، أنتِ وأنا، نستطيع الادّعاء بأنّنا غرباء عن الأمر —ما رأيك أن نتحدّث على كوبٍ من الشاي؟ استيقظتُ باكرًا هذا الفجر، ورأسي يؤلمني.“
وبسبب الصداع، عقد الدوق الأكبر حاجبيه قليلًا فأمرتُ كبير الخدم، الذي كان لا يزال واقفًا خلفي، بإحضار الشاي، ثم تقدّمتُ إلى داخل الغرفة.
”هل تسمح لي بأن ألمس جلالتك قليلًا؟“
”وما الذي ستفعلينه حتّى تطلبي الإذن بكلّ هذا التكلّف؟ أنتِ مأذونٌ لكِ دائمًا، أتعلمين.“
إن كان لا يزال يملك متّسعًا للمزاح، فذلك يعني أنّ الوضع ليس بالغ الخطورة مددتُ يدي ودلّكتُ رأسه برفق؛ فالضغط على نقاط الرأس يخفّف الصداع.
وبعد أن كان منشغلًا بشيءٍ ما، أغمض الدوق الأكبر عينيه.
”يبدو أنّكِ تواظبين على تدريب المبارزة بجدّ، فقوّة قبضتك لا بأس بها، مع أنّ يدك صغيرة.“
”أليس جيّدًا أنّها تبدو مناسبةً لي؟“
وبينما كنت أواصل التدليك قليلًا، طرق كبير الخدم الباب سريعًا لا بدّ أنّه أبقى الشاي جاهزًا في كلّ حين، بما أنّ الدوق الأكبر كان مستيقظًا منذ الفجر يعالج الأمور.
سحبتُ يدي فورًا وجلستُ في المقعد المقابل له قُدّم الشاي الساخن، ووضع كلٌّ منّا عددًا من مكعّبات السكر أكثر من المعتاد.
وبعد أن فرغنا من نحو نصف الكوب، فتح الدوق الأكبر فمه أخيرًا ببطء.
”بادئ ذي بدء، خبرٌ جيّد واحد حالتهما ليست خطيرة إلى ذلك الحدّ لقد تناولا سمًّا، لكن لحسن الحظّ تبيّن نوعه بسرعة، فأُعطي الترياق على الفور.“
آه، اللعنة كدتُ أطلق شتيمةً دون أن أشعر، لكنّي ابتلعتها مع رشفةٍ من الشاي الساخن.
قلتُ إنّني لا أريد تسميم الآنسة ميليك، فإذا بها تبتلع السمّ بنفسها؟ ثم إنّ انكشاف نوع السمّ سريعًا وإتاحة الوقت لإعطاء الترياق يعنيان أنّهما لم يكونا عازمَين على الموت منذ البداية.
فبمستوى مهارة الآنسة ستارتِي الحالي، كان بوسعها صنع سمٍّ فوريّ المفعول، ولو صنعت السمّ بنفسها لاستطاعت طمس آثاره بحيث يتعذّر تحديد نوعه.
عندها كان الانتحار المزدوج سينجح بسهولة.
إذًا هو استعراضٌ بالحياة أهذا ما يفعله من بلغ منتصف العشرينات؟ لم أستطع إلّا أن أُصاب بالذهول.
”أسرة بارون ميليك رفضت فسخ الخطبة آخذةً برأي الآنسة ميليك على نحوٍ حاسم وبالنسبة لعائلة ماستيرا، لم يكن أمامها إلّا أن تطأطئ الرأس، فمارست الضغط على النبيل الشاب أمّا مملكة دالين، فلمّا سمعت بالظروف قالت إنّها ستستدعي الآنسة إلى الوطن —وفق الخطة الأصلية، كان من المفترض بعد انتهاء مهرجان الصيد مباشرةً، وخلال انشغال المجتمع الأرستقراطي بضجّة خطوبتنا، أن تعود الآنسة بهدوءٍ إلى وطنها، وأن ينزل النبيل الشاب مع الآنسة ميليك إلى الأقاليم بذريعة الاستشفاء، فلا يعودان حتّى تخمد الشائعات.“
كان تصرّفًا أحمق بحقّ.
