وبما أنّ إعلان الخطوبة الذي سيُقام خلال مهرجان الصيد القادم وليلة ما قبل المهرجان بات وشيكًا، فقد بدأتُ أُعامَل داخل القصر الإمبراطوري على أنني خطيبة الدوق الأكبر بالفعل.
وكانت مشاركتي المستمرة في موائد العشاء التي تجمع الإمبراطور وزوجته بالدوق الأكبر جزءًا من هذه المعاملة.
“أكان ترتيبك الأعلى هذه المرة أيضًا؟”
قيل إن العُرف يقضي بألّا تُناقَش الشؤون الرسمية أثناء العشاء.
وبصراحة، لم أفهم سبب إهدار هذا الوقت الثمين لكن بما أنني في هذه الحياة قررتُ أن أعيش متفرّغة، أراقب الأجواء فقط وأستمتع بما يُقدَّم لي، فلم يكن للأمر أهمية تُذكر.
“أيّ ترتيب تقصد؟”
وهكذا واصلتُ تناول الطعام، وشاركتُ بقدرٍ مناسب في الأحاديث الجانبية للأسرة الإمبراطورية.
“آه، أثناء مهرجان الصيد تُقام رهانات في الخفاء من سيصطاد أكبر عدد من الطرائد، أو أضخمها، أو أخطرها.”
“ماذا؟”
رهاناتٌ على مناسبة وطنية؟ بل ومن كلام الدوق الأكبر بدا وكأن كثيرين يراهنون حتى على الإمبراطور نفسه! عندها تساءلتُ بصدق: متى يُستَخدم أصلًا جرمُ إهانة الأسرة الإمبراطورية في هذه الدولة؟
ومن خلال ما لاحظته، بدا أن السلطة الإمبراطورية قوية إلى حدّ يجعل هذه العائلة متسامحة نسبيًا مع نبلاء يتجاوزون حدودهم.
الماركيز تشيس مثالٌ واضح على ذلك ففي إمبراطورية جين، لم يكن من الممكن أصلًا إقامة مقامرة علنية كهذه.
لا… بل إنني حين فكّرتُ بالأمر، خطر لي أن جلالته ربما كان ليستمتع بذلك فقد أعلن نفسه إمبراطورًا، لكنه لم يكن مولعًا بإظهار هيبته أو التشبث بالسلطة.
وحين وصلني هذا الخاطر، اندفعت فجأة موجة صداع، فشرد بصري نحو مكان بعيد وأرخيتُ نظري كانت طريقة فعّالة لتخفيف الألم.
“هاهاها! يبدو أن الموضوع كان صادمًا قليلًا لأميرة نشأت في القصر.”
ضحك الإمبراطور بصوتٍ عالٍ، وقد بدا أن تعابير وجهي كانت واضحة للغاية.
“لا تمازح بلانش، يا أخي.”
تنفّس الدوق الأكبر تنهدًا مبالغًا فيه، ثم شرح لي بنبرة ألطف.
“لا أعلم أي صورة تحملينها عن القمار، لكن الرهانات في مهرجان الصيد ليست مظلمة أو دنيئة كما قد تتخيّلين فهي مقتصرة على المشاركين في الصيد فقط، ولا أحد يراهن طمعًا في ربح كبير بل هي أقرب إلى تسلية لمن لا يشارك فعليًا في الصيد أو لا يثق بمهارته.”
همم… حين قالها بهذه الطريقة، تلاشت صورة المتشرّدين في أقبية القمار المظلمة، يمضغون الأفيون ويراهنون بأسرهم.
“وهل شارك سموّك في الرهان؟”
“أنا؟”
ابتسم الدوق الأكبر ابتسامةً دائرية.
“آه، صحيح لا بأس بالمشاركة هذه المرة.”
أي إنه لم يكن ينوي الرهان حتى الآن ربما لأن مشاركة أحد أفراد الأسرة الإمبراطورية في مثل هذه الأمور تُعدّ غير لائقة؟ أو لعلّ العُرف يقضي بعدم المشاركة صراحةً.
فهل عليّ أنا أيضًا أن أمتنع؟ فكّرتُ في الأمر قليلًا.
“وعلى من ستراهن؟”
رفع الإمبراطور ذقنه مجيبًا عن سؤاله المرح.
“عليّ بالطبع.”
…أن يطمح إلى الصدارة من أول مشاركة؟ ترى، هل الدوق الأكبر مولع بالصيد؟ ليت ذلك كان مجرد مزاح.