”لم يكن خيارًا حكيمًا لو حاولوا كسب قلب الآنسة ميليك لكان احتمال النجاح أكبر.“
لكنّي انتقيتُ كلماتي، إذ إنّ التعبير الصريح على هذا النحو كان فظًّا أكثر من اللازم.
غير أنّ ابتسامةً باهتة ارتسمت على وجه الدوق الأكبر وهو ينظر إليّ، ما دلّ على أنّه يفكّر بالطريقة نفسها.
هو أيضًا لا يعتقد أنّهما كانا يريدان الموت حقًّا ولذلك لا يولي محاولة الانتحار هذه أيّ معنى إنّها مجرّد نوبة تذمّرٍ طائش.
فمنذ البدء، قد تتسامح عائلة ماستيرا مع نزق ابنها، أمّا مملكة دالين فلن تغيّر قرارها بسبب محاولة انتحار ، فلو كانت مملكة دالين تقدّر الآنسة ستارتِي فعلًا، لما جعلتها رهينة من الأصل.
وعليه، فليس الأمر سوى تأجيلٍ للفراق قليلًا متى ما تعافت، ستستدعيها مملكة دالين إلى الوطن لن يتغيّر شيءٌ في وضعهما.
لكنّنا نحن… أصبحنا في مأزقٍ مُربِك.
”في هذا الشأن، يبدو أنّ عليّ أن أقدّم لكِ اعتذارًا كان ينبغي لي أن أطلب من والدتي الإمبراطورة الأرملة تدخّلها في وقتٍ أبكر.“
فشائعة الخلاف هذه، في أصلها، امتدّت من علاقة الخيانة بين النبيل الشاب من عائلة ماستيرا والآنسة ستارتِي
وهذا يعني أنّ المجتمع الأرستقراطي كان يعلم أنّني والدوق الأكبر تدخّلنا في الأمر بين هذين الاثنين.
وفي مثل هذا الوضع، تقع محاولة انتحارٍ مزدوج؟ إنّها تهمة جاهزة لتوجيه أصابع الاتهام إلينا بل لعلّ الدوق الأكبر، بما أنّه هو من اقترح فسخ الخطبة، سيبقى بعيدًا عن اللوم، بينما ستركّز الآراء العدائية عليّ أنا.
ثم إنّ تولّي الإمبراطورة الأرملة لهذا الملفّ في وقت وقوع محاولة الانتحار لم يكن في صالحي أيضًا فبما أنّه لا يجرؤ أحد على توجيه اللوم إليها، فإنّهم سيحاولون تحميل المسؤولية لي أنا من بابٍ أولى.
”لا، إن كان الأمر كذلك، فالأجدر أنّني لم أتدخّل في هذه القضية من الأساس.“
ربّما لأنّ منصبًا رفيعًا كان ينتظرني، كان عليّ أن أعترف بأنّني تصرّفت بما لا يليق بعمري ولا بموقعي الحالي.
فحتى وإن كنت قد مضيتُ في خطوبةٍ شفوية مع الدوق الأكبر، وحتى وإن كان منصب الدوقة الكبرى لا يختلف عمليًّا عن منصب الإمبراطورة المقبلة، فإنّ هويّتي الرسمية حتى هذه اللحظة لا تتجاوز كونِي رفيقة لعب للدوق الأكبر.
وفوق ذلك، فعمري نفسه صغيرٌ جدًّا للدخول في نزاعاتٍ عاطفية كهذه.
وكان يكفي أن أرى كيف أنّ من حولي تعمّدوا إخفاء هذا الملفّ عنّي لأدرك ذلك وحتى لو أنّ الدوق الأكبر ألمح لي بالأمر تلميحًا، فقد كان بوسعي أن أتظاهر بالجهل حتى النهاية.
لكنّ شعوري بأنّ عليّ تحمّل مسؤولية احتواء هذه الفوضى لم يكن، في نهاية المطاف، سوى أثرٍ باقٍ من حياتي السابقة.
”كانت خطوتي الأولى غير موفّقة.“
لو أنّني لم أشعر بذلك الإحساس الغريب بالمسؤولية آنذاك، لما نشأت بعض المشكلات التي ترهقني الآن.
ولما كنتُ قد أصبحت سببًا في إشاعة الخلاف، ولما تجرّأتُ في هذه القضية أيضًا على إهانة فردٍ من السلالة الإمبراطورية من أجل ثنائيّ خيانة؛ وربّما كان هذا الأمر كلّه قد طُمس في صمت.
وبالطبع، لا أظنّ أنّ كلّ هذه المشكلات خطئي وحدي.
فحتى من دون هذه الشرارة، كان سيبقى من يكرهني على حاله، ومن يرغب في إقصائي عن منصب الدوقة الكبرى موجودًا كما هو.
لكنّ المشكلة… هي الذريعة.
كوني منحتُ من يريدون شتمي ذريعةً لسبّي بسبب خطأٍ ارتكبته بيدي، جعل طعم المرارة يعلو في فمي فأنا لم أرتكب مثل هذا الخطأ في حياتي السابقة.
صحيح أنّني في هذه الحياة أردتُ، على خلاف السابقة، ألّا أُظهر كامل قدراتي وأن أعيش متظاهرةً بالعاديّة، لكن… أهذه هي الحياة العاديّة أصلًا؟ حياة نخطئ فيها، ونرتكب الزلّات، ثم نندم ونتأمّل؟
حقًّا… هذا النوع من المتاعب لهو صداعٌ من نوعٍ آخر.
”حسنًا، ألم أقل لكِ إنّ الأمر ليس خطأك؟ أنتِ تُفرطين في التفكير، وهذا عيبك الوحيد ……بعد انتهاء مهرجان الصيد، وقبل دخولكِ الأكاديمية، ما رأيكِ أن نخرج لنستنشق بعض الهواء؟ إن ذهبنا إلى الإقليم الشمالي الذي ذكرتُه سابقًا، فالهواء هناك نقيّ، وقد يساعدكِ ذلك على تغيير مزاجكِ.“
كانت كلمات الدوق الأكبر بالغة اللطف.
مع أنّه هو نفسه يعاني الصداع من هذه القضية، فإنّه ما زال يملك متّسعًا من الاهتمام بي.
حقًّا، كان رجلًا يملك من السعة ما يؤهّله لأن يكون إمبراطورًا.
وإن كان الأمر كذلك، فلكي أبقى إلى جانب هذا الفتى، لا بدّ لي من قدرٍ مماثل من العزم.
فإن كانت الأخطاء لا مفرّ منها، أفلا ينبغي لي على الأقلّ أن أتولّى إصلاحها بنفسي؟
أمسكتُ باليد التي كانت تحتضن خدّي، ونظرتُ مباشرةً في عينيه الزرقاوين.
”يا صاحب السموّ امنحني فرصةً لأعالج هذا الأمر بنفسي.“
ارتعشت يد الدوق الأكبر ارتعاشةً خفيفة تحت يدي، لكنّي لم أحِد ببصري وبعد أن ظلّ ينظر إلى عينيّ بصمتٍ لحظة، أطلق زفرةً خفيفة وسحب يده.
”نعم، أنتِ فعلًا من هذا النوع ……حسنًا، افعلي ما تشائين.“
”شكرًا لثقتك الدائمة بي.“
أعدتُ يدي إلى حضني، وارتسمت على شفتيّ ابتسامةٌ هادئة.
التعليقات لهذا الفصل " 74"