أنا لا أحب الصيد فالتدريب القتالي مفهوم، أما مواجهة حيوانات لا تفهم الكلام والتعرّض للإصابة فذلك أمر مختلف.
إن كان الأمر يتعلق بصيادين محترفين يزيلون الحيوانات المؤذية فحسب، لكان مفهومًا، لكن أن ينخرط أصحاب المقامات الرفيعة في الصيد كهواية… فهذا غير محمود.
ولا سيما أن عشّاق الصيد يميلون إلى مطاردة الحيوانات المفترسة والضخمة، ما يزيد الخطر.
كنتُ قد نصحتُ جلالته مرارًا وتكرارًا بالكفّ عن الصيد، لكن دون جدوى.
ذلك الصيد اللعين للنمور… حقًا من دون حتى تعيين وليّ للعهد، كان يخرج للصيد، ولو أُصيب، فمن كان سيتحمّل العواقب؟ ومع ذلك كان يستمتع بصيد النمور.
ولهذا، فحتى مجرد كون الدوق الأكبر — وليّ العهد الإمبراطوري — متحمسًا للصيد، كان يبعث في نفسي شعورًا سيئًا.
“يمكنكِ حضور مأدبة ما قبل المهرجان فقط، والبقاء معي في المقرّ يوم الصيد ما رأيك؟”
“ماذا؟ هل جلالة الإمبراطورة لا تشارك في الصيد؟”
اتسعت عيناي دهشة.
فليس كل صيادٍ مقاتلًا بارعًا، لكن غالبًا ما يكون المحارب المتكامل بارعًا في الصيد أيضًا ثم تذكّرتُ ما قاله الإمبراطور قبل قليل عن أعلى نسب المراهنة.
أجاب الدوق الأكبر عن تساؤلي بنبرة واضحة.
“آه، زوجة أخي ممنوعة من المشاركة في مسابقة الصيد فالحيوانات تشعر بهالتها القاتلة، فإما أن تختبئ أو ترتجف فلا تتحرّك، وبذلك لا يكون الصيد مجديًا.”
“آه…”
حقًا، كانت موهبة مذهلة مهما سمعتها لو بدأت إمبراطورية رتايل حربَ توسّع، لكانت ليانا عنصر تهديدٍ عظيم للأعداء.
“على أي حال، لا بأس الصيد ليس ممتعًا إلى هذا الحد.”
ومع ذلك، بدا على وجهها شيء من الاستياء لم أدرِ إن كانت منزعجة لأنها لا تستطيع الصيد، أم لأنها مستبعَدة من الحدث.
وبعد أن كانت متجهّمة قليلًا، ابتسمت ليانا فجأة وقالت لي بلطف.
“فلنشرب الشاي معًا في المقرّ سيكون ذلك أريح وأمتع بكثير من الركض على ظهور الخيل.”
كان عرضًا مغريًا أتجنب الصيد الذي لا أحبه، وأُظهر في الوقت نفسه قربًا من ليانا.
لكنني تذكّرتُ ملامح الضيق التي رأيتها على وجهها قبل قليل.
هل يكفي مجرد الحديث لتفريغ ذلك الكبت؟ حين فكّرتُ في الأمر، بدا لي أن الجواب لا.
ولهذا اخترتُ أسلوبًا مختلفًا في التقرّب.
“لا، سأشارك في مهرجان الصيد أيضًا وسأهدي الطريدة التي أصطادها لجلالة الإمبراطورة.”
يُقال إن من يصطاد في المهرجان يقدّم صيده لشريكه أو لسيده.
أنا لستُ شريكة الإمبراطورة ولا من أتباعها، لكنني أتلقّى منها دروس المبارزة، وإن اعتُبرتُ تلميذة تُهدي إنجازها إلى معلمتها، فلن يبدو الأمر غريبًا.
والدوق الأكبر سيشارك بنفسه في الصيد، لذا لن يكون من السهل الاعتراض إن قدّمتُ صيدي للإمبراطورة بدلًا منه.
آه، تلك الشائعات اللعينة عن الخلاف… حتى عند اختيار من أقدّم له صيدي، عليّ أن أضع هذه الأمور في الحسبان شعرتُ بضيقٍ مفاجئ واضطررتُ إلى كبح مشاعري.
“يا له من كلام يبعث على السرور، حتى وإن كان مجرد قول.”
بدت ليانا سعيدة بصدق، وكأنها لم تتوقع هذا الرد إطلاقًا.
فالودّ الذي بدأ لكوني الطفلة الوحيدة التي تتبعها، كان — ولحسن الحظ — لا يزال قائمًا بعد عشر سنوات.
“مع ذلك، الغابة خطرة هناك سهام طائشة، كما تُطلق كلاب الصيد إن رغبتِ في الصيد، فسأرتّب لك لاحقًا صيدًا خاصًا بعيدًا عن المهرجان.”
“صحيح سأقدّم أنا الطريدة لسيدتي، فلتبقَ الأميرة في المقرّ.”
وافق الإمبراطور على كلام ليانا، انطلاقًا من حرصه عليّ.
لكن، وبغضّ النظر عن كرهي للصيد، فإن خبرتي فيه كانت وافرة.
فجلالته كان يحب تنظيم حملات صيد كبرى يصطحب فيها جميع كبار الوزراء، وبوصفي مقربه المفضل، كنتُ أُستدعى كثيرًا للمشاركة.
لذا، كان قلق ليانا في غير محلّه.
“لا تقلقي بشأن الإصابة لقد تعلّمتُ جيدًا على يد معلمتي، ويمكنني حماية نفسي.”
بعد خمس سنوات من التدريب على يد فابيلا، بدأتُ باستخدام السيف فعليًا.
ذكريات حياتي السابقة كانت عونًا لي، فضلًا عن مهارة معلمتي، فتطوّر مستوى سيفي سريعًا. أي إنني لستُ بالدرجة التي تُصاب فيها بسهمٍ طائش.
“همم… إن نيتكِ لجديرة بالثناء.”
تدخّل الدوق الأكبر وهو يتنحنح.
“لكن، هل تجيدين الرمي بالقوس؟”
كان سؤالًا بديهيًا، لكنه بالنسبة لي غير ذا معنى.
“لا حاجة إلى القوس، سأضع فخاخًا.”
“…ماذا؟”
اتّسعت عيون أفراد الأسرة الإمبراطورية الثلاثة دهشةً.
“لقد اطّلعتُ على لوائح مهرجان الصيد، ولم أجد فيها تحديدًا لوسيلة صيد الطرائد أليس معنى ذلك أن الصيد بالفِخاخ يُعدّ مقبولًا أيضًا؟”
كان الأمر كذلك فعلًا لم أكن أنوي اصطياد الحيوانات بيدي أصلًا فلو تعرّضتُ لإصابة، لتعقّدت مسألة تحمّل المسؤولية، ولا أعلم لماذا قد أرتكب خطأً كهذا.
“هذا صحيح، لكن هل تعرفين كيفية التعامل مع الفِخاخ؟”
بدا الإمبراطور في حيرة فاكتفيتُ بابتسامةٍ رزينة بدلًا من الإجابة.
“درستُ الأمر قليلًا.”
وبالطبع، كان ذلك كذبًا في الحقيقة، كنتُ متمرّسة إلى حدٍّ لا بأس به في الصيد باستخدام الفِخاخ أدقّ وصفٍ للأمر أنني لم أستخدمها بنفسي كثيرًا، لكنني شاهدتُ مرارًا صيدًا يتمّ بها عن قرب.
كنتُ أخرج للصيد مرافقةً لجلالته، لكنني لم أكن مهتمة بالصيد ذاته، بل كنتُ أقضي معظم الوقت في الخلف أتحدّث مع الصيادين الذين جرى استدعاؤهم، وأسألهم إن كانوا قادرين على القدوم إلى إقطاعيتي في الشتاء لاصطياد وحوش البحر.
ومنهم تعلّمتُ طرق الصيد بالفِخاخ: أين يُفضّل نصبها، وأين لا يجوز ذلك، بل وحتى أنواع الحيوانات الأنسب لصيدها بهذه الطريقة.
صحيح أن الفِخاخ المستخدمة في إمبراطورية جين تختلف قليلًا عن تلك المستعملة هنا، لكنني درستُ هذا الجانب على حدة، ولذا فمن المفترض ألا تكون هناك مشكلة.
“حسنًا، إذًا لا بأس بأن نتركها تفعل ما تشاء، أليس كذلك؟”
أيدّ الدوق الأكبر الأمر ببرود، وهو يسند ذقنه إلى يده ثم التفتَ إليّ وابتسم ابتسامةً جانبية.
التعليقات لهذا الفصل " 73"